لا يختلف حال اللبنانيين عن العراقيين في البلاء والمحن ومعانتهم
لا يختلف حال اللبنانيين عن العراقيين في البلاء والمحن ومعانتهم

كانت زيارتي الأولى إلى بيروت بعد حرب 2006 وفي تلك الفترة كان اللبنانيون يستشعرون بداية مرحلة جديدة قد تضع حداً للحروب، لكن في زيارتي الأخيرة تذكرتُ فيروز عندما غَنَّت لبغداد: "أنا جئت من لبنان من وطنِ إن لاعبته الريح تَنكسرُ"، ويبدو أن الريح لم تنكسر هذه المرة، وإنما من تكسرت هي طموحات وآمال شباب في وطناً يضمن لهم أبسط متطلبات العيش بكرامة، وليس الشعارات الفارغة.

لقد بدت واضحة مشاعر الخيبة والشعور بفقدان الأمل بين أوساط اللبنانيين الذين التقيتهم. وكنت أتعمد تكرار السؤال بشأن رؤيتهم لمستقبل بلدهم، ليكون الجواب جاهزاً ومكرراً: لا أمل لنا بالمستقبل في هذا البلد! علي وجاد وعمر ومروان وعبد الرضا شباب في عقد العشرينات من أعمارهم يعملون في أهم فنادق بيروت ذات الخمس نجوم، وبأجور زهيدة لا تكاد تكفي لتمشية أمور حياتهم اليومية بعد انهيار الليرة اللبنانية، وبالحديث عن أوضاع بلادهم الذي يواجه انهياراً اقتصادياً، اتفقوا بأنهم بانتظار الحصول على فرصة عمل للهجرة من لبنان. وكذلك حال سيرين وهي تعيش نهايات عقدها الأربعين ورغم أنها تعمل في أهم ماركات الأزياء في لبنان، لكنها ترغب وبشدة ترك البلاد والالتحاق بأولادها الذين يدرسون في الجامعات الأميركية.

لا يختلف حال اللبنانيين عن العراقيين في البلاء والمحن ومعانتهم من تراكمات الفساد والفشل الذي خلفته الطبقة السياسية وشعاراتها وتقسيمها الأوطان إلى كانتونات طائفية وقومية ودينية تتاجر بعناوينها السياسية وترفع شعاراتها الخاوية التي حولت البلدان إلى حطام بسبب سياساتها العبثية.

غايتي في هذا المقال ليس سرد حكايات الشباب عن رغباتهم بالهجرة، وإنما عن مأساتنا مع الأوطان التي لم تعد قادرة على احتواء شبابها، ولعلَّ هذا الموضوع هو من أخطر مؤشرات فشل الدولة وعجزها عن تحقيق أهدافها في التنمية والاستقرار. والمفارقةُ الأكثر تعقيداً، أن مؤشرات الفشل والعجز هذه قد باتت تتراكم من دون أن تشعر الطبقة السياسية بالمسؤولية عن ذلك. أنظروا إلى لبنان التي لا تزال طبقتها السياسية تفضل العبث والفوضى وتعطيل تشكيل حكومة قد تحمل بصيص أمل نحو ايقاف الانهيار الاقتصادي أو في أضعف الإيمان التقليل من آثاره. أما العراق فرغم اعتماد اقتصاده على الريع النفطي فلا يزال عاجزاً عن توفير فرص عمل للكثير من شبابه العاطلين عن العمل، وبدلاً من رسم خطة استراتيجية لتقليل معدلات البطالة، باتت مهمة الحكومة والطبقة السياسية ترسيخ امتيازات أتباعها ومكافأة حاشيتها وجمهورها الانتخابي، وبالنتيجة أصبحت لدينا في العراق طبقة اجتماعية طفيلية تعتاش على الولاء السياسي لهذا الزعيم ولذلك الحزب.

يمكن أن تتخيل حجم المأساة في أوطاننا عندما يعتبر إقرار الموازنة العامة في العراق منجزاً سياسياً، ويتم تسويق الموضوع على أن الخلافات بين الطبقة السياسية كانت تدور بشأن مصلحة المواطن وتأمين سبل عيشه الكريم! لكن، واقع الحال أن الخلافات كانت بشأن تأمين مصالح أحزاب وكتل سياسية من موارد الدولة والحصول على درجات وظيفية جديدة توسع فيها دائرة الزبائنية السياسية، أمّا حملة الشهادات الذين يعملون في المؤسسات التعليمية والتربوية بالمجان، على أمل شمولهم بإجراءات التعيين، يُترك مصيرهم للإجراءات الروتينية التي تجعل مصيرَهم مجهولاً وتساهم في تزايد أعدادهم من دون حلول وتجعلهم يتنظرون كلَّ عام معالجة موضوعهم في الموازنة القادمة.

كيف لا تتحوّل الأوطان إلى منافي، والإنسان فيها بدلاً من أن يكسب صفة المواطنة يتحوّل إلى رقم في حسابات السياسيين، وتحوّل إلى مشاريع استشهاد خدمة لمشاريع وصراعات ايديولوجية بائسة تستعبد الإنسان بدلاً من أن تعمل على تحريره. وكذلك عندما تختزل الأوطان بعناوين زعامات الأوليغارشيات السياسية، وتتحوّل إلى عناوين مقدّسة، لا بل أكثر قدسية من الوطن ومصلحته، ويكون معيار الولاء للوطن هو الذوبان في شخصية الزعيم وتعليق صورهِ على قارعات الطريق وفي مداخل البيوت.

وفي أوطاننا التي كثرت حروبها بسبب حماقات السياسيين، لا يمكن أن لا تحصل فيه على حقوقك بالمواطنة إلا بعد موتك واعتبارك شهيداً! وتترك المناداة بحقوق المواطنين الأحياء، وتتحوّل كلّ الشعارات بعنوان وفاءً لدماء الشّهداء.

يريد من يحكم أوطاننا أن نكون له تابعين ومطيعين، لأن العدوّ يتربّص بنا وبثرواتنا ويريد تدمير بلداننا. وزعمائنا يحدثونا كلّ يوم عن المؤامرات التي يُحيكها لنا الأعداء! لكن تلك المؤامرات تنجح في تحقيق أهدافها، ويبدو أن من يساهم في تمرير مشاريع التآمر هو الغباء السياسي للزعماء السياسيين.

ماذا يتبقى من رمزية للأوطان عندما تكون خيارات الإنسان فيها محصورة بين الخضوع للأنظمة الشمولية التي تلغي وجوده وكينونته الإنسانية، وبين العيش في واقع سياسي فوضوي تتحكم فيه مليشيات ومافيات سياسية. وفي تلك الحالة يكون لسان من يكون مخيراً بين الفوضى والدكتاتورية ما قاله الإمام علي بن أبي طالب: "لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ خَيْرُ اَلْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ"، ويصبح فيها قولُ الشاعر: "بلادي وإن جارت عليّ عزيزةُ...وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ"، كلاماً رومانسياً يردده المُترفون ومن يهيمون بالشعارات. وهنا يكون الوصف الأدق ما قاله أبو حيّان التوحيدي: "أغرب الغُرَباء من صار غريباً في وطنه".

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.