الكاتبة المصرية نوال السعداوي
الكاتبة المصرية نوال السعداوي

الغضب الذي يلازم دائما وجوه الإسلاميين المتشددين ومشاعر الشماتة والتشفي التي يحرصون على إظهارها عندما تحصل حادثة أو وفاة عند من يخالفهم في الرأي ظاهرة غريبة بحاجة إلى دراسة لمعرفة أسباب امتلاء قلوب هؤلاء بالكراهية بدل المحبة والتسامح والغفران التي تغمر عادة قلوب المؤمنين الحقيقيين، وكان آخر الأمثلة ما أظهروه من مشاعر الشماتة في موت الكاتبة والمفكّرة والطبيبة نوال السعداوي والتي عبروا عنها بكل وضوح في وسائل التواصل الاجتماعي.  

فقد قال أحدهم الحمد لله على هلاكها الذي أراح العباد والبلاد، وقال آخر إن الشماتة في الموت عبادة!، اعتمادا على حديث "والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، ورأى آخر أن "علماني متبجح يجد من يحميه ويلمّعه ويجعله نجما ومفكرا وهو لا يفرق بين التيمم والوضوء!، فماذا يتصرف الرجل إذا علم بموت أو حلول كارثة بأحد هؤلاء؟ من الطبيعي إذا كان عاقلا أن يحمد الله الذي أراه آيته وكفّ عنه أذاه، ولو كانت الشماتة غير جائزة ما سجد الشيخ الشعراوى يوم هزيمة الظالمين -عندما سجد شاكرا الله على هزيمة مصر في حرب حزيران!-، وقال العلماء إذا جاز لك الدعاء عليهم ألا يجوز لك الفرح بهلاكهم".   

  مع أن كل ما فعلته نوال السعداوي هو مناقشة قضايا الحجاب والجنس وختان المرأة من نواحي طبية واجتماعية وهو في صلب عملها كطبيبة، وجميعها قضايا بعيدة عن جوهر الدين، وقدّم الإسلاميون مثالا آخر للشماتة عند موت الباحث الإسلامي محمد شحرور: "الشماتة الحقيقية في موت أفكار الزنادقة والعهر والفجور فكر محمد شحرور فكر الانحلال والتشويه فكر التعدّي على تاريخ الأمة ومصادرها ورجالها، فكر التعرّي فكر المجون"، وقال آخر هلاكه كشف حساب الملاحدة والصليبيين الكارهين للإسلام والمسلمين.  

وحسب مقال في "رأي اليوم" علّقت وقتها د. دعاء عبد الحميد طنطاوي "شحرور مات وعقبال السعداوي وأخواتها كل ما واحد من الملاحدة مات على سريره أفتكر صورة فرج فودة وهو متغربل بالرصاص وأترحم على البطل أبو العلا عبد ربه عقمت النساء أن يلدن مثله"، وبطلها عبد ربه هو أحد الإرهابيين المشاركين في اغتيال فرج فودة والذي انضم فيما بعد إلى داعش وقتل بقصف للتحالف الدولي عام 2017، ولا يوجد مثال أوضح من هذا على الدرجة الاستثنائية من الكراهية والحقد والتحريض على القتل عند هؤلاء، فالكاتبة تأسف لأن الدكتور محمد شحرور لم يمت متغربلا بالرصاص مثل فرج فودة مع أن كل "جريمته" أنه قضى حياته في محاولة التوفيق بين الإسلام والعلم والعصر، فأعاد قراءة النصوص بهذا الهدف وكان الموقف المنطقي أن تشمله مقولة للمجتهد أجر إن أخطأ وأجران إن أصاب.  

 

ولم يكتف المتطرفون بذلك بل جعلوا الله غاضبا يبحث عن الانتقام مثلهم، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال رؤيتهم لعذاب القبر في موقع الدرر السنية اعتمادا على حديث منسوب للبراء بن عازب، "يأتي للعبد الكافر أو الفاجر ملكان فيسألانه من ربك فبقول هاه هاه لا أدري، فيقولان ما دينك فيجيب هاه هاه لا أدري، فينادي منادي من السماء فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرّها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك"، وزاد جرير: ثم يقيّض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبلا لجعله ترابا فيضربه بها ضربة يسمعها المشرق والمغرب فيصير ترابا ثم تعاد فيه الروح.  

وتستمر نفس الرؤية في ما يلاقيه أصحاب جهنم حسب موقع صيد الفوائد، "طعامهم يغلي في بطونهم ومنه الزقوم وصديد الحروق وهو ذو مرارة وغصّة، وشرابهم الحميم يشربونه من شدة عطشهم ولكنه ينزل يغلي في بطونهم، ولباسهم من النار، ويكونون في جهنم مقيدين بالسلاسل والأغلال زيادة في الهوان مما يجعل وجوههم مسودّة، وجلودهم تتبدّل كلما نضجت حتى يتجدد العذاب، وقد تسلّط عليه الحيات والعقارب والحشرات"، وبذلك فقد رسم هؤلاء المتشددون إلها غاضبا على شاكلتهم بل تجاوزوه لأن كل هذا العذاب الذي ينتظر حسب زعمهم السعداوي وشحرور لم يكن كافيا للسماح للشفقة أو الرحمة بالدخول إلى قلوبهم.  

وهذا يوضح أن العلاقة مع الله حسب رجال الدين هؤلاء ترتكز على الخوف، ربما نتيجة اقتناعهم بأنه لا توجد وسيلة أفضل لفرض التسليم وإتباع تعاليم كل ما هو منقول عن كتب التراث مهما كان بعيدا عن العقل أو لا يقبله العلم وثقافة العصر، فهم لم يجدوا سوى الخوف وسيلة لدفع المرأة للقبول بأنها ناقصة عقل ودين وأن الرجل رئيسها والحاكم عليها ومؤدّبها إذا إعوجّت، وأن بإمكانه أن يتزوج عليها عدة نساء، أو للقبول بأن الرجم وقطع الرأس حدود شرعية يجب تطبيقها في عالم اليوم.  

ولكن آراء هؤلاء المتشددين تصطدم مع هذا العصر، لأن الكثير من المؤمنين اليوم ينزّهون الله عن هذه  الساديّة في التعذيب، ويرون أن العلاقة مع الله ترتكز على الحب وبالتالي لا يعقل أن يعامل الله أبناؤه الذين خلقهم بهذه القسوة وأن من يصوّر الله بهذه الطريقة يسيء إليه، كما برى بعضهم أن الجحيم ليس غرفة تعذيب ولكنه الابتعاد عن الله والحرمان من رضاه، وأن أشد العقوبات على الأرواح الآثمة هو الاختفاء والزوال، لأن جهنم بالمفهوم المتوارث تتعارض مع الحب اللامتناهي لله، فالله ليس قاضيا يسعى للإدانة ولكنه صديق ومحب للإنسانية، ويرى كثيرون أن الجحيم تعبير مجازي عن الروح المعزولة التي ستتّحد في نهاية المطاف مثل جميع النفوس في محبة الله.   

وفوق كل ذلك يبدو أن أساليب الترهيب والتخويف المبالغ فيها في التراث الإسلامي لم تفلح حتى في ضبط سلوك الإسلاميين أنفسهم، ومن الأمثلة على ذلك قيام داعية إسلامي ومدرّس للعلوم الإسلامية في أوروبا وحفيد مؤسس الأخوان المسلمين باغتصاب عدة سيدات بينهم واحدة من أصحاب الاحتياجات الخاصة وثانية اتهمته باغتصابها بشكل جماعي مع أحد مساعديه، وعندما تمت مواجهته بالأدلة والرسائل القصيرة المرسلة منه إلى هاتف إحدى ضحاياه وبمئات الصور الإباحية التي عثر عليها في هاتفه وكمبيوتره الشخصي اضطرّ للاعتراف ولكنه إدّعى أنها علاقة بالتراضي أي زنا حسب التوصيف الإسلامي.  

ومن الأمثلة الأخرى إقدام رجل على الاعتداء جنسيا على طفلة عمرها ست سنوات رغم أنه أدّى فريضة الحج مرتين،، وكذلك قيام الكثير من رجال الدين بإنشاء جمعيات خيرية وهميّة بهدف التكسّب المادي أو إعطاء شهادات تحفيظ قرآن لغير المؤهلين مقابل المال أو الكذب والغش في التعاملات التجارية حتى مع إخوتهم، مما أدّى لوجود إنطباع شعبي عام بأن مظاهر التدين الخارجي عند الكثير من المشايخ ليست سوى عدة النصب، مما يؤكد أن العبودية والتسليم بدون تفكير وإعمال العقل لا ينتج عنها إيمان حقيقي عميق بل تديّن سطحي وتقليد "ظاهري" حرفي للسلف وهذا هو التديّن الذي ينتشر هذه الأيام في أغلب الدول الإسلامية.  

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.