السفارة الأميركية في القاهرة أًصدرت بيانا حول "تحرير" حاملة الحاويات "إيفر غيفن"
إيفر غيفن عطلت قناة السويس لأسبوع كامل

قرابة أسبوع كامل وأنظار العالم مشدودة نحو سفينة إيفَرغِيفن العالقة في عرض قناة السويس التي عزي سبب جنوحها لعاصفة رملية في يوم سيئ الحظ، ثم قيل إن انخفاض مستوى المياه هو السبب، ثم قيل وقيل، وفي النهاية تعددت الأسباب والورطة الثقيلة واحدة. 

حبس العالم أنفاسه وكأنه يتابع فيلماً سينمائياً طويلاً مثيراً، وبدا مشهد السفينة العملاقة عبر صور الأقمار الصناعية أشبه بقشّة عالقة في بلعوم الأرض، اجتهد الجميع لتسليكها قبل أن يصاب العالم بالاختناق الذي كاد يحدث حقيقة وليس مجازاً، لو لم تتحرك السفينة العنيدة في لحظة نجاةٍ قدرية.

خسائر إعاقة سفينة واحدة فقط لحركة الملاحة الدولية، أصابت الجميع وكلفتهم مليارات الدولارات المضافة إلى قائمة الخسائر الطويلة والمهولة التي أنهكت اقتصاديات العالم جراء جائحة كورونا، لتؤكد المصائب مرة جديدة أنها لا تأتي فرادى.

وعلى مبدأ ربّ رمية من غير رامٍ، أعاد مأزق السفينة الأضواء لمرافئ منسية فقدت أمجادها التاريخية بسبب قناة السويس مثل مرفأ رأس الرجاء الصالح، وفتح بدوره شهية دول استغلت اللحظة التاريخية لإخراج مخططاتها المؤجلة المتعلقة بقنوات بديلة، بحيث بدا توقيت هذه الطروحات أشبه بتمهيد نفسي لسحب البساط من تحت أمجاد قناة السويس.  

في بعض البلدان المنهكة التي طالها تأثير مضاعف لجنوح السفينة، لايمكن حصر الخسائر بالمال فقط، بل في استنزاف الأعصاب والزمن الضائع  المقتطع من حيوات عشرات الآلاف من ممتهني الصبر في الأرتال الطويلة أمام محطات الوقود وأفران الخبز، أو الانتظار المضني في الشارع لأية وسيلة نقل حتى لو كانت طائرة ورقية.

حادث السفينة بصفته الدولية، حرض مجدداً التساؤل الإشكالي حول حساسية السيادة الوطنية التي تتردد بقبول عروض مساعدات دولية في لحظات مصيرية كتلك التي واجهتها إيفرغيفن.

إذ  أن أحداً لم يشكك بالمطلق في الخبرات المصرية العريقة التي أبلت بلاء حسناً في النهاية، لكنه كان نجاحاً مضنياً استهلك زمناً وجهداً أطول، كان بالإمكان اختصارهما فيما لو سمح للمساعدة الدولية بالتدخل عقب الحادث مباشرة، دون أن يعني التدخل تقليلاً من شأن الخبرة المصرية أو المساس بسيادة أو كرامة.

كما أعاد جنوح إيفَرغِيفن، أحدث الأمثلة طزاجة، التساؤل حول إمكانية الخلاص أو العثور على منفذ للفكاك من شباك العولمة التي تذكّرنا كل حين بالأثمان التي علينا دفعها. مرة إثر أزمة الرهانات العقارية في أميركا، وتارة حين يحتسي أحدهم حساء خفاشه في ووهان ويصيب الكون في مقتل كورونا، ومرة حين يحلو لسمكة قرش عضّ كبل بحري ويعطل الأنترنت وأعمالنا لأيام. 

ولأننا ندرك أن جميع التساؤلات باتت دون جدوى، نركن بهدوء لنراقب لحظة الفرج التي تحركت فيها السفينة الجانحة، تعكر متعتنا تلك الأصوات الرسمية والحقوقية التي علت في اللحظة ذاتها تستفسر عمن سيسدد فاتورة تعطيل حركة الملاحة الدولية الباهظة، وكأنها تذكرنا بصخبها أننا كأفراد حول العالم من سيسدد هذه الفاتورة الجديدة مثل أية فاتورة سابقة، مع توقع مزيد من توحش الغلاء وزيادة في الضرائب ونقص في أعمارنا. 

كمثل سفينة نوح والتايتنيك، ستبقى إيفَرغِيفن في ذاكرتنا لوقت طويل، وقد اكتسبت بدورها ملامح حكاية تحكى، وبخاصة حين تدخل  البسطاء من جميع أفراد العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المغيّبون في المعتاد عن صناعة أي قرار، في هبّة جماعية ونخوة كونية لتقديم أفكار ملفتة تساعد في تخليص سفينة ثقيلة من محنتها الأثقل.

وفي حكاية إيفرغيفين ، سيبقى الجانب الانساني الكوني أحد أجمل المفاصل التي رافقت هذه الحكاية، سواء في شقه التقني الذي سخّر برنامج فوتوشوب لابتداع أفكار خلاّقة في خيالها، أو التخفيف من ثقل الحدث ببعض روح الدعابة، برز من بينها مقترح بعض السوريين لاستعمال العوّامة(حلوى مشرقية شعبية) لتعويم السفينة، وربط بعض المصريين للحادث بلعنة الفراعنة. 

نهاية سعيدة لحكاية أزمة سفينة انتهت بسلامتها وسلامة طاقمها وطواقم محرريها، وهو مايشفع في الحقيقة لكل مارافقها من تداعيات، أوسترافقها لاحقاً.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.