قناة السويس، والأضواء المسلطة عليها، وعلى السفينة الجانحة التي عرقلت سير الملاحة فيها، قد تعيد لدى أجيال هرمت ذكرى الرجل الذي أمّمها.
يبقى جمال عبد الناصر، بعد أكثر من نصف قرن على وفاته، المثال الأكثر وضوحاً، والأكثر استدعاءاً، للزعيم القومي العربي. «سيظلّ اسمك يا جمال أنشودة الأجيال العربية». شعار طُرح للتداول في أعقاب موته المبكر.
ربما أن الأجيال التالية لم ترضَ بالهوية التأحيدية التي أرادها لها هذا الشعار، ثم أنها، فرادى وجماعات، على الغالب الساحق، لم يكن لديها الكثير مما يدعو إلى الإنشاد. ولكن أصداء تعظيم شخص جمال عبد الناصر استمرت معها، ولا سيما خارج مصر، حيث التغاضي عمّا لا يروق من أوجه تجربته أسهل. على أنه، حتى في مصر نفسها، بعد مرور الكافي من الزمن لتغيب بعض ذكرى هذه الأوجه، فإن صورة جمال عبد الناصر تشهد بعض التأهيل، وبعض التوظيف.
جمال عبد الناصر هو الضابط الشاب، بطل معركة الفالوجة في عمق فلسطين إبان التصدي للاستيلاء الصهيوني عليها، وهي معركة الصمود التي تكشف تخاذل الحكومات العربية عن القيام بواجبها، وتفضح تزويدها لجيوشها القادرة بالسلاح الفاسد.
ثم هو المشارك الرائد بثورة 1952 التي أطاحت بالملكية الدخيلة والتبعية للمستعمر. والأهم، هو بطل التحرّر والتحرير. أمّم القناة، وبنى السدّ العالي من مدخولها، وتصدّى للعدوان الثلاثي عام 1956، ودعا لوحدة الوطن العربي وباشر بتحقيقها مع سوريا عام 1958، وإن نجح من تآمر بفرط عقدها، ودعم حركات الاستقلال من يمن الوطن العربي إلى جزائره، وما يتعداهما، وخلّص مصر من الجاليات التي كانت تستنزف ثرواتها، بعد أن خيّرها البقاء شرط التنازل عمّا عدا الجنسية المصرية، ثم قاد الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وواجه الظلامية الإسلامية، وكان مع نهرو الهند وتيتو يوغوسلاڤيا أحد أعمدة حركة عدم الإنحياز.
وتحلّى بالمسؤولية القيادية إثر نكسة 1967، فتنازل عن الرئاسة، ولكنه عاد إليها استجابة للإصرار الشعبي، وأكّد الموقف المبدئي الحافظ للعزة والكرامة بلاءات الخرطوم الثلاث، لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف، ثم عمل على توحيد الصف العربي، قبل أن توافيه المنية عام 1970.
جمال عبد الناصر، صاحب الجاذبية الشعبية، والقدرة الخطابية المشهودة، كان الرئيس المتواضع الذي لم يعمل على إثراء نفسه، بل فنى عمره خدمة لوطنه وأمته، كان القدوة لمن تلاه من قادة ثورات ورؤساء جمهوريات في الوطن العربي، نماذج من أنماط معمّر القذافي وحافظ الأسد وجعفر النميري وصدام حسين، ولكنهم، وإن اجتهدوا، لم يبلغوا مقامه.
ربما أن الرجل قد استفاد من مقولة مصطفى كمال أتاتورك بأن يعمل «من أجل الشعب، رغماً عن الشعب»، أو ربما، كما يريد له أقحاح القوميين، كان حالة جديدة في السعي إلى إيقاظ المارد العربي.
واقع الأمر أنه في الزخم الإعلامي والفني المصاحب لتأليهه، ليس واضحاً ما إذا كان «المارد العربي» هو «الأمة العربية» التي يوقظها جمال عبد الناصر من السبات الذي أرغمها عليه الاستعمار، أم هل أن «ناصر» هو نفسه المارد العربي.
على أي حال، فالمفارقة كانت بأن أول حاكم لمصر من ملح أرضها وأبنائها، بعد ألفيتين ونصف من الأعوام من حكم المنسوبين إلى خارجها، هو الذي جرّد مصر من اسمها، وجعل منها، حتى بعد إفلات سوريا واليمن منها، «الجمهورية العربية المتحدة».
نوايا الرجل؟ لا حاجة للسؤال عنها، بل فليكن التسليم افتراضاً أو جدلاً بأنها بمطلق الصدق والإخلاص. على أن العبرة في التنفيذ، وهنا قد يجوز الاختزال، للاعتبار الفوري، بالإشارة إلى أن مصر كانت من حيث تعداد السكان والناتج الوطني عام 1960، ندّاً لكوريا الجنوبية. وهذه الأخيرة كانت قد هدّمت مرات عدة نتيجة حرب مدمّرة، وهي أيضاً كانت عند ثغور حرب باردة جعلت منها عرضة للاختراقات والمؤامرات. أين مصر اليوم من كوريا الجنوبية، والتي ارتقت بنيوياً واقتصادياً وسياسياً إلى المصاف المتقدم عالمياً؟ ليس أن المسؤولية تقع على جمال عبد الناصر دون غيره، ولكنه ليس حرياً بمن يعظمه أن ينسب إليه الفضل في الفروع، ثم يعفيه من المساءلة في الأصول.
على أي حال، صورة الرجل وإنجازاته لا تصمد أمام السريع من المراجعات لتكشف عن حجم الكارثة التي نجمت عن حكمه. أمّم القناة، في استعراض محكم باهر، ولكن قبل أعوام قليلة وحسب من انتقالها المرتقب الهادئ إلى مصر بالكامل، إذ كان عقد الشركة المديرة لها يشارف على الانتهاء. وناتج تأميمها الاقتصادي كان حرمان مصر من التفاعل مع الرأسمال العالمي، أي الكثير من «العزة»، والقليل من «العيش»، وزجّ البلاد بمغامرات عسكرية وسياسية استنزفتها وشوّهت مؤسساتها.
«إصلاحات» جمال عبد الناصر كانت انتقامية في حصيلتها، أي أنها حرمت من كان بموقع الاستغلال من المتمولين من بعض أملاكهم، ولكنها لم تحقق مصلحة الضعفاء، بل جعلتهم عرضة لشريحة جديدة استولت على أموال النخبة وأحوالها باسم الشعب والأمة.
منطق الاقتصاص الصفري هو الذي جعل من تصفية الحضور التعددي في مصر، والمتأصل فيها لقرن ونيف، «إنجازاً»، فيما هو تدمير ممنهج لقدر من أسباب قوة البلاد، ونفي لإمكانية التعويل على الجاليات المقيمة فيها، شوام ويونان وأرمن وطليان وغيرها، لتكون جسوراً تعبر منها مصر بمجموعها إلى المستقبل المنشود. الإصرار على خرافة الصفاء القومي ووهم الاكتفاء الذاتي جعلا عبد الناصر يجمل المصريين اليهود، بمن فيهم من هو مجبول بتاريخ مصر بقدر ما هو عبد الناصر نفسه، ضمن من سعى إلى ترحيله. هو اقتطاع للذات مؤسس لأحلام خبيثة أخرى تلته.
قضية فلسطين ليست سهلة ولا هي قابلة لغضّ النظر. على أنه للخصومة وللعداء أحكام، استعاض عنها جمال عبد الناصر بالاستعراض. قناة السويس، وفق التوافق العالمي، كان من المفروض أن تكون مفتوحة للملاحة دون تمييز. عبد الناصر أغلقها بوجه السفن الإسرائيلية. ثم زاد على ذلك، بأن منع هذه السفن من عبور مضيق تيران، عند فوهة خليج العقبة. أي أنه سعى إلى خنق إسرائيل وسد المنافذ عليها، متجاوزاً التشريعات البحرية الدولية. فهل مشاركة إسرائيل بالهجوم الثلاثي، مع فرنسا وبريطانيا الساعيتين إلى استرداد القناة المؤممة، عام 1956، كان عدواناً أم رداً على عدوان؟
وما كان الدرس المستفاد لجمال عبد الناصر من التطويق الدولي، الأميركي السوڤياتي الكندي، للعملية الثلاثية ومنعها من تحقيق نتائجها؟ الانتصار يتحقق بالمناورة، وليس بالقوة. لا بد بالتأكيد من عرض االعضلات خطابياً، والحديث عن سحق مؤامرات ونجاح محتوم. أما العمل على تأمين الوسائل، فيبدو أنه أقل أهمية.
وهكذا، كان بوسع الرئيس القائد أن يدعو الإسرائيليين إلى حزم حقائبهم ومغادرة فلسطين، إذ أن الجحافل العسكرية من مصر وسوريا والشعوب العربية في الأردن والسعودية وغيرهما قادمة لتطهير الأرض المحتلة وقتلهم، وأن يطرد وحدات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من مواقعها في سيناء استعداداً لملحمة، لا يبدو بتاتاً لا أنه كان مستعداً لها ولا أنه كان يتوقع حدوثها.
ولكنها حدثت. ثم هي إذ حدثت، وتبدد ضباب مزاعم النصر العظيم، وبعد أن كانت قدراً محتوماً وزحفاً أكيداً لتحرير الأرض من رجس الاحتلال، أمست عدواناً جديداً، ثم نكسة يؤسف لها على ما يبدو، ولكن دون مساءلة أو حساب.
جمال عبد الناصر كان على حق. الانتصار يتحقق بالمناورة. الانتصار هنا هو البقاء بالسلطة بعد هزيمة نكراء وكارثة مشهودة أنزلها ببلاده ومنطقته، وبعد تدمير قاصم للاقتصاد والمجتمع والعلاقات مع العالم على مدى قرابة عقدين، وبعد مغامرات فاشلة قاتلة في اليمن. أما المناورة فهي عبر هذه القدرة الخطابية الجذابة، التي جعلت من الانقلابي قائد ثورة، ومن الكلام عن الحرية والتحرير قناعاً للاستبداد والقمع، ومن الفساد وسوء الإدارة اشتراكية، ومن السعي إلى إسقاط حكومات الأشقاء الخصوم تحقيقاً للوحدة.
ربما أن جمال عبد الناصر أراد الخير لمصر ولأمته العربية وما يتعدى هذه وتلك. على أن ما في القلوب ليس مقياساً للتاريخ. والحكم يكون على أعمال المرء، لا على نياته.
على أن الإشكالية ليست في جمال عبد الناصر، في نجاحاته القليلة وفي فشله الوافر الكثير. بل هي في خطاب سياسي وثقافة فكرية وشعبية على مدى المحيط العربي مستعدة أن تعذر جمال عبد الناصر، ثم صدام حسين، واليوم ربما بشار الأسد لأخطاء وجرائم وشناعات أودت بضحايا لا تحصى، وحرمت الباقين من مستقبل لائق.
أين كانت مصر لتكون اليوم لو لم تفرّط بموقعها الدولي، واستثمرت في حقها في قناة السويس بدلاً من تأميمها، ولم تقتطع من لحمها بطرد أهلها من الجاليات المتأصلة فيها، ولم تتورط بحروب أفقدتها عشرات الآلاف من خيرة أبناءها وعسكرت اقتصادها ومجتمعها، ولم تتعنت بتصعيد المأساة الفلسطينية بدلاً من إيجاد الحل والتسوية لها.
ليس من المبالغة أنها كانت لتكون اليوم حيث كوريا الجنوبية من الرخاء والتقدم والازدهار والاطمئنان. لجمال عبد الناصر أن يعتزّ به من يرى فيه رمزاً لقناعات مبنية على الاجتزاء. أما ما عليه، بل على من يعتزّ به، فهو أن يبيّن لمصر وجوارها وما يتعداهما كيف أنه في الرمزية والتفاخر بها تعويضاً عمّا جرى تبديده من الحياة والسلام والعيش الكريم.

