والدتان سوريتان وأطفالهما توفوا بسبب الصقيع على الحدود اللبنانية خلال محاولتهم العودة إلى سوريا - الصورة لصحيفة النهار اللبنانية وتظهر طفل من ضحايا المأساة التي وقعت الأسبوع الماضي.
والدتان سوريتان وأطفالهما توفوا بسبب الصقيع على الحدود اللبنانية خلال محاولتهم العودة إلى سوريا - الصورة لصحيفة النهار اللبنانية وتظهر طفل من ضحايا المأساة التي وقعت الأسبوع الماضي. | Source: www.annahar.com

في آخر تصريح له، قال الرئيس اللبناني، ميشال عون، إن بلده وصل إلى مرحلة الانهاك بسبب اللاجئين السوريين! وهذا القول هو دأب عون كلما ضاقت به سبل تعليق فشله على أكتاف الآخرين، واللاجئين، خير يستجير به الرئيس في قصة الفشل المتراكمة على مدى سنوات عهده التي نتمنى ان لا تكون مديدة.

لبنان وصل إلى مرحلة الانهاك بسببك يا فخامة الرئيس، ويجب أن توقف اعتداءاتك المتواصلة على ذكائنا وعلى عقولنا. لبنان وصل إلى مرحلة الانهاك بسبب فساد صهرك، وبسبب ارتهانك للسلاح غير الشرعي وبسبب خلو أدائك من الحد الأدنى من المسؤولية. لبنان وصل إلى الانهاك يا فخامة الرئيس لأن العالم أقفل أبوابه في وجهه بعد أن توليت أنت قطع علاقاتنا مع هذا العالم، وإذا كان من باب واحد غير موصد، فهو المساعدات التي تصل بالدولار واليورو إلى هؤلاء اللاجئين، والتي كشفت تحقيقات عديدة أن أبواب الهدر والفساد في وزارة التربية تتولى تبديدها وتحويلها إلى أرصدة مساعدي صهرك العزيز، ولنا بذلك ما كشفه وزير التربية الحالي طارق المجذوب عن أداء سلفه إلياس أبو صعب المقرب منك والمحبب لصهرك وللعائلة الكريمة.

لطالما فعلها رئيسنا وأحال الفشل الذي تعيشه جمهوريته إلى هؤلاء اللاجئين الذين يرفض حليفه في قصر المهاجرين في دمشق عودتهم، بعد أن أعلن جهاراً نهاراً أن سوريا من دونهم أكثر انسجاماً، وهؤلاء اللاجئون الذين ماتت عائلة منهم قبل أيام من البرد، بينما كانت تحاول النجاة من الثلوج ومن نيران الدولة التي تريد أن تعيدهم يا فخامة الرئيس إلى جهنمها. 

لم يعد أمامنا إلا أن نخاطبك مباشرة، من دون الوسائط التي تحيلك إلى منصب أو خيار أو فكرة. ذاك أنك تتولى من موقعك تكرير الفكرة المتمثلة في إحالة فشلك على أضعف حلقات المشهد. أنت الرئيس الذي حول الكرسي إلى منصة كراهية للاجئين الذين لا يملكون قوة رد السوء عن أنفسهم وإعادتها إليك. اللاجئون الهاربون من حليفك في دمشق، وهم إذ تصلهم تحويلات مؤسسات الإغاثة الدولية إلى حسابات الوزارات والإدارات، يذهب جزء يسير منها رواتب موظفين مقربين منك بحسب ما أكد الوزير المجذوب. 

لبنان منهك يا فخامة الرئيس، لأن طبقة فاسدة توجت عهدك بعملية سطو كبرى على مدخرات الناس. لبنان منهك لأن انفجاراً تاريخياً دمر عاصمته، وكنت على علم بوجود نيترات الأمونيون في مرفأه. لبنان منهك لأنك تمنع تشكيل حكومة تعيد بعض الثقة للجهات الدولية التي تريد المساعدة. اللاجئين هم آخر ما تبقى من قنوات وصول المساعدات بعد أن فقد العالم الثقة بإدارتكم لمبادرات الإغاثة، ولنا بذلك ما جرى في أعقاب الانفجار عندما توجهت المساعدات إلى مؤسسات المجتمع المدني، وما وصل للدولة وأجهزتها منها ضاع في أروقة الفساد، وتبدد في قنوات الفشل الذي تديره سلطتك يا فخامة الرئيس.

للبنان قصة غريبة عجيبة مع اللاجئين السوريين، وهي قصة متوجة بمزاج الرئيس الذي يشيح بوجهه على نحو فظيع عن سبب "الانهاك" ويحيله إلى اللاجئين. فموت عائلة بكاملها بسبب الصقيع في الجرود حدث بارد لا يثير رأياً عاماً ولا يطرح تساؤلات حول مأساة يعيشها مئات الآلاف من اللاجئين السوريين المحاصرين بالثلوج. ومن أغرب المفارقات اللبنانية هو أن محطات التلفزيون، لا سيما المعادية للاجئين السوريين، وبعضها معادي للنظام السوري الذي هجرهم، تبث صوراً لبؤس الحياة التي يعيشها هؤلاء في خيمهم التي تغطيها طبقات من الثلج، من دون أن تهدف الصور إلى استدراج تعاطف معهم. مشهد البؤس غير موظف في مهمة كشف المأساة. هو مشهدهم العادي، وصور بؤسهم التي ترافق خبراً عن اعتقاد الرئيس أنهم مصدر ترنح لبنان، لا يثير بأصحاب الخبر حساسية حيال المآسي التي يعيشونها في مخيماتهم. 

يلجأ المهربون بين لبنان وسوريا إلى طرق تحت سيطرة حزب الله
الموت تحت الثلوج.. مأساة على الحدود اللبنانية تفضح خبايا عصابات التهريب لسوريا
بسمة، لاجئة سورية كانت تعيش مع زوجها وأولادها في الأشرفية في العاصمة اللبنانية بيروت. في الفترة الأخيرة، عانت من تبعات الحمل فما كان من زوجها أحمد إلا أن تواصل مع الطبيب الذي يتابعها وهو مُقيم في الرقة في سوريا، فطلب الأخير منه أن يسمح لزوجته بالذهاب إلى سوريا كي تتلقى العلاج اللازم، وتبقى تحت المراقبة إلى أن تضع مولودها. 

تنتظرنا في لبنان مستويات أكثر فظاعة في ظل الكارثة التي نعيشها على كل المستويات. ما قاله الرئيس بالأمس هو أحد أشكال الكارثة. فالرئيس يريدنا أن نكون شركاؤه في النكران وفي إشاحة الوجه عن مصدر المأساة وعن مركزها. اللاجئون أضعف شريحة، وهم خير من نحيل عليهم سؤنا. 

اللاجئون حبل نجاة الرئيس بوجه الحصار المسيحي الذي يعيشه بفعل رفض الأخيرين سلاح حزب الله، ويبدو أن استجابة المسيحي لهذا التحريض ضعيفة هذه المرة، ذاك أن مساعي الرئيس أشبه بمحاولة تغطية الفضيحة بقشة واهنة.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.