البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يدين كل مسؤول أوصل لبنان إلى حالته المأسوية
البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يدين كل مسؤول أوصل لبنان إلى حالته المأسوية

ليس هناك أكثر من الطروحات في لبنان، ولكن، لـ"سوء حظنا" نحن الذين نريد فصل الدين عن السياسة، إنّ الطرح الوحيد الذي يستحق الاهتمام والمتابعة، هو ذاك الذي يحمله البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي. 

الراعي، وفي إطار الحثّ على وجوب "تحييد" لبنان، وجّه، في الأيام القليلة الماضية، رسالة مصوّرة هاتفياً، إلى قيادة "حزب الله"، يبيّن فيها حيوية طرحه وفوائده على جميع اللبنانيين، في مقابل ويلات سلوك هذا الحزب ومخاطره. 

ويبدو واضحاً أنّ الراعي يُخرج نفسه من هذا التراشق العقيم حول تشكيل الحكومة، ليضع أصبعه على الجرح الوطني النازف، ذلك أنّ شكل الحكومة وفاعليتها، ليسا سوى عارضين من عوارض المعضلة الأساس المتمثّلة بتحكّم "حزب الله" بالبلاد، ترغيباً هنا وترهيباً هناك. 

في واقع الحال، لقد اختبر لبنان، في السنوات الأخيرة، كل الحلول "الحكومية"، متجنّباً ملف "حزب الله"، فأثقل الفشل عاتق الدولة وأوصلها الى إنهيار موصوف. 

إنّ الحكومات، مهما كانت تشكيلتها، لا يمكن أن تنجح إذا كانت المشكلة الفعلية خارج يد السلطة التنفيذية، كما هي عليه مشكلة لبنان مع "حزب الله". 

طرح البطرك الراعي يلقي الأضواء على هذه الحقيقة التي يعرفها الجميع ويسكت عنها الكثيرون، ذلك أنّ الأدوار التي يلعبها "حزب الله" لا تضعف ثقة الداخل بالدولة كإطار جامع وعادل ومتكافئ، ولا تخيف المستثمرين من مناخ مرتفع الخطورة فحسب، بل تسيء، أيضاً، الى مصالح لبنان التي كانت تتأمّن عبر حاضنة مالية واقتصادية عربية، طالما ساعدته على تجاوز مخاطر أحدقت به. 

ويأخذ طرح الراعي أهمية أكبر، في هذه اللحظة الإقليمية والدولية، ذلك أنّ "حزب الله" الذي يسير، وفق الأجندة الإيرانية المتشددة، سيزيد من ضغطه على لبنان، مستفيداً من تفاقم أزماته، ليلحقه، ولو من دون مقوّمات مؤاتية، بنظرية "التوجه شرقاً" التي انتقلت في إيران من "خيار بديل" الى "اتفاق استراتيجي" مع الصين. 

وفي وقت سابق، وقبل أن توقّع إيران والصين الاتفاق، كانت نظرية "التوجّه شرقاً" مجرد "خيار بديل" طرحه "حزب الله" على لبنان، مراراً وتكراراً. حالياً، ومع توقيع هذا الاتفاق، فإنّ ما كان مجرد طرح للتفكير، سيكون مشروعاً واجب التطبيق. 

وإذا كانت إيران تريد من اتفاقها مع الصين أن يعينها، مرحلياً، على الضغوط الأميركية، فإنّ "حزب الله" يريد من نظرية "التوجه شرقاً" أن ترفع مسؤولية الانهيار الذي يصيب لبنان عن كاهله وتبقيه كما هو وحيث هو. 

وعليه، فإنّ تزخيم البطريرك الماروني لطرحه، إنّما يفكّك محاولات "حزب الله" الهادفة الى نقل أساس المعضلة اللبنانية من مكان حقيقي الى آخر وهمي، ذلك أنّ ما يعاني منه لبنان لا تتوافر حلوله في "هذا الشرق"، ليس لأنّ لا مشاكل معه على الإطلاق، بل لأنّ الشرق قبل الغرب لا يريد أن يكون لبنان مجرد جبهة متقدمة في معارك إيران الإقليمية، فالصين، مثلاً، هي شريك دائم في كل المنتديات الدولية الصديقة للبنان، حيث لا يغيب عن أي بيان من بياناتها  التشديد على "وجوب أن ينأى لبنان بنفسه عن حروب المنطقة وصراعات المحاور فيها، وفق منطوق إعلان بعبدا" الذي سبق أن تبنّاه مجلس الأمن الدولي، في عهد الرئيس ميشال سليمان. 

ولا يغيب عن تقييم المتابعين أنّ التعاطي الدولي مع "حزب الله" شيء ومع إيران شيء آخر، ذلك أنّ التعاطي مع إيران هو مع دولة لديها مشاكل كبيرة مع المجتمع الدولي ولا بد من إيجاد حلول سليمة لها، في حين أنّ التعامل مع "حزب الله" لا يتخطّى حتى من قبل أكثر الدول "لطفاً"، حدود النظرة الى كيان ميليشياوي، يتسبّب بمشاكل وجودية لدولة لبنان التي بات يُخشى أن تُمحى عن الخارطة. 

وهذا يعني أنّ الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تضعف، وإسرائيل يمكن أن تُزال من الخارطة، وفق "بروباغندا" الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، ولكن "حزب الله" لا يمكن أن يستمر، بصيغته الراهنة، إذا كان هناك من يريد أن يبقى لبنان في منظومة الدول. 

وعليه، فإنّ طرح الراعي، هو الطرح الوحيد الذي يمكن التأسيس عليه، لمخرج سليم من أزمة وجودية خطرة للغاية. 

بطبيعة الحال، إنّ الطرح السليم لا يعني طرحاً سهل التنفيذ، ولكن إذا كانت القوى السياسية التي طالما واجهت منتقدي "نومها مع حزب الله في سرير واحد" جادّة بسؤالهم عن البديل الذي يقترحونه، فما عليها سوى تشكيل رافعة سياسية ووطنية لهذا الطرح البطريركي الذي لا يتأثّر بهوى انتخابي هنا، وبمصالح في تقاسم كعكة السلطة هناك، بل يعين اللبنانيين على أن يأخذوا مشاكلهم الكارثية إلى أبعد من حسرة ميشال عون لتعويضه عن حرمانه من أن يرث بستان جدّه بالاستقتال للاستيلاء على رئاسة الجمهورية. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.