دول عربية - أعلام
"هذا هو تاريخ العرب في القديم، تاريخ العراق وسوريا، تاريخ عواصم الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى. فهل تغيّر واقع العرب، وتحديدا: واقع العراق وسوريا اليوم في شيء عن ذلك التاريخ؟"

ما الذي تغيّر في العالم العربي؛ مقارنة بما كان هذا العالم عليه قبل أكثر من ألف عام؟ كيف يشتغل النظام والوعي ـ ومن ثم تتحرك إحداثيات الواقع ـ في عالمنا العربي منذ حملة نابليون (التي يفترض أنه بداية وَعْي مُسَائلٍ للذات) وإلى اليوم؟

هل قطع نظام الوعي هذا صلته بتاريخ مسكون بصراع القُوَى الافتراسية وبالعنف المجاني وبالعصبيات وبالطائفيات وبالتشرذم وبالفوضى وبالمواضعات اللاّإنسانية واللاّعدلية، فضلا عن ازدراء العمل والإنتاج والجد والاجتهاد...إلخ.

بُنَى التخلف التي لا تنتج إلا تخلّفا؛ وبالمقابل، اتصل بِكَونٍ ثقافي آخر، هو كَوْنُ الإنسان في أحدث تطوراته وأرقى تجلياته، أم لا يزال مُتَّصِلا، رُوحاً وعَقْلاً وعَمَلاً، بهذا التاريخ الذي يَشدّه، بتلابيب وَعْيه، إلى القاع؟

يبدو أن فرضية الاتصال هي الأكثر وجاهة، لا من حيث الدلالات المُتضمّنة في مُجْمل تجلّيات الخطاب الثقافي فحسب، وإنما أيضا من حيث دلالات الوقائع/ الواقع. وإذا كان المفكر العربي الراحل/ محمد عابد الجابري قد دَرَسَ، في مشروعه الكبير المُكوّن من أربعة أجزاء، العقلَ العربي، ابتداء من تكوينه في فترة التدوين، ثم تشكّله في بُنْيَة عامة حاكمة لنظام الوعي، ثم تجلّيه في العقلين: السياسي والأخلاقي، فإن كل المُحدّدات الرئيسة التي أشار إليها وأكّد عليها، هي بذاتها المُحدّدات التي تنتظم مُجْمَل صُور الحراك العربي على المُسْتويين: النظري والعملي.

لكن، إذا كان الجابري قد حَدّد فترة "تكوين العقل العربي" في مدى زمني محدود بفترة التدوين، مشيرا إلى أنها هي التي شكّلت ما بعدها، وتحوّلت، لاحقا، لنظام وَعْيٍ يحكم كل التاريخ العربي منذ تلك البدايات وإلى اليوم، فإني لا أرى أن هذا المدى الزمني قد توقّف عند تلك اللحظة الحاسمة من تاريخنا، إذ على الرغم من مَرْكزيّتها وأثرها في كل ما تلاها، إلا أنها، من حيث هي فترة / ممارسة، تتكرر باستمرار. لا أقصد فقط ما قصده الجابري من أن العقل العربي الراهن محكوم بها على سبيل

الامتثال، بل أقصد أن العقل العربي الراهن يمارس تدوين راهنتيه بواسطتها، إنه يؤكدها، إذ يُرَمّم بُنْيَانها، بل ويزيد من متانتها وسُمُوقِها؛ لتكون فترة تكوين مستمرة، مُتَراكمة في المدى الزمني الطويل؛ ولكن دونما تجاوز للمحددات الأولى، بل هي تدور في ذات المدار، تدور في حلقة مفرغة منذ القرون الأولى/ عصر التدوين وإلى اليوم؛ ليكون جديدُها هو قديمها، تنويرها هو، في المضمون المُسْتعاد، أصوليتها الجامدة، تجديدها هو عين تقليدها، حداثتها هي مجرد استعادة بلهاء لقدامتها المتناثرة على أرصفة التاريخ.

لقد كان مقال الأسبوع الماضي عن (تاريخ العنف في الإسلام)، أي في تاريخ المسلمين. والعنف ليس هو فقط ما تجلّى في الوقائع الكبرى التي أشرت إليها، إيجازا وتلميحا، في ذلك المقال، بل العنف في كل تجلياته، حتى ما يبدو منها عنفا ناعما، إن صح التعبير !.

فإذا كان ذبح الأطفال في حجور أمهاتهم (كما فعل بسر بن أرطاة)، واستباحة المدينة المقدسة ثلاثة أيام للنهب والاغتصاب بعد قتل عشرة آلاف من أهلها على أطرافها/ في الحَرّة، وقبلها المذبحة التي طالت أقدس الشخصيات الدينية في وقتها/ كربلاء، وكل ذلك في فترة يفترض أنها طهرانية، فترة يَعدّها المسلمون، وفق التقليد الأثري، أقدس فتراته، وأكثرها خيرية. بل وأكثر من ذلك، يجري كل ما يجري بأيدي مسلمين، وفي فضاء إسلامي، إن استنكر واستبشع وأدان تلك الممارسات، فحجم دائرة الاستنكار والاستبشاع والإدانة لم تصل أبدا حَدَّ تكوين المناعة، أي لم ترتقِ لتشكل رأيا عاما صُلْبا يمنع مثل هذه الوقائع ابتداء، أو على الأقل، يمنع تكرارها بعد استيعاب بشاعة وشناعة وقائعها الأولى.

نعم، لم يتشكل رأي عام صُلْب، لم يتبلور ضمير جمعي يدخل كرقم صعب في معادلة الواقع، ومن ثم، يؤطر مجريات الحدث الواقعي، أو على الأقل، يُسْهِم في تأطيره وتحديد أهم مساراته. بل للأسف، ما حدث هو العكس، وهو ما ينبغي أن يكون محور العملية النقدية التاريخية، إذ جرى التبرير لها (تبريرها بضرورة واقعية أو بضرورة شرعية، أو بكليهما على اعتبار أن الأولى مقدمة للثانية)، وبالتالي، تكرّرت في سياق هذا

التبرير على نحو مطرد، ليصل الأمر إلى درجة التطبيع معها، فتكون بذلك وجها أساسيا من أوجه الحراك الاجتماعي الطبيعي. ويصبح الاستقرار والالتئام والعدل وتعزيز المبدأ الإنساني هو الطارئ، هو النادر، هو الاستثناء العابر، هو المعجزة التي تخترق قانون الواقع التاريخي المطرد، هو الحلم الذي يلوح كبارقة أمل خاطفة، هو الهامش الهش على متن البشاعات العنفية التي سحقت الإنسان على أكثر من صعيد في تاريخ عربي طويل، غير مجيد.

من هنا، تغدو الفترة الحالمة، الاستثنائية، لـ"عمر بن عبدالعزيز" الذي حكم لسنتين فقط، بين 99-101 هجري (وبصرف النظر عن ملابسات الفترة وسياقاتها، وعناصر الأسطرة فيها)، وكأنها ليست واقعا حقيقيا، وكأنها مجرد حلم لم يجد الناس منه في الواقع، بعد الصحو، إلا جمال الذكرى، لم يجدوا منه إلا الاستثناء الذي يُذكّرهم بأنه هو الاستثناء المستحيل، في الوقت الذي يُذَكّرهم بأن السنوات السابقة بكل زخمها هي الواقع، أنها هي الطبيعي الذي ينبغي الاشتغال عليه بالاندماج فيه. وهذا ما أثبتته الوقائع اللاحقة، إذ على الرغم من "القرارات الثورية" في هذا المدى الزمني القصير جدا، إلا أن اليوم التالي لوفاة "الاستثناء" أكّد على أن "الحالة" التي تنتظم كلَّ مُكوّنات الواقع المحيطة بها على الضد منها، ما يعني أنها حالة نشاز؛ حالة استثناء لا علاقة لها بالواقع.

عندما قامت الثورة العباسية كنقيض واقعي، وكنقيض أيديولوجي مفترض للدولة الأموية، عندما سحقت الأولى الأخيرة بعنف وحشي لا يعبر عن الانتقام فحسب، بل وعن الاختلاف الجذري المزعوم أيضا، عندما حدث كل هذا؛ لم تكن "الثورة" في الحقيقة إلا استعادة لذات التاريخ الذي صنعته الدولة الأموية أصلا؛ بالقدر الذي تموضعت فيه كتعبير عن تاريخ متحقق سلفا. ومن هنا، لم تكن نقيضا أيديولوجيا في الحقيقة، بل مجرد تنويع أيديولوجي يتماهى مع تاريخ راسخ من العنف، تاريخ تتفاعل فيه متتاليات الحدث الواقعي مع التصورات المتخيلة التي بقيت ظلالها من وقائع التاريخ العربي التليد: الـ"ما قبل إسلامي" والـ"ما بعد إسلامي".

لقد قامت الثورة العباسية، وكان حاكمها الأول/ خليفتها، هو أبو العباس السفّاح" الذي حكم لخمس سنوات في فترة تأسيس مضطربة. ثم أتى بعده أخو "أبو جعفر المنصور"، المؤسس الحقيقي للدولة العباسية. الأول لم يظفر بلقبه "السفاح" بالمجان، بل كان لقبه الذي افتخر به في إحدى خطبه؛ متوعدا. وقد أكدت مجريات الأحداث أنه كان سفاحا بالفعل، بل وأكثر من سفّاح. بينما كان المنصور أكثر من مجرم حرب (في وقائع كثيرة رصدتها كتب التاريخ على امتداد فترة حكمه التي ناهزت الـ 22 عاما)، إذ تجاوز، نوعا وكما، ما فعله أخوه السفّاح من قبل؛ ليصبح أحد أهم رموز الطغيان والعنف والتوحش في التاريخ الإسلامي.

وهذان، ورغم أنهما عاشا الشطر الأطول من عمريهما في ظل الدولة الأموية، ورغم تشنيعهما الدائم على عنفها ومظالمها وبشاعاتها، ورغم جاذبية صورة الفترة العمرية ما بين 99-101 هجري التي كانت صورة إيجابية؛ إلا أنهما لم يُرِدا، أو لم يستطيعا، أو لم يردا ولم يستطيعا، أن يكونا امتدادا للفترة الاستثناء الخاطفة التي يعشقانها.

إنهما لم يندرجا في السياق الإداري والقِيَمي للرجل الذي يمتدحانه بألسنتهما، بل كانا، ولا مفارقة هنا، امتدادا لأولئك الحكام الأمويين الذين كانوا النموذج الأسوأ للحكّام في نظريهما. باختصار، كانا، على مستوى القول، يلعنان الحكام الأمويين، ويستثنون عمر بن عبد العزيز، مترحّمين عليه، بينما كانا، على مستوى مضامين الفعل/ النظام الإداري، ينبذان عمر، ويحتقران طريقته، ويستخفان بمنجزه بوصفه مجرد زاهد، حالم، عاجز، فيما يسيران فعلا بسيرة الحكام الأمويين، متخذين منهم نماذج عليا مضمرة، تستحق التبجيل والاحترام، حتى وهي كنماذج لا تُذْكر على طرف اللسان إلا باللعنات تِلْو اللعنات !

لم يكن ثمة تناقض في هذا. لقد كانا محكومين بتاريخ وقائعي، وبنظام تصوّراتي، وهما لا يستطيعان الفكاك ذلك التاريخ الوقائعي ومن هذا النظام التصوّراتي إلا بمعجزة، وقد ولّى زمن المعجزات. لقد كانا أبناء واقع راسخ عميق الجذور، واقع صنعته تصوّرات مُسْبقة؛ بقدر ما كانا أسيرين لوقائع ظرفية يشتبكان فيها على سبيل الضرورة القصوى، وعلى سبيل الخيار الصعب؛ في أقل الأحوال.

لقد صنعا الدولة/ الدولة العباسية التي ستكون هي الأطول والأخطر في تاريخ الإسلام. لم يُؤسّسا لدولة سَتُكيّف الواقعَ الإسلامي الذي سيتمدد، بمتوالياته، في التاريخ الإسلامي الطويل فحسب، بل أسّسا أيضا، وبصراحة معلنة، لأيديولوجيا مُحَايثة لرحلة تَشكّل وترسّخ هذه الدولة، أيديولوجيا تنطق بلسانين: لسان القول ولسان الفعل، وهي في النهاية تتغذى على تاريخ طويل مظلم (ظلماته تلتهم ضياء شمعاته الخافتة الواهنة اليائسة)؛ ستعيد تغذيته وتنميته بطرق كثيرة، بعد أن تستعين بموارد من خارجه؛ لا ليكون أكثر رسوخا وأوسع امتدادا فحسب، بل وليكون أكثر جمالا وإغراء، وبالتالي، أكثر تعبيرا عن نفسه بوصفه "الطبيعي" الأكثر تعبيرا عن معايير الجدوى/ الأكثر عملية، بل وربما، بوصفه الأكثر تعبيرا عن إنسانية الإنسان !

هذا هو تاريخ العرب في القديم، تاريخ العراق وسوريا، تاريخ عواصم الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى. فهل تغيّر واقع العرب، وتحديدا: واقع العراق وسوريا اليوم في شيء عن ذلك التاريخ؟ هل ما جرى في العراق على مدى العقود الثلاثة الماضية يختلف، جوهريا، في أي شيء مهم عن الأحداث الحاسمة التي وقعت في العراق إبان تلك العقود الثلاثة الواقعة بين 60-90 هجري، أي قبل أربعة عشر قرنا من يومنا هذا؟ والأهم، هل تغيّرت منظومة القيم الراسخة للإنسان العربي اليوم، القيم التي تنتظم سلوك الأغلبية الساحقة من ملايين العرب، عن تلك القيم التي كانت سائدة على مستوى التصوّرات العامة في العصر الأموي أو العباسي؟

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.