في آخر تصريح له، قال الرئيس اللبناني، ميشال عون، إن بلده وصل إلى مرحلة الانهاك بسبب اللاجئين السوريين! وهذا القول هو دأب عون كلما ضاقت به سبل تعليق فشله على أكتاف الآخرين، واللاجئين، خير يستجير به الرئيس في قصة الفشل المتراكمة على مدى سنوات عهده التي نتمنى ان لا تكون مديدة.
لبنان وصل إلى مرحلة الانهاك بسببك يا فخامة الرئيس، ويجب أن توقف اعتداءاتك المتواصلة على ذكائنا وعلى عقولنا. لبنان وصل إلى مرحلة الانهاك بسبب فساد صهرك، وبسبب ارتهانك للسلاح غير الشرعي وبسبب خلو أدائك من الحد الأدنى من المسؤولية. لبنان وصل إلى الانهاك يا فخامة الرئيس لأن العالم أقفل أبوابه في وجهه بعد أن توليت أنت قطع علاقاتنا مع هذا العالم، وإذا كان من باب واحد غير موصد، فهو المساعدات التي تصل بالدولار واليورو إلى هؤلاء اللاجئين، والتي كشفت تحقيقات عديدة أن أبواب الهدر والفساد في وزارة التربية تتولى تبديدها وتحويلها إلى أرصدة مساعدي صهرك العزيز، ولنا بذلك ما كشفه وزير التربية الحالي طارق المجذوب عن أداء سلفه إلياس أبو صعب المقرب منك والمحبب لصهرك وللعائلة الكريمة.
لطالما فعلها رئيسنا وأحال الفشل الذي تعيشه جمهوريته إلى هؤلاء اللاجئين الذين يرفض حليفه في قصر المهاجرين في دمشق عودتهم، بعد أن أعلن جهاراً نهاراً أن سوريا من دونهم أكثر انسجاماً، وهؤلاء اللاجئون الذين ماتت عائلة منهم قبل أيام من البرد، بينما كانت تحاول النجاة من الثلوج ومن نيران الدولة التي تريد أن تعيدهم يا فخامة الرئيس إلى جهنمها.
لم يعد أمامنا إلا أن نخاطبك مباشرة، من دون الوسائط التي تحيلك إلى منصب أو خيار أو فكرة. ذاك أنك تتولى من موقعك تكرير الفكرة المتمثلة في إحالة فشلك على أضعف حلقات المشهد. أنت الرئيس الذي حول الكرسي إلى منصة كراهية للاجئين الذين لا يملكون قوة رد السوء عن أنفسهم وإعادتها إليك. اللاجئون الهاربون من حليفك في دمشق، وهم إذ تصلهم تحويلات مؤسسات الإغاثة الدولية إلى حسابات الوزارات والإدارات، يذهب جزء يسير منها رواتب موظفين مقربين منك بحسب ما أكد الوزير المجذوب.
لبنان منهك يا فخامة الرئيس، لأن طبقة فاسدة توجت عهدك بعملية سطو كبرى على مدخرات الناس. لبنان منهك لأن انفجاراً تاريخياً دمر عاصمته، وكنت على علم بوجود نيترات الأمونيون في مرفأه. لبنان منهك لأنك تمنع تشكيل حكومة تعيد بعض الثقة للجهات الدولية التي تريد المساعدة. اللاجئين هم آخر ما تبقى من قنوات وصول المساعدات بعد أن فقد العالم الثقة بإدارتكم لمبادرات الإغاثة، ولنا بذلك ما جرى في أعقاب الانفجار عندما توجهت المساعدات إلى مؤسسات المجتمع المدني، وما وصل للدولة وأجهزتها منها ضاع في أروقة الفساد، وتبدد في قنوات الفشل الذي تديره سلطتك يا فخامة الرئيس.
للبنان قصة غريبة عجيبة مع اللاجئين السوريين، وهي قصة متوجة بمزاج الرئيس الذي يشيح بوجهه على نحو فظيع عن سبب "الانهاك" ويحيله إلى اللاجئين. فموت عائلة بكاملها بسبب الصقيع في الجرود حدث بارد لا يثير رأياً عاماً ولا يطرح تساؤلات حول مأساة يعيشها مئات الآلاف من اللاجئين السوريين المحاصرين بالثلوج. ومن أغرب المفارقات اللبنانية هو أن محطات التلفزيون، لا سيما المعادية للاجئين السوريين، وبعضها معادي للنظام السوري الذي هجرهم، تبث صوراً لبؤس الحياة التي يعيشها هؤلاء في خيمهم التي تغطيها طبقات من الثلج، من دون أن تهدف الصور إلى استدراج تعاطف معهم. مشهد البؤس غير موظف في مهمة كشف المأساة. هو مشهدهم العادي، وصور بؤسهم التي ترافق خبراً عن اعتقاد الرئيس أنهم مصدر ترنح لبنان، لا يثير بأصحاب الخبر حساسية حيال المآسي التي يعيشونها في مخيماتهم.
تنتظرنا في لبنان مستويات أكثر فظاعة في ظل الكارثة التي نعيشها على كل المستويات. ما قاله الرئيس بالأمس هو أحد أشكال الكارثة. فالرئيس يريدنا أن نكون شركاؤه في النكران وفي إشاحة الوجه عن مصدر المأساة وعن مركزها. اللاجئون أضعف شريحة، وهم خير من نحيل عليهم سؤنا.
اللاجئون حبل نجاة الرئيس بوجه الحصار المسيحي الذي يعيشه بفعل رفض الأخيرين سلاح حزب الله، ويبدو أن استجابة المسيحي لهذا التحريض ضعيفة هذه المرة، ذاك أن مساعي الرئيس أشبه بمحاولة تغطية الفضيحة بقشة واهنة.

