قبل أكثر من 20 عاما وتحديدا في عام 1999 قرر ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال عزل شقيقه الأمير الحسن عن ولاية العهد، بعد 34 عاما قضاها يحكم، وتتبعه مؤسسات عديدة في الدولة.
كنت من بين أعضاء وفد لنقابة الصحفيين الأردنيين زار الحسين خلال رحلة علاجه الأخيرة في مشفى "مايوكلينك"، وأسعفني الحظ أن التقيه في السفارة الأردنية بواشنطن بحضور سفير الأردن آنذاك، مروان المعشر، ومدير التشريفات الذي كان يرافقه، أيمن المجالي، وفي هذا اللقاء المقصود تعمد الملك أن يُبلغنا بشكل غير مباشر عن "تغييرات كبيرة سيجريها حين يعود لعمّان ليطمئن على مستقبل شعبه"، وما فهمته على ضوء المعلومات التي كانت تتواتر ممن قابلوه أنه حتما سيُغير ولاية العهد.
عاد الحسين المريض إلى عمّان على عجل، وقرر إزاحة الأمير الحسن، ومع هذه الخطوة الصعبة في ذلك الوقت الحرج تسربت معلومات عن سيناريوهات أمنية للتعامل مع الأمير في حال لم ينصاع للأمر الملكي، ولكن الحسن شقيق الملك، والأقرب إليه طوال حكمه الذي استمر زهاء 46 عاما، تمتع بانضباط عالٍ، وكان في جنازة القرن للراحل الحسين على رأس من يتقبلون العزاء، إلى جانب الملك الجديد عبد الله الثاني.
لملمت العائلة الهاشمية جراحها، واحتوت أزمة غير مسبوقة، وخلاصة الدرس إن ما يُميز حكم الهاشميين طوال العقود الماضية قدرتهم الفائقة على دفن خلافاتهم حفاظا على العرش، فمصدر قوتهم في وحدة موقفهم وصفهم.
هذه القصة سيطرت على تفكيري حين اتهم الأمير حمزة الأخ غير الشقيق للعاهل الأردني بمحاولات المس بأمن البلاد، وزادت مخاوفي بعد البيان الرسمي الصادر عن زيارة قائد الجيش لمنزله، وطلبه من الأمير حمزة أن يوقف نشاطاته التي تضر بالأمن الوطني، وقلت إن "النفخ في الكير" سيُفاقم الأزمة ويُعقدها، وجوقة المُتصيدين ممن يقفون ناقدين ومتهمين في الاتجاهين لن يحصدوا إلا "الأوهام"، وحل الأزمة سيكون بتطويقها داخل بيت العائلة مثلما فعلوا في الأزمات السابقة.
بعد يوم من بيان الحكومة التي غابت عن المشهد، والذي تلاه نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، أيمن الصفدي، وكان حادا وقاسيا في مضمونه واتهاماته، وزاد من منسوب الأسئلة المُقلقة والتي لم تجد إجابات عند الجمهور، أعلن الديوان الملكي الهاشمي أن الملك أوكل لعمه الأمير الحسن التواصل مع الأمير حمزة، والذي أكد أنه يلتزم بنهج الأسرة الهاشمية.
ونشر الديوان الملكي ووسائل الإعلام عن اللقاء الذي تم في بيت الأمير الحسن بحضور الأمير حمزة، وبعض الأمراء، وشهد توقيع الأمير حمزة على رسالة تؤكد أنه سيكون عونا وسندا للملك وولي عهده، ومُلتزما بالدستور، وبأن تبقى مصالح الوطن فوق كل اعتبار.
بعد أكثر من 20 عاما على عزله يعود الأمير الحسن بحنكته وحكمته ليُطفئ جذوة النار المشتعلة، فيُرمم مدماكا تصدع في بنيان الأسرة الملكية الحاكمة في الأردن، ويُهدئ الخواطر التي كُسرت، ويلجم خطرا كان يمكن أن يتنامى.
ما حدث في الأيام الماضية درس وعبرة للنظام السياسي يجب أن يستلهم منه الدروس، وعلى الشعب أن يفوت العاصفة التي اجتاحت البلاد ليؤسس لدولة حديثة في مئويتها الثانية.
في التفاصيل الكثير مما يجب أن يُقال حتى لا يتكرر ما وقع، وأول الدروس مأسسة العلاقة داخل الحكم، فالأردن يعلو ولا يُعلى عليه، والناظم الذي يجب أن يحكم المسار والعلاقة بين الجميع الدستور، و"الدسترة" يجب أن تسود نهجا وممارسة، ولا يُسمح بخرقها.
الدستور هو الحكم والفيصل، وهو ليس مقدسا، وتعديله يصبح ضرورة بآليات مؤسسية مشروعة وسلمية لتعزيز الحكم الديمقراطي الرشيد لإعادة الاعتبار لحكم الشعب.
لم تنتهِ فصول الأزمة كاملة وتداعياتها ربما تستمر، وكثيرون في الأردن زادت هواجسهم بعد رواية الحكومة لما حدث، ففي التفاصيل أسئلة من دون إجابات، و"شيطنة" الأمير حمزة لم تجد قبولا وآذانا صاغية، واتهامات الاتصال بجهات خارجية، لم يُعلن عنها ولم تُحدد، كانت تفتقد للأدلة الحاسمة، واعتقال ما يقارب 16 شخصا بينهم رئيس الديوان الملكي السابق، باسم عوض الله، والشريف، حسن بن زيد، من دون اتهامات واضحة يشي بخرق للحقوق الدستورية، وإبقاء الأمير حمزة قيد الإقامة الجبرية سندا لكلام وفيديوهات تحمل انتقادات تجري على ألسن الناس ربما صنعت تعاطفا شعبيا لم يكن في حسبان السلطة.
والتسريب المتعمد لمجريات الحوار بين الأمير وقائد الجيش زاد من رصيد حمزة الذي رفض ما اعتبره تهديدات، مُعلنا أن لن يمتنع عن الاتصال بشعبه، وبأنه ليس سببا للخراب، ومُذكرا أنه ابن الحسين.
باختصار رواية الحكومة جاءت على عجل وليست محبوكة جيدا، ولعلها لم تدرك بعد أن السوشيال ميديا وضعتها تحت مجهر ورقابة الناس؛ فالأصوات لم تعد مكممة في الداخل والخارج، وهي لم تعد تملك عصى الطاعة تأمر فينصاع الجميع لوعيدها، ويمجدون كلامها، ولا يشككون بصدقيته.
مروية الفساد في الأردن ليست كلاما مُرسلا على لسان بعض معارضي الداخل والخارج، أو شكوى يبوح بها الأمير المتهم، فقد كان الملك على رأس من وجه أوامره بقصم ظهر الفساد قبل سنوات، وفاجعة مستشفى السلط التي وجعها ما زال يدق الأبواب تُدلل على مؤسسات أنهكها الفساد، والترهل، وسوء الإدارة.
قصة اتهامات التآمر وزعزعة الأمن كشفت بواطن أزمات تنهش أركان الدولة، فالحكومة غابت وكانت آخر من يعلم، فهي مثل غالبية الناس تنظر للمشهد المتأزم وكأنها لا تحكم، ولا تعرف ما يجري حولها، وبذلك تطلق النار على نفسها، وتُجهز على ما تبقى لها من رصيد في الشارع، فالقناعات عند الناس ترسخت أكثر وأكثر أنها لا تملك الولاية لتحكم وتقرر.
وظهر جليا في أزمة استمرت 48 ساعة أن الجيش والمخابرات هما من يضطلعان بإدارة المشهد، وأول التصريحات نُسبت لقائد الجيش رئيس الأركان، يوسف الحنيطي، وهو من تولى إبلاغ الأمير حمزة بالرسالة، وتموضعت الحكومة في ظلال المشهد وليس في الصلب منه، وطغت صورة "العسكرة" أكثر مما عداها.
الموجع أيضا في المشهد كان الغياب الكبير للإعلام الوطني، فهذه الأزمة عجلت أكثر بإضعاف مصداقيته، ووضعته في مهب الريح، فمن بعد اليوم سيُصدق روايته للأحداث؟ ومن سيقبل للحظة بفرضية استقلاليته؟ وقد تسابقت المؤسسات الإعلامية في بقاع العالم كله لنقل المعلومات والتحليلات عمّا يحدث، إلا هو ظل صامتا لا يعرف ماذا يقول لجمهوره، مُكرسا بغيابه حضور الأصوات الصادقة والكاذبة، وفاسحا المجال ليستدير ويبتعد عنه الجمهور وإلى الأبد.
والحقيقة الأخرى التي تتكشف أيضا أن المصالح تتقدم دائما على المبادئ والعلاقات مهما كانت، فرغم ظلال الاتهامات التي فجرتها الأزمة باتجاهات إقليمية ودولية، وامتداد الشبهات لتطال عواصم اعتبرت متورطة بسيناريو تهديد الأمن الأردني، إلا أن رسائل التضامن التي جاءت من كل دول العالم لتساند موقف الأردن والملك، أكدت أن العواطف لا مكان لها في العلاقات الدولية، وأن الأردن يتمتع بشبكة أمان دولية تتخطى كل الاعتبارات والعلاقات، وأن للأردن عنوان واحد لا آخر له هو الملك، وهو وحده.
منذ عام يعاني الأردن من وطأة جائحة كورونا، وتفتك هذه الأزمة المتناسلة باقتصاده، وتزيد من فقر وعوز المجتمع، وجاءت هذه القضية لتُضاعف الهواجس من أزمة داخل بيت الحكم، وتُرخي بظلالها على مناكفات وصراعات كان يُسمع عنها ولا تظهر للعلن، واليوم تخرج مُنذرة بعواقب بعدا أن ظلت صورة الملك الذي يجوب العالم مُتكئا على سواعد أشقائه تقطع الطريق وتئد كل من يراهن على زرع الفتنة.
بعد الحديث عن مصالحة وشيكة في العائلة الهاشمية، ينتظر الأردنيون أن يعرفوا مصير هذه القضية التي أقلقت مضاجعهم، رغم أنهم لم يهضموا ويفهموا تفاصيلها، فوسائل الإعلام تهدر بشائعات عن "انقلاب"، وتهديد للأمن، وهم لم يروا دبابة واحدة في الشوارع، وكل ما سمعوه عن مؤامرة ربطت متهمين لم يُعرف رسميا إلا اثنين منهم، ولهذا ظلوا بانتظار بقية فصول الأزمة.
إذا أغلق باب هذه الأزمة فإن ضحايا و"أكباش" سيكونون حطبا لنارها، وتغييرات دراماتيكية قد تحدث في الداخل الأردني لتُعيد ترتيب الأوراق، وتُبعد بعض الوجوه عن المسرح السياسي حتى تكتمل المعالجات والمصالحات.
أبعد من اللحظة الحاضرة فإن ما حدث يُعيد إلى الواجهة أهمية أن يُباشر النظام إصلاحات دستورية تُبقي الملك خارج التجاذبات، وحاميا للدستور، وبانيا لدولة المؤسسات التي تصون الحقوق وتكرس المواطنة، والعدالة، والمساءلة قولا وممارسة.
إذا خرج الملك بعد أيام متوسدا ذراع أخيه الأمير حمزة، ماذا سيفعل ويقول الذين قطعوا شعرة معاوية، وأحرقوا سفنهم، وتجاوزوا الخطوط الحمراء؟!

