مصدر أمني مصري يكشف للحرة تفاصيل المفاوضات بين مصر وتركيا
مصدر أمني مصري يكشف للحرة تفاصيل المفاوضات بين مصر وتركيا

أمام انسداد أفق النزاعات الإقليمية وتزايد الكلفة الاقتصادية على أنقرة بسبب جائحة كورونا وتخبط الليرة التركية، هناك تحولات في السياسة الخارجية لتركيا تجاه الجانب الأوروبي والأميركي، وعربيا تجاه مصر وحكومتها بعد ثماني سنوات من الجفاء.

التحولات التركية تجاه مصر بدأت منذ شهور بمفاوضات حول المزايدات العالمية في حقول النفط في شرق المتوسط، وانعكست في الآونة الأخيرة بتطورات هامة: تحاشي القاهرة دخول مناقصة في حدود متنازع عليها بين تركيا وقبرص واليونان، كبح إعلام الإخوان المسلمين في تركيا، تشكيل حكومة في ليبيا يرضى عنها الطرفان، طلب وفد معارض تركي زيارة مصر، عرض أنقرة وساطة في ملف سد النهضة.

مصادر متابعة للاتصالات التركية-المصرية تشير إلى جدية أكبر باتجاه المصالحة من محاولات أحاطت السنوات الفائتة. فتفاقم مشاكل رجب طيب إردوغان الخارجية وتصادمه مع الاتحاد الأوروبي غربا والخليج شرقا، إضافة إلى أعبائه المالية بعد استقالة صهره بيرات البيرق كوزير للمال، وثم تغيير حاكم البنك المركزي، تدفع اليوم إلى إعادة حسابات دولية وإقليمية في أنقرة. 

في مصر أيضا هناك نظرة براغماتية للعلاقة مع تركيا. فمصر لم تغلق سفارتها في أنقرة رغم تراجع العلاقة إلى نقطة الصفر بعد تولي عبد الفتاح السيسي الحكم واعتبار إردوغان أن حكمه "غير شرعي". وما حدث ما بعد 2014 أزم العلاقة باستضافة تركيا قيادات إسلامية بعضها مطلوب من العدالة في مصر، واصطفاف القاهرة في المحور الخليجي المندد بتركيا ودورها في تغذية الإسلام السياسي.

اليوم هناك إدراك تركي أن موقع السيسي في الحكم مستقر سواء اعترفت به أنقرة أم لا. وهناك تواصل تم في عواصم غربية في 2020 لمحاولة ردم الجسور وعودة التبادل التجاري إلى  ما كان عليه طبقا لاتفاق التبادل التجارة الحر الموقع بينهما في 2005.

تهدئة الخطاب الإعلامي كان خطوة علنية أولى من تركيا، انما الجانب المصري يطلب أكثر، من ذلك خصوصا في ملف تسليم قيادات من الإخوان مثل يحيى موسى الذي تعتبره مصر المخطط الرئيسي في اغتيال النائب العام هشام بركات.

الجانب المصري يشكك اليوم في نوايا أردوغان رغم ما يقوله فريقه. فبعد اتصالات ووعود في التهدئة في الماضي، كان يخرج إردوغان ويهاجم الحكومة المصرية فيما فريقه يفاوض لتحسين العلاقة. هذا خلق حجما كبيرا من عدم الثقة ودفع الجانب المصري اليوم إلى التشكيك بانفتاح تركيا في ظل رئاسة إردوغان.

مصادر متابعة تقول إن القاهرة نقلت لتركيا دعوة لإردوغان لزيارة مصر ليس للاحتفال به بل كخطوة ملموسة تركية وعلنية تناقض كل ما قاله الرئيس التركي عن الحكومة المصرية في السنوات السبع الفائتة. المصادر نفسها تضيف أن تركيا لم ترد بعد على هذه الدعوة.

يضاف إلى ذلك العوامل الدولية ورحيل دونالد ترامب من البيت الأبيض الذي كان له علاقة ودية مع إردوغان والسيسي. اليوم إدارة بايدن تمضي بالعلاقة مع كل من تركيا ومصر من منظور الواقعية و"ريلبوليتيك". فهناك ترحيب بدور تركيا في أفغانستان وتنديد بدورها في أذربجيان، وهناك تضامن مع مصر في أزمة سد النهضة، وأسئلة حول علاقتها بالصين واعتراض على سجلها في حقوق الإنسان. يضاف أن بايدن لم يتصل بعد لا بإردوغان ولا بالسيسي. هذا يعيد خلط الأوراق الإقليمية وبالأخذ بعين الاعتبار بأن واشنطن تؤيد تقارب ومصالحة مصرية-تركية.

الأسابيع المقبلة وإعادة التموضع التركي إقليميا وحيال مصر، ستوضح نوايا إردوغان. أي مصالحة جدية بين القاهرة وأنقرة من شأنها تنفيس الكثير من التشنج الإقليمي وفتح أبواب تعاون اقتصادي بين الجانبين، في حال انعطف الجانب التركي عن خطاب السنوات العشر الفائتة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.