شعراءٌ عديدون في العالم وضمنهم من الأقطار العربية لجأوا إلى تجريب الكتابة الروائية
شعراءٌ عديدون في العالم وضمنهم من الأقطار العربية لجأوا إلى تجريب الكتابة الروائية

يحتدم النقاش اليوم حول دور الشعر في عالمنا الحاضر، كما يستمر طرح سؤال علاقة الشعر بالوجود وبتحولات الزمن، خصوصا في بدايات هذا القرن الجديد، أكثر من الأزمنة التي سبقت. كما لو أن مؤامرة أكبر تستهدف الكون والعالم منذ بدء الخليقة. وإذا انطلقنا من رأي الشاعر والفيلسوف الألماني فريدريك هولدرلين بأن اللغة (الشعر) هي حقل "لأكثر التداولات براءة وأكثر الممتلكات خطورة"، فالمصالحة بين الفرضيتين المذكورتين، حسب هولدرين دائما، تؤدي بنا إلى الاستنتاج "أنَّ الإنسان يسكنُ في العالم شعرياً"، وأن الشاعر والمفكر هما حراس وحماة هذا المسكن. لذلك يبقى الشعر أسمى تعبير عن ماهية الوجود، كما لدى الألماني الآخر، الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي اعتبر الشعر والوجود علامة رؤيوية واحدة. ما يفيد إن موت الشعر هو موت الإنسان ونهاية الوجود الإنساني. والعالم من دون شعر هو حتما عالم قاحل وبلا روح.

وإزاء من يملؤون الأصداء ناعين الشعر، منغمرين في حملات هوجاء ضد أول فنون القول لدى الحضارات، في مقدمتها العربية، تتسع دوائر "قلق الشعر في أقصى مغامراته مُبَاغَتا بالحروب والأوبئة"، كما يقول الشاعر المغربي محمد بنطلحة. ليغذو الشاعر مثل "حكيم كالرماد، وحيثما حللت، كألوان الطيف، لا أستريح، أتجدد، صبرا علي، هنيهة وأخرق ما أريد، قبالة شواطئ اللغة، ناقلة بترول، تحت أجفان العائلة، رداء الغطس، وتحت أجفاني، معاهدة شنغن، وقانون الصحافة".

وبينما ينتشر لهيب الاحتجاجات وضجيج الثورات في شوارع العالم، وتعلو مطالب الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في الصحة، والحق في الكرامة، تبرز لافتة على أرصفة تلك الشوارع الممتدة عبر كوكب الأرض، لافتة ناصعة لا تأخذ باهتمام الكاميرات، إلا لمن نظر إليها بعين الغرابة والطرفة والنشاز، لافتة واضحة كتب عليها: "الحق في الشعر". وهو المطلب الذي خصص له الشاعر المغربي محمد بنيس كتابا كاملا، بعنوان: "الحق في الشعر"، (دار توبقال، الدار البيضاء، 2006). شرح لنا في صفحاته أن هذا الحق ليس سوى "حقا مشتركا لمقاومة الهجران في زمن العولمة، وحتى لا يترك الشعر في "خرائب المنفى". من أجل "أن نبقى قريبين من الأساسي في الشعر، ومن أجل أن نعطي الحيوي والإنساني معنى لا طريق لنا، نختارها بحرية أن نختار."

لكن مساحات الشعر مضللة، كسراب في صحراء، تبدو وكأنها تضيق أمام هروب الشعراء من القصيدة ولجوءهم إلى الرواية. شعراءٌ عديدون في العالم، وضمنهم من الأقطار العربية، لجأوا إلى تجريب الكتابة الروائية، بعضهم أبان عن كعب عالٍ في أساليب السرد الروائي. لكن قوافل الوافدين إلى مملكة الشعر لم تتوقف، ومع التكنولوجيا الرقمية الحديثة أصبح لدينا من يسمون بـ"شعراء الفيسبوك"، ودواوين الشعر الإلكتروني، وللمفارقة فجلهم نساء. ولو أن من أطلق هذا الوصف أول مرة ربما كان يبتغي الاستهجان والاستصغار، ناسيا أن الفيسبوك أنزل الشعر من أبراجه النخبوية، ونزح به من أودية عبقر، ليشيعه بين الناس العاديين، من دون حواجز أو رقابة لا قبلية ولا بعدية. 

في المغرب، ظل محمد بنيس مقبلا على الشعر بقبض الجمر، منذ أول ديوان شعري له أصدره وهو على مدرج جامعة فاس (أول الكلام، 1969)، لتتوالى إصداراته الشعرية جنبا إلى جنب مع كتاباته في الفكر والتنظير واليوميات، التي يصب أغلبها حول الشعر، في جنوح الشعراء نحو الفلسفة، الذي يقابله "جنوح الفلاسفة الشعري"، بالرغم من إقصاء أفلاطون للشعراء من "جمهوريته".

ومثل محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف وشعراء كبار آخرين، رسخ محمد بنيس اسمه كناثر جيد. بل هناك من يحب بنيس الناثر أكثر من بنيس الشاعر، وإن كان نثره وصيغه الفكرية لا يغيب عنها ذاك الصوت الداخلي الشاعري والاسترسال الحالم، بوصفها كتابة نثرية تمتلك خصائص الشعر وصوره الجمالية وعذوبته الجلية الممتعة.

قبل ما يربو عن ثلاثة عقود (1996) أسس محمد بنيس "بيت الشعر في المغرب"، وتم الإعلان عن يوم وطني للشعر في المغرب. وما لبث أن استجابت منظمة اليونسكو لمطلب بيت الشعر المغربي تخصيص يوم عالمي للاحتفاء بـ"أحد أشكال التعبير وأحد مظاهر الهوية اللغوية والثقافية، وأغنى ما تمتلكه الإنسانية"، فالشعر يحول كلمات قصائده البسيطة إلى "حافز كبير للحوار والسلام". هكذا اعتمد المؤتمر العام لليونسكو، خلال دورته الثلاثين المنعقدة في باريس عام 1999، ولأول مرة، يوم 21 مارس اليوم العالمي للشعر، "بهدف دعم التنوع اللغوي، ومنح اللغات المهددة بالاندثار فرص أكثر لاستخدامها في التعبير. ولتكريم الشعراء ولإحياء التقليد الشفهي للأمسيات الشعرية"، كما جاء في رسالة للمديرة العامة لليونسكو السيدة أودري أزولاي، وهي بالمناسبة من أصل مغربي، (ابنة أندري أزولاي مستشار الملك محمد السادس). وقد أضافت أودري: إن "الشِعر ركن من أركان كينونتنا، فهو قوت القلوب الذي نحتاج إليه جميعاً، رجالاً ونساءً، نحن الذين نحيا معا الآن وننهل من معين تراث الأجيال السابقة ما يعيننا على مواصلة حياتنا، ونحن المؤتمنين على هذا العالم الذي سيعيش فيه أولادنا وأحفادنا".

سياق هذا التذكير، قد يجدي في القول بحضور مغربي لافت في المشهد الشعري عربيا وعالميا، بفضل شاعر مثل محمد بنيس، مع شعراء مغاربة غيره يناضلون من أجل إعلاء راية الشعر وقيمته الجمالية، في هذه البقعة الصغيرة من العالم، وهم شعراء مغاربة بلغات متعددة إلى جانب اللغة العربية، كاللغات الأمازيغية والفرنسية والاسبانية والانجليزية.

هذه السنة كانت الجائزة العالمية "الأركانة" التي يمنحها "بيت الشعر في المغرب" من نصيب شاعر مغربي، هو محمد الأشعري (وزير سابق للثقافة). وخلف هذا الاستحقاق جدلا بين نخبة من النقاد والشعراء والمهتمين، منهم من تساءل مشككا في مدى إضافة الأشعري إلى المُنجَز الثقافي المغربيّ، ومن قائل إن "الأجدر منه أسماء شعرية أكثر عمقا ونضجا وحضورا"، مثل أدونيس أو عبد الكريم الطبال، أو عبد اللطيف اللعبي، أو محمد بنيس. 

ومنهم من أفصح عن "سقوط" جمعية بيت الشعر بوضوح في التبعية للسياسي، وهو الاتهام الذي أدى بمحمد بنيس نفسه إلى الابتعاد والاستقالة من اتحاد كتاب المغرب وبعدها من بيت الشعر الذي كان مؤسسا ورئيسا له لسنوات.

لم يعلق صاحب "يحرقون الحرية" بكلمة، هو الذي حوصر دائما بخصومات سياسية ترتدي ثوب الثقافي، بلغت أحيانا "أعلى درجات العزلة"، واتهم الآخرون بنيس بالهيمنة والأنانية وبالتمرد على الإطارات والتنظيمات الثقافية في المغرب، بدءا من اتحاد كتاب المغرب الذي غادره في مؤتمره الثامن سنة 1980، بعد أن وصف رئيسه السابق الاتحادي محمد برادة بـ"الدكتاتور الصغير". 

وقاطع زمنا فعاليات المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء. ودائما كان السبب رفضه لتبعية الثقافي للسياسي، وانعكاساته التي لا تنتج سوى التكلس والجمود والتطبيع مع الاستبداد وعدم القدرة على الإبداع والتجديد. هي الممارسة الاستئصالية والمدانة التي عرف بها بعض المنتمون لحزب الاتحاد (الوطني) الاشتراكي للقوات الشعبية في السبعينيات، وحتى الثمانينيات. هي التهم ذاتها التي كانت توجه إلى أعضاء هذا الحزب في الجامعة ووسط الفضاء الجمعوي، فالاتحاديون كانوا يمارسون البلطجة والاستقواء في إطار المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وفي نقابات المدرسين والمهندسين وغيرها من الأطر المجتمعية، لا يترددون في محاربة المختلف معهم، واستعمال أسلوب قمع السلطات الذي كانوا يشْكون منه. وهم لا يشبهون في ذلك غير ممارسات بعثية مشرقية تم فضحها. ومن عانى أكثر من هذا الأذى هم مناضلو اليسار الجديد (المنظمات الماركسية المحظورة: "الجبهويون"، مناضلو "إلى الأمام" و"منظمة 23 مارس"، ووريثهما فصيل "القاعديون" في الجامعة). حصل ذلك قبل خفوت الاتحاد الاشتراكي وسقوطه وارتهان قراره بالكامل للنظام، ليصبح حزبا لا يختلف في شيء عن الأحزاب الإدارية، تتبع قيادته ونوابه في البرلمان تعليمات وزارة الداخلية بالعلن وبالمفضوح.

 ومحمد بنيس كمثقف يساري منتصر لليسار الجديد، كان من ضحايا تلك الممارسات البلطجية. لكنه تمكن من مواجهة كل عمليات إقصائه والتضييق عليه ومحاولة اغتياله الرمزي، بإمكانياته الذاتية كفرد، وبفضل العلاقات الواسعة التي نسجها مع مثقفين بارزين في الخارج، كل ذلك باجتهاداته التي لا تعرف مللا ولا كللا. هكذا نحت محمد بنيس اسمه بقوة الالتزام، وبالصبر وبإرادة العزم والإخلاص.

فجأة، أتت المفاجأة من أكاديمية المملكة المغربية، في إطار انفتاح هذه المؤسسة الرسمية وسعيها لنهج "رؤية تشاركيّة مع مؤسّسات المجتمع المدني".

فمنذ تعيين الدكتور عبد الجليل الحجمري أمينَ سرّ جديد، عمل الحجمري على إبراز أكاديمية المملكة المغربية كمؤسّسة ثقافية بامتداداتٍ مدنية. من هنا الانفتاح على التجارب الشعرية المغربية والعالمية، وكأنها بمثابة إعادة اعتبار رسمية من الدولة للمكرم، وقبله للثقافة، من منطلقات مغايرة "عن الخلفيّة التقليدانيّة التي كانت تسمُ أنشطة الأكاديمية في السابق"، كما علق بيان لـ"بيت الشعر". وقد شهدت رحاب الأكاديمية من قبل، تنظيم حفل لإحياء الذكرى العاشرة لوفاة الشاعر والكاتب المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، بحضور الشاعر أدونيس، الذي تم تكريمه لاحقا من قبل الأكاديمية ذاتها.

وقد سارع بيتُ الشعر في المغرب إلى تثمين مبادرة تكريم أكاديمية المملكة للشّاعر المغربي محمد بنيس، و"تلقّاها بفرحٍ كبير"، مهنئا أحد مؤسّسيه ورئيسه الأسبق على هذا التكريم المُستحقّ، "باعتباره تكريمًا واحتفاءً بأحد الأًصوات المميّزة في الحقل الشعري المغربيّ والعربي".

وتضيق أسطر هذه الزاوية للاقتباس من كلمات من كتبوا وأشادوا محتفين بالشاعر بنيس، لذلك نكتفي بذكر أسماء من غير مواطنيه المغاربة: السوري أدونيس، الفرنسي برنار نويل، الألماني يواخيم سارتوريوس، المصري عبد المنعم رمضان، الانجليزي جيمس كيركوب، السورية خالدة سعيد، العراقي عبد الواحد لؤلؤة، الفرنسية ماري كلير بانكار، الاسباني خايمي سيليس، الاسباني فريدريكو اربوس، الفرنسي كلود اسطيان، الاسباني ميغيل كاسادو، الاسباني انطونيو غامونيدا، اللبناني جهاد الترك، الجزائري عبد الوهاب معوشي، المصري ابراهيم جاد الله، التونسي الأزهر النفطي، الفرنسي دومينيك دوفيلبيان، الاسباني لويس مسغيل كانيادا، البحريني قاسم حداد، والسوداني كمال الجزولي، والتونسي عمر حفيّظ . 

إن تكريم الأكاديمية لمحمد بنيس، كما كتب د. عبد الجليل الحجمري، هو "تكريم لجيل من الشعراء بصموا القصيدة الحديثة بميسم الثراء والاخلاص لقيمة الادب".

بمناسبة حفل تكريم الشاعر محمد بنيس لمسيرته الأدبية التي امتدت على نصف قرن، صدر ضمن منشورات أكاديمية المملكة المغربية، كتابان، الأول بعنوان" "محمد بنيس: مقام الشعر"، (324 صفحة)، وتضمن رسائل وقراءات في تجربة بنيس مع شهادات وصور بعضها نادر. والثاني بعنوان: "محمد بنيس: نافذة شبه مفتوحة" (200 صفحة)، واشتمل على مختارات شعرية لمحمد بنيس من أعماله المنشورة. وأشرف على تهيئة الكتابين للنشر الفنان التشكيلي المغربي فؤاد بلامين، والتصميم والإخراج من توقيع: طارق سليكي. أما تقديم حفل التكريم، يوم الأربعاء 24 مارس 2021 بمقر الأكاديمية في الرباط، فقد تولى ترتيب فقراته أحد شعراء جيل السبعينيات في المغرب، الشاعر المغربي عبد اللطيف بنيحيى. ونقلت وقائع الحفل مباشرة بالإنترنت على رابطين لأكاديمية المملكة المغربية.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.