هل "المجتمع الدولي" مستعد لتعاون وتنسيق جدي ودولي لمساعدة اللبنانيين مباشرة؟
هل "المجتمع الدولي" مستعد لتعاون وتنسيق جدي ودولي لمساعدة اللبنانيين مباشرة؟

منطقة الشرق الأوسط تضم دولا غنية ماليا وإن كانت غير غنية في مجالات الإبداع العلمي والتقني أو الخلق الثقافي، تعيش جنبا إلى جنب مع دول مدقعة وتزداد فقرا، وقريبة من دول فاشلة، تحدها دول أخرى هي مسارح لحروب بين مكوناتها الداخلية ولحروب الآخرين، ودول كانت مهمة تاريخيا، وحّولها حكامها الحاليون إلى دول مهمشة ولها حدود مع دول تحكمها أنظمة دموية لها طموحات عدائية خارجية، وموازية لدول كانت بحكامها وشعبها تعتبر نفسها أهم من حجمها الصغير في المنطقة والعالم، ولكنها تجد نفسها الان مدفوعة من قبل حكامها على طريق الهاوية، ولا من منقذ في الأفق. لبنان ينتمي إلى هذه الفئة الأخيرة من دول الشرق الأوسط. ما يكتب عن لبنان، في التقارير الصحفية، ودراسات مراكز الابحاث في لبنان وفي العالم يشبه ما يشعر به الجمهور الذي يشاهد مسرحية إغريقية. منذ الفصل الأول في المسرحية الإغريقية ندرك أن كارثة أو فجيعة تنتظرنا في المشهد الأخير. حتى أفضل السيناريوهات النظرية إيجابية، تبدو عصية على التحقيق أو محفوفة بالإحباط والمرارة.

اشتهر اللبنانيون في الماضي بقدرتهم على التكيف مع الصعاب والتحديات ما أدى إلى بروز ما سمي بالإنجليزية بظاهرة Lebanese resilience وهي سمعة اكتسبها اللبنانيون عن حق لأنهم تعايشوا مع أو تخطوا تجارب وكوارث اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية في العقود الأخيرة ليس أقلها حرب بين اللبنانيين وجيرانهم استمرت لخمسة عشرة سنة، واحتلالات دموية سورية وإسرائيلية، ونفوذ خارجي خانق وخاصة من إيران، ومن هيمنة وفساد وعفن طبقة سياسية –مالية مفترسة، عبّر عنها انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي الذي دمّر أو شوّه ثلث بيروت. بيروت أصبحت معروفة اليوم بأنها العاصمة التي شهدت أكبر انفجار غير نووي في العالم. وهذا كله على خلفية جائحة كورونا التي تفتك باللبنانيين في غياب الحد الادنى من الوقاية والحماية الطبية التي تعجز أجهزة الدولة عن توفيرها للغالبية العظمى من اللبنانيين. وربما أبشع ما فعله حكّام لبنان باللبنانيين هو حرمانهم من هذه القدرة. الإرهاق في لبنان جماعي وعميق، والاحباط سيّد المشاعر. اللبنانيون يدركون أن أجمل ايامهم ليست أمامهم، بل ورائهم. وهذا أسوأ حكم سياسي يصدر ضد انسان أو مجتمع.

العملة اللبنانية فقدت أكثر من تسعين بالمئة من قيمتها منذ أكتوبر 2019. تكلفة المعيشة وصلت إلى معدلات غير مسبوقة، ومعدلات الانتحار والإفلاس والجرائم والسرقات وصلت إلى أرقام قياسية. والمصارف اللبنانية تواصل حرمان اللبنانيين من سحب ودائعهم، بعد أن هدرها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يحتل منصبه منذ 1993 في قروض لسياسيين مفترسين، ولدولة غير قادرة على تسديدها. وأخيرا، أبلغنا رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يحتكر رئاسة المجلس منذ 1992 بأن لبنان اليوم مثل سفينة "تايتانيك" قبل اصطدامها بجبل الجليد الذي أغرقها، وكأن "الاستاذ نبيه" ليس من أفراد الطاقم الأعمى الذي يقود السفينة.

في الشهر الماضي صدر عن معهد الشرق الأوسط، وهو من أقدم وأهم مراكز الأبحاث المعنية بالمنطقة في العاصمة الأميركية، أكثر من تقرير أكاديمي جدي عن لبنان وأزماته المتعددة، وكلها رسمت صورة قاتمة لمستقبل دولة تائهة في البرية السياسية بعد أن كسرت بوصلتها. وجاء في تقرير بعنوان "أزمة لبنان الاقتصادية: مأساة في طور التكوين" وضعه ثلاثة خبراء لبنانيين أن السيناريو الأسوأ لمستقبل لبنان هو استمرار الانهيار الراهن اقتصاديا وماليا واجتماعيا مع ما يعنيه ذلك من هجرة أصحاب المهارات وإغلاق الشركات، ووقف ربط الليرة بالدولار، وارتفاع هائل في الأسعار ما يعني تقويض الدخل وهدر الثروات وانعدام الأدوية. وكل هذه العوامل تجلب ورائها الفلتان الأمني والفوضى، وفي أسوأ الحالات انفجار النزاع المسلح بين الأطراف اللبنانية كما حدث في السابق. هذا السيناريو وارد وغير مستبعد.

أما أفضل السيناريوهات فهو يتم من خلال تحقيق اجماع سياسي حول برنامج اقتصادي شامل يتم على أساسه "تشكيل حكومة مستقلة" نحظى بصلاحيات تشريعية طارئة لإبرام إصلاحات اقتصادية ومالية جدية وجذرية. الخبراء قالوا إن فرص تحقيق هذا السيناريو "متدنية للغاية"، وإن مثل هذا السيناريو من المؤكد تقريبا أن ترفضه الطبقة الحاكمة التي ستراه بمثابة "انتحار سياسي". أما السيناريو المرجح فهو تشكيل حكومة "تقليدية" مع أمل حدوث تحولات إقليمية، مثل تحسن العلاقات بين واشنطن وطهران الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تسويات لبنانية داخلية. ولكن حتى هذا السيناريو الذي يمكن أن يخفف الانهيار، لن يكون كافيا لإعادة العافية الى لبنان.

وفي تقرير آخر أصدره المعهد بالتعاون مع فريق العمل الأميركي من أجل لبنان، بعنوان "ستة خطوات أساسية" وشارك في وضعه عدد من الاكاديميين والديبلوماسيين الأميركيين السابقين الذين خدموا في لبنان والمنطقة اضافة إلى عدد من السياسيين الأميركيين من أصل لبناني والعاملين في مراكز الأبحاث والاعلاميين، تضمن 6 مقترحات للحكومة الأميركية لمساعدة لبنان. وحذّر التقرير في مقدمته أن لبنان "يسير بسرعة على الطريق الذي سيوصله إلى الدولة الفاشلة بشكل كامل. الانهيار الكامل قد يستغرق اسابيع، ولكن اصلاحه سيتطلب عقود ". والفشل الكامل سيؤدي إلى عودة تنظيمات إرهابية مثل "داعش" و"القاعدة"، والتسبب "بموجة هجرة لبنانية - سورية باتجاه أوروبا، وتوسيع نفوذ حزب الله في البلاد".

ويوصي التقرير الحكومة الأميركية بتشكيل فريق اتصال دولي مؤلف من شخصيات بارزة لتنسيق جهود مبادرة دولية لحض المسؤولين والبرلمانيين اللبنانيين على اتخاذ "إجراءات بناءة" في الربيع. 
وهذا يشمل قيام وزارة الخارجية الأميركية بتنسيق الجهود مع الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا وأعضاء مجلس التعاون الخليجي "لفرض الضغوط على القادة اللبنانيين وتوفير الحوافز لهم لتشكيل حكومة تتمتع بالصدقية والصلاحيات لتحقيق إصلاحات فورية". ويوصي التقرير بتشكيل صندوق دولي لتوفير مساعدات مباشرة للشعب اللبناني دون إشراك مؤسسات الحكومة اللبنانية في توزيع هذه المساعدات، وإقامة شبكة أمان اجتماعية لمساعدة الشعب اللبناني. ويدعو التقرير إلى دعم الجهود الديبلوماسية من خلال تعزيز التعاون بين القوات المسلحة اللبنانية ووزارة الدفاع الأميركية وضمان استمرار المساعدات العسكرية للقوات اللبنانية المسلحة والتنسيق معها لتعزيز استقرار لبنان، بما في ذلك إقامة صندوق طارئ لتمويل متطلبات معالجة الأزمة المستمرة.

وفي حال التوصل إلى تشكيل حكومة تتمتع بالصدقية والصلاحيات اللازمة لتحقيق الإصلاحات، يرى التقرير أنه يمكن لهذه الحكومة أن تعمل مع شركائها الدوليين لتطبيق خطة إنقاذ اقتصادية تشمل التعجيل بتقديم المساعدات من قبل المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتنفيذ عملية إعادة بناء القطاع المصرفي والمالي، الأمر الذي سيساعد لبنان على تأمين احتياجاته الغذائية والطبية، واستعادة بعض الثقة لقطاعه المصرفي الممزق. ويدعو التقرير إدارة الرئيس بايدن لوضع لبنان على قامة الاهتمامات الأميركية لتعزيز الديموقراطية وحقوق الانسان في العالم.  

ويرى التقرير أن لبنان يمكن أن يكون امتحانا لهذا الالتزام الأميركي. وحض التقرير في توصيته الأخيرة إدارة بايدن لأن تجعل لبنان مثالا لجهودها في مجال "مكافحة الفساد العالمي". ويمكن لإدارة بايدن في هذا السياق أن تطبق العقوبات وغيرها من الإجراءات العقابية الدولية "ضد كيانات محددة وأفراد متورطون في الفساد وانتهاك حقوق الانسان والنشاطات الإرهابية بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية".

من الصعب تفنيد التشخيص الوارد في التقرير الاول، والتوصيات الواردة في التقرير الثاني. ولكن سجّل القيادات اللبنانية التي ترفض أي اصلاحات جذرية يمكن أن تهدد مصالحها واحتكاراتها، وفرص تحقيق اجماع دولي لمساعدة لبنان، بعد الجهود الدولية التي قادتها فرنسا في السنوات الماضية والتي وصلت إلى طريق مسدود، لا تزال تمثل عقبة حقيقية أمام التغيير المنشود. لبنان ليس في طليعة أولويات ادارة بايدن في الشرق الأوسط. بايدن يريد إحياء وتطوير الاتفاق النووي مع إيران، ووقف حرب اليمن، ويريد تفادي التورط في النزاعين السوري والليبي. الذين يعلقون الأمل على حدوث تقدم في المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران في سياق المفاوضات الدولية بين الأطراف التي توصلت إلى اتفاق 2015، وأن يعقب ذلك مرونة إيرانية، يمكن أن تنعكس على الوضع اللبناني، يجب أن يتذكروا ان اتفاق 2015، لم يؤد الى أي تغيير في سياسات إيران السلبية والتخريبية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. إدارة بايدن تقول إنها تريد تفادي هذا الخطأ الذي ارتكبته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما حين اخفقت في ربط الاتفاق النووي بسلوك إيران الإقليمي، ولكن تحقيق ذلك ليس مضمونا، كما أن أي تقدم في المفاوضات سوف يستغرق أشهر وسنوات، وهو ترف لا يملكه لبنان ولا اللبنانيون.

الأمر اللافت في التقرير المشترك لمعهد الشرق الأوسط، وفريق العمل من أجل لبنان، هو أن واضعيه يدركون مدى فساد وعفن الطبقة السياسية - المالية اللبنانية، ولذلك اقترحوا مزيجا من الضغوط والحوافز لإقناعها بقبول الإصلاحات الجذرية، وضرورة إبقاء سيف العقوبات الدولية مسلطا فوق رؤوس القيادات اللبنانية، التي تمارس الفساد وانتهاك حقوق الإنسان وتواصل تورطها في أعمال الإرهاب. وهذا يجعلنا نطرح السؤال المنطقي في هذا السياق. هل "المجتمع الدولي" ونعني هنا الولايات المتحدة، والاتحاد الاوروبي، وفرنسا تحديدا، ودول مجلس التعاون الخليجي، مستعد لتعاون وتنسيق جدي ودولي لمساعدة اللبنانيين مباشرة، وتحمل مسؤولية معاقبة القيادات اللبنانية التي تحاول عرقلة أي خطة إنقاذيه من هذا النوع؟ الحقيقة المرّة هي أن الماضي القريب لا يوحي بذلك.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.