الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو
الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو

يتداول التشاديون في مجالسهم الخاصة قصة تلميذ من أبناء الأسر المقربة من الرئيس إدريس ديبي اعتاد على جلب مبالغ مالية كبيرة إلى المدرسة يوميا والمباهاة بها أمام زملائه. لفت ذلك التصرف انتباه أحد المدرسين فطلب من التلميذ الحضور برفقة والده إلى المدرسة في اليوم التالي. 

عند حضور الأب، أخبره المدرس بما لاحظه من تصرف وسأله إن كان على علم بالأمر. التفت الوالد إلى ابنه وسأله من أي الصناديق كان يأخذ المبالغ التي يحضرها إلى المدرسة، فأخبره الابن بشكل ومكان الصندوق الذي يأخذ منه يوما. نظر الوالد إلى المدرس وقال له: لا داعي للقلق فالصندوق المذكور خاص بالتلميذ وله حرية التصرف بالأموال الموجودة بداخله. 

وسواء كانت القصة حقيقية أو خيالية إلا أنها تجسد واقع الحال في البلاد خلال فترة حكم ديبي الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، حيث ظهرت بصورة مفاجئة طبقة فاحشي الثراء الذين يمكن حصرهم في دائرة الأفراد والعائلات المقربين من الرئيس. ثروات لا مجال لتصور تكوينها بطريقة شرعية في بلد فقير يعيش غالبية شعبه في فقر مدقع بما في ذلك الموظفين الحكوميين الذين يعانون من انقطاع مرتباتهم الشهرية، التي لا تكاد تغطي احتياجاتهم الأساسية، بصورة مستمرة.

إن من نافل القول إن ديبي شرعن الفساد في تشاد وجعله سياسة استراتيجية يتبعها مع أنصاره وخصومه على حد سواء، من أجل الإبقاء على دعم الموالين واكتساب ولاء المعارضين بهدف الاستمرار في حكم البلاد أطول فترة ممكنة والتمهيد لتوريثها لذريته من بعده. 

والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ويعلمها كل من يتابع سياسة الرئيس ديبي مع الموالين والمعارضين داخل البلاد وخارجها حيث دأب على كسب تأييد زعماء القبائل عبر تعيين أبنائهم في مناصب عليا في الدولة واستمالة قادة المعارضة بالأموال والمناصب وغض الطرف عن تجاوزات التجار الداعمين لأنشطة حزبه وتقديم الدعم المالي للأحزاب الكرتونية المؤيدة له. كما يدعم ذلك تربع تشاد في المراكز المتقدمة لمؤشر الدول الأكثر فسادا في العالم خلال سنوات حكم ديبي. 

لقد بلغت سياسة شرعنة ديبي للفساد في تشاد مبلغا خطيرا لدرجة أن الأقرباء ورفاق السلاح الذين عرفوه قبل وصوله إلى سدة الحكم أصبحوا لا يخفون تذمرهم من الرئيس، حين يتأخر في منحهم الرتب والمناصب والعطاءات التي يعتقدون أنهم يستحقونها.

فقبل سنوات، وصل أحد رفاق سلاح الرئيس إدريس ديبي إلى الولايات المتحدة رفقة أسرته واشترى بيتا دفع ثمنه نقدا في أحد أرقى أحياء مدينة آرلينغتون بولاية فيرجينيا. المقربون من الرفيق أرجعوا سبب قدومه إلى أميركا إلى امتعاضه من الرئيس لعدم منحه منصبا مناسبا لمكانته ولا الرتبة العسكرية التي يعتقد أنه يستحقها. بعد عام أو نحو ذلك تقريبا، زار الرئيس ديبي الولايات المتحدة والتقى بالرفيق الناقم وأرضاه برتبة عسكرية عالية وبتعيينه ملحقا عسكريا في سفارة تشاد بإحدى دول غرب أفريقيا. 

والتفسير المنطقي لهذا التصرف هو أن ديبي يدير البلاد وكأنها مزرعة يملكها وحده ويخصص حصصا من أسهمها لأبنائه وأقربائه ومعارفه ورفاق سلاحه يوزع عليهم المناصب الإدارية فيها ويقتسم معهم ريعها. أما المواطنون العاديون فهم بالنسبة له بمثابة عمال لا يستحقون حتى الحصول على أجورهم في موعدها في نهاية كل شهر وحين يضربون عن العمل يهددهم بالطرد والحرمان من الأجر.  

وفي مقابل كل هذا السخاء في توزيع المناصب والأموال يحصل ديبي على الولاء المطلق من كل المستفيدين ولاء يتجلى بشكل واضح هذه الأيام مع انطلاق الحملة الانتخابية للحزب الحاكم لضمان فوز ديبي بفترة رئاسية سادسة مهما كلف الأمر وبأي ثمن، كان حتى ولو تطلب ذلك مهاجمة منزل أحد المرشحين لخوض الانتخابات بالدبابات كما حدث مع المرشح يحيى ديلو قبل أسابيع قليلة بعد إعلانه عزمه خوض الانتخابات الرئاسية. 

لقد بات ديبي بفضل انتهاجه سياسة شرعنة الفساد في البلاد موقن بأنه سيبقى في الحكم ما شاء الله له أن يبقى ولذلك لم ينتظر حتى إعلان نتائج الانتخابات المقررة في الحادي عشر من شهر أبريل، ليكيل الشتائم لمعارضيه في أولى فعاليات حملته الانتخابية حين قال لهم "دمبولا هناكم" والتي يصح ترجمتها للعربية بـ"موتو بغيظكم" أو حتى "تبا لكم".
 
قبل أيام، قال ديبي بأنه جلب الديمقراطية للشعب التشادي بالدماء وبالحرب، تصريح لا يحتمل سوى تفسير وحيد وهو: إما أن تقبلوا بي حاكما لأنني جلبت لكم الديمقراطية، وإلا فعليكم شن الحروب والتضحية بدمائكم إن أردتم إزاحتي عن السلطة. 

إن شتائم ديبي وتهديداته لن تزيد الشعب إلا وعيا بفساده وأنانيته وعدم أهليته، وسواء طال الزمان أم قصر سيذهب غير مأسوفا عليه إلى الجانب المظلم من التاريخ وسيخلد اسمه في سجل الظالمين وسيلحق العار أنصاره المطبلين وسيبني الشرفاء وطنا يتسع للجميع يقوم على أسس العدل والحرية والمساواة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.