طالبو لجوء في ولاية تكساس
المفارقة هنا هي أن لغة مستعمر الأمس، أي الإسبانية، أصبحت رمز مقاومة السيد اليوم، الناطق بالإنكليزية""

قد تكون الجائحة، في أكثر من موقع، قد أتاحت لسلطات الدول المولجة بمراقبة الحدود وضبط الهجرة غير المرخّص بها، التشديد من تدابيرها، بل ربما أن الوباء قد أوهن عزم بعض المهاجرين العتيدين عن خوض غمار المخاطرة التي من شأنها الوصول بهم، إن نجحوا، إلى أرض الميعاد.

غير أن الواقع يبقى أنه ثمة تفاوت كبير بين عوامل الجذب، الأصيلة والكبيرة والباقية رغم خطر المرض، وعوامل الدفع، الطارئة والعرضية والآيلة إلى الأفول. أي أن التراجع في زخم الهجرة، إن حصل وحيث حصل، ليس دليل تحوّل في حركة الناس في مختلف أنحاء الكوكب، بل حالة آنية لا يمكن الركون إلى استمرارها.

في موضوع الهجرة، ثمة وجهان رئيسيان من أوجه الاختلاف بين المنحى الذي تعتمده إدارة الرئيس جو بايدن اليوم، وذاك الذي أشهرته السلطات في عهد سلفه الرئيس السابق دونالد ترامب، وهما التأطير من جانب الإدارة والرد عليه من جانب الإعلام والمجتمع.

ترامب كان قد جعل من الهجرة شعاراً انتخابياً أساسياً، حذّر من أن الوافدين ""ليسوا من خيرة البشر"، وأن الدول التي "ترسلهم" تجتهد وفق رؤيته الثاقبة للتخلص من "المجرمين والفاسدين" من سكانها، بل إنهم في واقع الحال يشكلون سرايا غزو لا بد من التصدي لها بالأسوار، ومن هنا أتى كلامه الاعتباطي بأنه سوف يبني الجدار وأن المكسيك سوف تسدّد كلفته.

فيما يتعدى هذا الهذيان الأهوائي، فإن سور الصين العظيم لم يشهد طبعاً منافساً له عند الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، ولا المكسيك تبرّعت بقرش واحد لتغطية كلفة جدار ترامب، إلا أن توظيف الرجل لقضية المهاجرين استمر، فاعتمد أسلوب التهويل الأقصى قبيل الانتخابات النصفية عام ٢٠١٨، في متابعة يومية لقافلة من المهاجرين "الغزاة" الخارجين من دول أميركا الوسطى الفقيرة.

إذ راح ترامب يتحف الجمهور بأخبار تقدّم هذه القوة الضاربة واستعدادات الصناديد من حرس الحدود لاعتراضها. وما أن جرت الانتخابات، حتى تبخّرت هذه الهموم من أحاديثه اليومية، لينتقل إلى غيرها من شؤونه الجوّالة.

على أن ترامب كان صادقاً في أنه ثمة قافلة قادمة من هذه الدول المنكوبة. ولم تكن تلك القافلة الأولى ولا الأخيرة. فالولايات المتحدة تعيش حالة مَرَضية مع جوارها الجنوبي منذ عقود، بل ربما منذ قرن ونيف.

يذكر هنا أن جميع الولايات المحاذية للمكسيك هي أراضٍ قد انتقلت ملكيتها للولايات المتحدة جراء حروب. وثمة فارق مبدئي بين أسلوب الاستعمار الذي كانت قد انتهجته إسبانيا في المكسيك وأميركا الوسطى وذلك الذي لجأت إليه الولايات المتحدة عبر تاريخها.

ففي حين أن المستوطنين القادمين من بريطانيا ثم بعض أوروبا، كانوا قد أقصوا السكان الأصليين عن مجتمعاتهم الجديدة في أميركا الشمالية، وغالب هؤلاء السكان الأصليين كان بين البداوة والتحضر، فإن الإسبانيين في وسط القارة وجنوبيها قد سعوا إلى استيعاب الأعداد الكبيرة من رعايا الحضارات والدول المحلية، والتي كانت على أقدار متفاوتة من التطور، وإن جاء هذا الاستيعاب بشكل سعي للإطاحة بما تبقى لهذه المجتمعات من خصوصية دينية وثقافية ولغوية.

الحصيلة هنا هي أن الاستعمار الإسباني لم يقضِ تماماً، كما فعل نظيره البريطاني، على الدورة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمعات التابعة. وهذه الدورة قد شملت المقاطعات الواسعة، من كاليفورنيا وما يتجاوزها شمالاً إلى تكساس، والتي انتقلت في مرحلة لاحقة إلى الولايات المتحدة.

فإن الأحادية القسرية في اللغة والهوية الطاغية، والتي كادت أن تتحقق في سائر الولايات المتحدة، لم تكن ممكنة في هذه الأجزاء الجديدة. المفارقة هنا هي أن لغة مستعمر الأمس، أي الإسبانية، أصبحت رمز مقاومة السيد اليوم، الناطق بالإنكليزية.

يمكن للولايات المتحدة، وتحديداً لمن يعترض على الهجرة الوافدة إليها، أن يتجاهل هذا التواصل السكاني الاجتماعي الثقافي التاريخي غير المنقطع إلى جانبي الحدود المكسيكية الأميركية، وأن يعمد إلى الإشارة إلى الحق القانوني السيادي لبلاده في اعتراض قدوم النازحين من الجنوب. غير أن المتابعة الموضوعية للمسألة لا تضع هذه الهجرة في سياق الحركة الطبيعية للسكان الأصليين لعموم المنطقة وحسب، بل كذلك، وبالدرجة الأولى، في سياق العرض والطلب، بين حاجة لدى المزارعين وأصحاب المشاغل والمعامل وغيرهم في الولايات المتحدة إلى اليد العاملة القابلة والرخيصة، وإلى عوز القادمين إلى كفايتهم وإلى رغبتهم بتحقيق صالح أولادهم.

المعادلة المستقرة، على إجحافها، والتي سادت في المراحل الماضية، هي أن المهاجرين يستميتون لتحقيق حلمهم بالوصول إلى الولايات المتحدة، فيما تعمل التدابير الاحترازية عند الحدود، ولدى السلطات المعنية، فعلياً، لا إلى منعهم بالكامل، بل إلى غربلتهم وتمكين أعداد منهم من الدخول، فيما يتجاوز التشريعات وبما يفي عملياً الحاجة المحلية، على أن يجري التشديد في التطبيق عند انتفاء الفائدة من غضّ النظر هذا.

لم يأتِ التوظيف التعبوي لمسألة الهجرة من جانب الرئيس السابق نتيجة استفحال القضية موضوعياً وحسب، إذ هي كانت قد شهدت في المراحل الماضية مداً وجزراً، بقدر ما كان إمعاناً في إثارة القضايا الخلافية ضمن إطار حروب الثقافة التي عادت معه إلى الاشتعال.

ليس أن الشق المحافظ في الولايات المتحدة لا يعبأ بشأن حقوق الإنسان والرعاية اللائقة للأطفال، غير أن القناعة في الأوساط المحافظة هي أن الإفراط في إعلان الحرص على هذه الحقوق يشكل عامل جذب للمهاجرين، وعليه فإن بعض التشدد الذي أبدته الإدارة السابقة، وصولاً إلى فصل الأطفال عن أسرهم، على قباحته، من شأنه درء المزيد من الاستقطاب، وبالتالي قد يسير في اتجاه تحقيق الصالح العام، بما في ذلك لأطفال آخرين.

على أن عنهجية الرئيس السابق، دفعت باتجاه تخصيصه بالإجراءات المتشددة، رغم أن مثيلاتها كانت قد جرت في عهد سلفه باراك أوباما. المسألة هنا ليست مجرد استفاضة مجانية بالطعن بدونالد ترامب، بل محاولة للمحافظة على الإبهام في المواقف والخطوات، والذي قد يعتبره البعض خارج الولايات المتحدة نفاقاً، فيما هو داخلها وسيلة لعدم الإنجرار إلى تطبيع الظلم والقباحة، سعياً للارتقاء المعنوي المتدرج قدر الإمكان.

القليل تغيّر على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة في ظل رئاسة جو بايدن. البوابات مكتظّة بطالبي اللجوء، والعبور خارج هذه البوابات مستفحل، والأولاد القاصرون مرميون دون أوليائهم، وسبل الإحاطة بالموضوع وضبطه لا تزال صعبة، بل تقارب المعدوم. ما تغيّر هو أن نبرة الرئيس لا تستخف بإنسانية الوافدين، وتعاطي الإعلام مع الرئيس وسياسته بالتالي ليس صدامياً.

قد لا يكون مستغرباً ألا تكون السلطات التشريعية في الولايات المتحدة قد نجحت بإيجاد حل لما يبدو على أنه فوضى ظالمة في شأن الهجرة الوافدة إلى البلاد. المعضلة هي أن الحالة القائمة، والمتمثلة بأزمة وضيق ومأزق لأعداد كبيرة من الوافدين، الكثير منهم جاء الولايات المتحدة في طفولته، ولم يعرف وطناً غيرها، لا تزال تشكل معادلة "منتجة" تسمح بحجم هجرة تبقى الولايات المتحدة قادرة على التعايش معها على الغالب، فيما البديل الفعلي طويل الأمد غير متوفّر.

هل الحل هو بطرد جميع الوافدين خارج الأطر الرسمية؟ مع الاستحالة العملية لهذا الحلّ، والذي أراده المتشددون من أنصار الرئيس السابق، وبغضّ النظر عن الرفض المبدئي له في أوساط واسعة، فإنه من شأنه أن يتسبب بفراغ في قطاعات عديدة لا يمكن لدوائر الهجرة العمل على ملئه، أي لا بد من استثناءات، ما يجعله حتى في أحسن الأحوال إجراءً استنسابياً جزئياً يشتكي منه أصحاب القطاعات الاقتصادية المتضررة، فبل المهاجرين أنفسهم.

هل الحل هو بإيجاد السبيل لتنظيم التواجد الحالي للمهاجرين غير المرخّص لهم، مع تشديد الرقابة على الحدود لمنع غيرهم من الدخول؟ قد تنجح المقاربة إلى حين إيجاد السبيل لدخول غير مرخّص جديد، مدفوعاً بزخم تسوية مشابهة في مرحلة لاحقة.

الولايات المتحدة ليست وحدها في مواجهة هذه المعضلة. حيث التفاوت في القدرة على العيش الكريم، تجد الهجرة غير المرخّص لها المنفذ للدخول. في أميركا، في أوروبا، بالتأكيد، ولكن حتى بين الدول الأقل حظاً. وفي جميع الحالات تنشأ منظومة اجتماعية "مقامية"، عند رأس الهرم فيها المواطنون "الأصليون" (وإن كانت "أصالتهم" قد تطلبت إزالة من سبقهم)، ثم المواطنون المجنّسون (والذين يطالهم قدر من التمييز المعنوي رغم أن القانون يلحظ مساواتهم)، ثم المقيمون المرخّص لهم، وعند أدنى القاعدة، المقيمون غير المرخصّ لهم.

إجراءات الهجرة بحاجة دائمة إلى التحديث، والسعي إلى إيجاد الحلول الفرعية محمودٌ من باب ما لا يدرك جلّه لا يترك كله. ولكن الحقيقة التي لا بد من مواجهتها، هي أن الهجرة تكشف أن المقامات، وما يلحقها من امتيازات، هي أمر واقع داخل الدول التي تريد أن تكون المساواة أساساً لها، كما هي الأمر الواقع بين الدول في كافة أنحاء العالم. فقبل الكلام عن حل دائم لمسألة الهجرة، قد يكون السبيل الابتداء بالإقرار بأن هذه المقامات هي أمر واقع يتطلب إعادة نظر منهجية بالمسلمات التي بني عليها التوافق بشأن حقوق الإنسان.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.