Ukrainian servicemen stand in position on the front line with Russia-backed separatists in Donetsk region on February 16, 2021…
موسكو تحشد قواتها على طول الحدود الشرقية، تُظهر استعداداتها للقيام بعملية عسكرية في عمق الأراضي الأوكرانية

أدى تدهور الأوضاع العسكرية على الحدود الروسية الأوكرانية إلى تصاعد حدة التوتر السياسي بين البلدين، وصل إلى مستوى التهديدات بالحرب، وازدادت المخاوف من انفجار الأوضاع بعد تصريح لوزير الدفاع الأميركي أثار حفيظة الكرملين، الذي سارع إلى الرد بعنف على البنتاغون. فقد أكد الأخير لكييف خلال اتصال أجراه وزير الدفاع الأميركي مع نظيره الأوكراني أنه "في حالة تصعيد العدوان الروسي فإن الولايات المتحدة لن تترك أوكرانيا وحدها".

الكرملين من جانبه، سارع إلى رسم خطوطه الحمراء، وبعث برسالة صارمة لجميع المعنيين (أوكرانيا، أوروبا، الولايات المتحدة ومن خلفهم الأطلسي) بأنه لن يسمح بوجود قوات أميركية في أوكرانيا تحت أي ذريعة. فبالنسبة لموسكو يمثل وجودهم على حدودها تهديدا مباشرا لأمنها القومي، لذلك حذرت أن الأمر سيزيد من حدة التوتر وسيدفعها إلى اتخاذ إجراءات إضافية لضمان أمنها. وأكد الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن " التصريحات الأوكرانية حول إمكانية ظهور عسكريين أميركيين على الأراضي الأوكرانية، غير مقبولة وغير مناسبة".

في المقابل، فإن واشنطن التي اتهمت موسكو بمحاولة زعزعة أمن أوكرانيا، تتعرض لأول اختبار جدي في أوروبا، حيث باتت مصداقيتها على المحك بسبب ضيق خيارتها، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالدفاع عن حلفائها، وحماية أمن أوروبا الجماعي من الخطر الروسي المتجدد، ما يضع إدارة بايدن أمام أول اختبار لمصداقيتها في تنفيذ وعودها بإعادة بناء الثقة والشراكة بين ضفتي الأطلسي وعودة واشنطن لقيادة العالم الحر والدفاع عنه.

من جهتها تقوم موسكو بعملية حشد لقواتها على طول الحدود الشرقية، تُظهر استعداداتها للقيام بعملية عسكرية في عمق الأراضي الأوكرانية، ما دفع كييف إلى التخوف من سيناريو روسي جديد شبيه بما جرى في شبه جزيرة القرم، يكون أقرب إلى حركة استباقية روسية لقطع الطريق على أي مناورة تقوم بها كييف تهدف إلى تغيير الواقع الميداني في إقليم دونباس الانفصالي الذي تسيطر عليه ميليشيات موالية لموسكو.

إن دفع موسكو بأرتالها العسكرية إلى الحدود الأوكرانية وتموضعها هناك أقرب إلى إنذار مبكر لكييف بعدم القيام بمغامرة عسكرية لاستعادة أراضي دونباس، خصوصا بعد أن حصلت على وعود أميركية بدعمها، واحتمال حصولها على أسلحة أميركية فتاكة تؤمن لها توازنا ميدانيا، إضافة إلى تطويرها لسلاح المُسيّرات مع تركيا، الأمر الذي زاد من شكوك موسكو باحتمال قيامها بحرب تكتيكية خاطفة تستعيد فيها مناطق من إقليم دونباس على غرار الحرب التي خاضتها باكو في إقليم ناغورني قراه باغ.  

إلى جانب التوترات العسكرية، يخوض البلدان مواجهة دبلوماسية يحاول كل طرف ليّ ذراع الآخر، فقد عملت موسكو في الأسابيع الأخيرة على تهميش دور كييف في رباعية النورماندي، ولجأت إلى الحوار مباشرة مع أفراد مجموعة (فرنسا وألمانيا). ومن المؤكد أن اجتماع الترويكا الأوروبية الأخير (روسيا فرنسا ألمانيا) ومحاولات التقرب مع روسيا قد أثارت ريبة كييف، خصوصا أن موسكو تخطط لتحقيق انتصار دبلوماسي عليها وإجبارها تطبيق بنود اتفاقية مينسك.

يقول الخبير المتخصص بالشأن الأوكراني في المجلس الأطلسي بيتر ديكنسون إنه: "من الواضح أن ألمانيا اليوم مهتمة بإتمام مشروع "نورد ستريم 2" (Nord Stream 2‏) لنقل الغاز الروسي إليها مباشرة، وبغض النظر عن تداعياته السياسية والأمنية)". لا شك أن الاهتمام الأوروبي بروسيا ومحاولة تطمينها وعدم الانجرار وراء التصعيد الأميركي معها، دفع النخبة السياسية الأوكرانية إلى اعتبار ما جرى في لقاء الترويكا أشبه بتواطؤ أوروبي مع روسيا ضد أوكرانيا، لذلك تعالت الأصوات في كييف بالدعوة إلى التفاهم أكثر مع واشنطن ومنحها مجالا سياسيا يوازي دور الرباعية.  

الضغط الروسي على كييف لا يمكن فصله عما تتعرض له القوى السياسية الأوكرانية الموالية لموسكو، خصوصا بعد قرار إقفال 3 محطات تلفزيونية تابعة للمعارضة، التي تراجع حضورها بسبب تراجع شعبية القوى السياسية الموالية لموسكو، إذ يؤكد أستاذ العلوم السياسية في أكاديمية (مو هيلا) الأوكرانية تاراس كوزيو قوله "كانت هذه القوى قادرة على تشكيل الأغلبية البرلمانية والفوز بالانتخابات الرئاسية قبل عقد من الزمن، لكنها تكافح الآن لاجتياز حاجز 20% في الإنتخابات الوطنية".

وعليه لا تبدو كييف مطمئنة للموقف الأوروبي، ولا يمكنها أن تقف وحيدة بوجه مغامرة روسية محتملة، لذلك باتت المسؤولية تقع على عاتق إدارة بايدن، فهل ستقرن أقوالها بالأفعال وتعود مرة جديدة إلى الواجهة أو المواجهة على حدود أوروبا الشرقية حيث  تتملك موطئ قدم على مرمى حجر من موسكو.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.