حملات دعت لضرب النساء بالسوط في السودان
حملات دعت لضرب النساء بالسوط في السودان

"منظمة مدفوعة الأجر، وأجندتها مكشوفة منذ وقت بعيد!  نحمد الله أن كل ما في استطاعتكم "تقارير" لا تغني ولا تسمن من جوع! ولا تعنينا في شيء ولن تغير فينا شيء! نحن أقوى من تقاريركم التي لن تزعزع ثوابت ديننا ومجتمعنا بإذن الله!"

هكذا ردت مريم آل ثاني بغضب في تغريدة على تويتر على تقرير هيومن رايتس ووتش المعنون "كل شي أسويه يحتاج موافقة رجل: المرأة وقواعد ولاية الرجل في قطر"، والذي انتقد تقييد حقوق النساء بشدّة في قطر بسبب نظام ولاية الرجل..

وأضافت آل ثاني "أنا امرأة قطرية، في طاعة "ولي الأمر" فيما لا يتعارض مع دين الله، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذا ما نص عليه ديننا "عقيدتنا" والتي عليكم احترامها!  نحن متقبلون الوضع، فما الذي يزعجكم؟ هل تسمحون لنا بالتدخل في معتقداتكم أم حينها سوف تدرجونها ضمن "انتهاكات حقوق الإنسان"؟

هذا الرد يعتبر بالطبع عنيفا وغير معتاد أن يأتي من قطر التي اعتادت قناة الجزيرة فيها على استخدام تقارير هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات الحقوقية لجلد ظهر الحكومات العربية المناوئة لها!

وفيما تتمنى الحكومات العربية أن تستخدم سلاح حقوق الإنسان نفسه في مواجهة الهجمات التي تشنها قناة الجزيرة "فالقوم يألمون كما تألمون"، فإن المشكلة هي أن معظم هذه الحكومات لها مشاكلها الخاصة مع منظمات حقوق الانسان وتقاريرها وبالتالي فهي لا تجيد استخدامه.

لكن الأمر لا يتوقف هنا عند المنظمة الحقوقية وتقريرها، فالمؤسف أن قناة الجزيرة وهو مؤسسة عالمية ولها ملايين المتابعين حول العالم، كما هو معروف، تستخدم إمكانياتها لدعم أكثر الاتجاهات رجعية ومعاداة للمرأة ولقيم التقدم والتنوير في المجتمعات العربية.

ففي 28 مارس 2021، دافعت مذيعة قناة الجزيرة في برنامج تلفزيوني عن الحملة التي أطلقها بعض أتباع نظام عمر البشير لاستخدام السوط لجلد السودانيات اللواتي لا يلتزمن بالزي "المحتشم" في الشارع، والمعنونة "السوط لجلد البنات"، قائلة إن هذه الدعوة هي حرية تعبير من جانب هؤلاء!

فهل يمكن اعتبار التحقير والتحريض على العنف حرية تعبير؟ وهل يمكن التسامح مع دعوة لاستخدام "السوط" أو "الجلد"، بوصفها وجهة نظر قابلة للنقاش، بدلا من إدانتها ومطالبة القائمين عليها باللجوء إلى القانون واحترام النظام؟ 

ألا يصب ذلك في تشجيع الغوغاء والدهماء على إشاعة الفوضى والعنف وإراقة الدماء؟
وقبل ذلك بأيام قليلة، أصيب الكثير من المتابعين في العالم العربي بالدهشة جراء ما نشرته قناة الجزيرة من تغريدات على مواقعها العربية والانجليزية اتسمت بالتناقض الشديد بشأن وفاة الكاتبة والناشطة النسوية المصرية نوال السعداوي.

ففي تغريدة بالإنجليزية أطلقت الجزيرة على السعداوي وصف أيقونة حقوق المرأة، بينما اعتبرتها في تغريدة بالعربية أنها داعية لتقنين الدعارة والتشكيك في القرآن وأن أفكارها مناقضة لثقافة المجتمع. فما هو يا ترى موقف الجزيرة الحقيقي من نوال السعداوي؟

لا نرجم بالغيب، ولكن التغريدة بالعربية لا تبتعد كثيرا عن مضمون آلاف المساهمات التي انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي في جوقة واحدة تكفر السعداوي وتكيل لها الشتائم وتتشفى بموتها!

وإذ لا حاجة بي لإعادة كتابة تلك المساهمات هنا، فإني أشاطر الكثيرين ممكن وجدوها رهيبة ومفزعة، ليس من باب أنها تعارض أفكار أو آراء السعداوي، فالمعارضة والاختلاف حق طبيعي للإنسان، ولكن لأن اللغة والتوحش والتدني الأخلاقي الذي كتبت به، توحي بأن هؤلاء لا يتورعون عن الاعتداء وسفك الدماء والتمثيل بالبشر، متى ما أتيح لهم ذلك، في تذكرة تعيدنا للتفكير مليا بأن ما قام به مسلحو تنظيم داعش، لم يكن شيئا خارجا عن البيئة والثقافة السائدة اليوم في أوساط كثيرة داخل المجتمعات العربية. 

وهي نفس الثقافة التي تسمح بالتحرش الجنسي بالنساء والاعتداء عليهن في بعض المجتمعات وقتلهن في مجتمعات أخرى واستباحة الخصوصيات والتهجم على المنازل التي يفترض أنها آمنة وإطلاق السباب والبذاءات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهي ثقافة تشي بأن بعض المجتمعات العربية تنتظرها أوقاتا عصيبة في المستقبل، وأن معاناة النساء فيها سوف تتفاقم أكثر مما هي الآن. وما يزيد الطين بلة أن بعض     الحكومات تبدوا إما عاجزة أو متواطئة مع تلك الاتجاهات النكوصية، وبدلا من التحلي بالشجاعة وتحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين فإنها تفضل المسايرة وغض الطرف أملا في النجاة المتوهمة! 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.