خط عربي - سوريا
"الأصل أن اللغة أسلوب تواصل لا يترجم قيم الشخص ولا مبادئه"

حدث الأمر منذ أقل من أسبوعين في المغرب. خلال درس قدمه أستاذ (أو أستاذة) بإحدى مدارس البعثات الفرنسية، كان التمرين يتحدث عن القردة، وكان السؤال هو: "من هي القردة العليا؟ اربط كل صورة باسمها على الرسم التالي". المشكلة أن الصورة المقترحة كانت تشمل عددا من القردة (الشامبانزي، الغوريلا، إلخ) إضافة إلى امرأة إفريقية سوداء البشرة.

بعد أن انتشر التمرين على الإنترنت واشتدت الاحتجاجات، أصدرت الإدارة بلاغا اعتذرت فيه عن خطأ الأستاذ واعتبرت الأمر عنصرية أكيدة ووعدت بالتحقيق وبأن يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة في حق الأستاذ\ة.

الآن، لنفكر في هذا الأستاذ أو الأستاذة، الذي يعيش في القرن الواحد والعشرين، والذي يقيم في بلد إفريقي (الكثيرون، بمن فيهم المغاربة أنفسهم، ينسون أحيانا هذا الانتماء الإفريقي للمغرب) والذي يعتبر بأن لا فرق بين القردة العليا، وبين الأفارقة ونساء الأفارقة... تمرين وتصور يترجمان في نفس الوقت العنصرية والميزوجينية. 

لكن هذا الأمر يستوقفنا على مستوى آخر: في المغرب، يربط الكثيرون بين الفرنسية والحداثة، وبين العربية والتطرف.

أن تكون متحدثا باللغة العربية، فهذا يعني أنك إخونجي إسلامي متطرف لا تؤمن بالحريات الفردية وبحقوق الإنسان. وأن تكون فرنكفونيا، فهذا يعني أنك تعتنق قيم الحداثة والحريات وحقوق الإنسان. 

بينما الأصل أن اللغة أسلوب تواصل لا يترجم قيم الشخص ولا مبادئه، والدليل أمامنا في التمرين المذكور أعلاه.

أن تكون متمكنا من اللغات الأجنبية (الفرنسية، الإنجليزية وغيرها)، فهذا يوفر لك فرصة الانفتاح على ثقافات أخرى، وبالتالي إمكانيات التفكير والتدرب على الاختلاف والتعرف على ثقافات مختلفة. لكن كل هذا لا يوفر لك أي مناعة ضد الأفكار الرجعية؛ وتقبلك لهذا التنوع رهين بقيمك الشخصية واستعدادك الذاتي لمسايرة الانفتاح هذا.

في نفس الوقت، فإن تطرف عدد من الناطقين بالعربية لا يعود لقصور في اللغة نفسها، بقدر ما يعود لثقافة سائدة وتلقين يمرر الخطابات غير المنفتحة، لكن هذا لا يعني أن كل من لا يتكلم ولا يكتب إلا بالعربية، هو بالضرورة شخص متطرف متعصب. والدليل عدد المتطرفين في دول أوروبية، ممن لا يتحدثون إلا الألمانية أو الفرنسية أو الدانماركية أو الإنكليزية ولم يتعلموا العربية (اللهم ربما لهجاتهم المحلية وبشكل ركيك أحيانا).

عيشهم في مجتمع متفتح وتحدثهم لغة البلد وتعلمهم في مدارسه لم يمنحهم الانفتاح الذي نربطه باللغات الأجنبية؛ ولا منحه إياهم جهلهم بالعربية.

نحن هنا أمام أستاذ فرنسي، ينتمي لمنظومة تعليمية منفتحة، ولبلد اعتبرت ثوراته الثقافية والسياسية من أهم الثورات عبر التاريخ، بلد الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن هذا الأستاذ، رغم كل ما تَوَفر له من إمكانيات الانفتاح، مازال يؤمن بالعرق وبالتمييز ضد النساء وسود البشرة ويزرع قيمه المتخلفة لدى أطفال فرنسيين ومغاربة اختار آباؤهم مدارس البعثات الفرنسية (بأسعارها المرتفعة) ليوفروا لهم تعليما أفضل مما يوفره التعليم المغربي، ويفتح لهم آفاقا أفضل لدراساتهم العليا؛ لكن أيضا ليتلقوا تعليما منفتحا على قيم الآخر واختلافه وتنوعه، وهاهم يجدون أنفسهم أمام مدرس عنصري ميزوجيني لم تنفعه فرنسيته (لغة وثقافة) في مواجهة قيمه المتخلفة.

من المؤسف فعلا أن نختزل العربية الفصحى بالتطرف، وهذا الاختزال لا ينم صراحة إلا عن جهل باللغة. فهذه اللغة التي أنتجت ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب وحسن البنا، أنتجت أيضا عبد الله العروي ومحمود درويش ومي زيادة وسيد القمني ونوال السعداوي وفرج فوذة وعلي الوردي وعلي شريعتي وعلوية صبح وجورج طرابيشي ونجيب محفوظ وعلاء الدين المعري ورضوى عاشور وغيرهم كثير. 

الذي يعتبر اللغة العربية لغة تخلف وتطرف، لا يختلف في النهاية عمن يعتبر تعلم اللغات الأجنبية والحديث بها انسلاخا عن الهوية والدين. الاثنان يُحَمِّلان اللغات تطرفا لا تحتمله.  

فمتى سنقتنع بأن اللغة لا تترجم بالضرورة قيم وسلوك الشخص؟ بأنك تستطيع أن تتحدث لغات الحداثة وأنت متخلف؟ وبأن اللغة وسيلة تواصل، بينما التطرف أو الانفتاح منظومتا قيم؟ 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.