لم تمر ذكرى عشر سنوات على احتجاجات 24 آذار إبان الربيع العربي في الأردن بسلام، فقد شهدت البلاد تحشيدا ومكاسرة سياسية غير مسبوقة، خرج مئات المحتجين في كثير من المدن الأردنية، لكن قوات الأمن فرقتهم بالقوة، واعتقلت العشرات منهم.
مهما كانت مبررات الدولة وسرديتها لمنع الاحتجاجات السلمية، خاصة في ظل جائحة كورونا والخوف من تفشي الوباء، فإن النتيجة والمحصلة أن الأردن يخسر من سمعته وصورته في الداخل والخارج.
تجاهل معظم وسائل الإعلام في الأردن لاحتجاجات 24 آذار لم يحجبها عن الناس الذين تابعوها على منصات التواصل الاجتماعي، وسواء اعترفت الحكومة وأجهزتها الأمنية أو أنكرت، فإن قادة حراك 24 آذار أصبحوا عنوانا للمعارضة السياسية في البلاد، وصارت كلمتهم مسموعة، وطغى إيقاعهم على أداء الأحزاب السياسية الهزيلة، والنقابات الغائبة عن المشهد.
24 آذار كان لحظة فارقة في الأردن، استرجعت سنوات من الإخفاق في تحقيق الإصلاح السياسي، وشيوع الترهل وسوء الإدارة، وكان أكثر تجلياتها وضوحا فاجعة مستشفى السلط، ويتزامن ويترافق كل ذلك مع غضب وسخط شعبي من آليات صناعة القرار، وتشكيل الحكومات.
السوشال ميديا ربما أصبح " ثيرموميتر" يقيس مواقف الشارع وتجلياته، وكان موجعا ما نُشر بعد الصدامات التي وقعت بين المحتجين ورجال الأمن، ومفاده "في مواجهة كل محتج يقف 50 دركيا، وعند كل 50 مريض في العناية الحثيثة يتواجد ممرض/ـة واحد/ة"، في إشارة واضحة لغياب الأولويات عند الحكومات.
يلخص الكاتب، جميل النمري، ما حدث بقوله: "24 آذار فشل من حيث حجم الحشد في الشوارع والساحات، لكنه حقق نجاحا سياسيا وإعلاميا فائقا، وأنا أراه - شئنا أم أبينا- الممثل الحقيقي للمعارضة والناطق بلسان حالة السخط والإحباط وعدم الرضى".
ربما أضعفت الجائحة وتفشي وباء كورونا من حالة التضامن مع حراك 24 آذار، فالجدل لم يتوقف بين تأييد الخروج للشارع، أو الرفض والامتناع في ظل الظروف الصحية الحرجة، ولكن السؤال المهم، ماذا لو لم تكن هناك جائحة، هل كان مشهد 24 آذار عام 2011 سيتكرر؟
عند التدقيق بالمشهد السياسي يتضح أن الحراك الشعبي يكسب زخما كلما تعمق فشل الحكومات في التعاطي مع الأزمات، وتحظى المعارضة الشعبية -إن جازت التسمية- بمزيد من الصدقية على حساب الحكومات التي تنوء بإخفاقات متكررة.
لا ينظر ولا يرى الحراك الشعبي وقادته الحكومات في عيونهم، وهم لا يتوجهون بخطابهم نحوها، وهم بذلك يقرون ويسلمون بواقع الحال، أن الحكومات "صاحبة ولاية منقوصة"، ولهذا فإن السنوات الماضية شهدت استدارة جلية بالذهاب مباشرة إلى رأس الدولة: "الملك".
تكسر وتخرق بعض الشعارات السقوف والأدبيات السياسية المتعارف عليها أردنيا، غير أن ما يطغى ويسود المطالبة بإصلاحات دستورية، وحكومات مُنتخبة، ومكافحة الفساد، واستعادة سلطة الشعب، وبالتأكيد فإن اعتماد المقاربات الأمنية للتعاطي مع الحراك الشعبي ليست حلا أو خيارا محمودا يُفضي إلى نتيجة، في ظل دعوة العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، إلى المباشرة في إصلاحات سياسية، وإعلان الحكومة نيتها تعديل قانوني الانتخاب والأحزاب، ودعوة رئيس مجلس النواب إلى حوارات وطنية للبحث في آفاق الإصلاح المطلوب.
تفسيخ الحراك الشعبي، وزرع الفرقة بين أعضائه والمتضامنين معه، استراتيجية قد تُضعفه آنيا، وتزيد من خصومه، وتؤجج صراعات جانبية تستنزفه ولا تُنهيه، وما نجح من قبل عشر سنوات من مقاربات قد لا يؤتي ثماره الآن بعد أن عمّ الغضب، وتوسعت رقعة الفقر والبطالة، وتراجع الأمل في التغيير.
حراك 24 آذار كان نقطة استقطاب وتصيد، فقد نُقل على لسان النائب، ينال فريحات، عضو كتلة الإصلاح النيابية وممثل الإخوان المسلمين في البرلمان "أن الحركة الإسلامية منعت أعضاءها من المشاركة في الفعاليات الاحتجاجية لقناعاتها بوجود أيادٍ خارجية تريد العبث بالوطن"، هذه التصريحات أشعلت فتيل الاختلاف، وأظهرت حزب جبهة العمل الإسلامي ذراع الإخوان كمن يتبرؤون من الحراك الشعبي، ويحرضون عليه للحفاظ على علاقتهم، وشعرة معاوية مع الحكم في البلاد.
فريحات سارع إلى إصدار بيان توضيحي نفى ما نُسب إليه، مؤكدا أنه قال لرئيس الحكومة "إن وجود معارضة قوية في الدولة دليل قوة الدولة وليس ضعفا، وأن على الحكومة عدم شيطنة المعارضة ومطالبها الإصلاحية".
وبين فريحات أن الحركة الإسلامية ارتأت بخصوص حراك 24 آذار عدم المشاركة بقرار مركزي حتى لا يتم شيطنة الحراك، واتهامه بأجندات خارجية، وإلصاق التهم المغرضة به، مشيرا إلى أن القرار المركزي لا يمنع الأفراد في الحركة الإسلامية من المشاركة.
مواقف الحركة الإسلامية توالت لإطفاء الحريق الذي أوقده ما نُسب إلى فريحات، فاعتبر حزب جبهة العمل الإسلامي "أن حل الأزمات يبدأ بإصلاح سياسي شامل، واصفا الحراكات الإصلاحية بحراكات وطنية، منوها إلى أن الأخبار الملفقة تهدف إلى شق الشارع الوطني"، وتبعها مؤتمر صحفي للجنة الحريات وحقوق الإنسان في الحزب أكدت فيه أن الحكومة استغلت قانون الدفاع لغايات سياسية وأمنية، وتغولت على الحقوق والحريات، ووصفت عام 2020 بأنه كان الأسوأ منذ الأحكام العرفية.
تداعيات احتجاج 24 آذار لم تنتهِ، فالموقوفون لم يخرجوا جميعا من السجن، والمؤسسات الدولية كالمرصد الأورومتوسطي تُصدر بيانات تنتقد توقيف العشرات على خلفية مشاركتهم في فعاليات احتجاج سلمية، وما يُسمى "المعارضة الخارجية" الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي لبث معلومات، أو توجيه نقد حاد للسلطة والحكم حظوا بمتابعة أوسع، ونجومية أكثر، وما ثبت بالقطع أن السوشال ميديا أصبح رديفا داعما للحراك يوصل صوته، ويُسهم في صناعة قيادات شابة جديدة، ويدفع قضاياه إلى الواجهة حتى لا تصبح نسيا منسيا.
لست مع المكاسرة السياسية، ولا أؤيد الحراكات التي تتجاوز سقف الدولة، أو من يحاولون توظيف الأزمات وركوب الموجة ليظهروا كأبطال، وعلى ذات المنوال، فإنني لا أجد في الخيارات الأمنية، والشدة، والضرب بيد من حديد حلولا للإنقاذ، وسأبقى مع حق الناس بالاحتجاج والتعبير السلمي، ولا أفهم كيف تُبرر الحكومة رفضها للاحتجاج والاعتصام خوفا من الإصابة بفيروس كورونا، وتزج الموقوفين بسيارات وأماكن احتجاز مزدحمة، ولا تراعي المعايير الصحية.
الدولة الديمقراطية هي القادرة على استيعاب الآراء المعارضة، وتوظيف التعددية والآراء المخالفة لتعزيز البنيان الديمقراطي، والأهم أن تستلهم الدروس من إخفاقها وفشلها لتنهض من جديد، وهنا يكمن السؤال، هل ستصبح 24 آذار محطة لنبدأ بإصلاح حقيقي يتعدى الشعارات الكلامية إلى فعل يحمي الأردن؟

