نأمل أن تتخلى السلطة المركزية والنخب السياسية في الخرطوم هذه المرة عن الرفض والعناد والمراوغة
نأمل أن تتخلى السلطة المركزية والنخب السياسية في الخرطوم هذه المرة عن الرفض والعناد والمراوغة

لو احتكم السودانيون إلى المنطق والتجربة وحدهما لاستخلصوا بسهولة أنهم لم يكونوا بحاجة إلى فصيل مسلح، كي يضغط من أجل فصل الدين عن الدولة، فالأربعة عقود الماضية من تاريخ السودان الحديث (من عهد نميري إلى عهد البشير) كفيلة بأن توصل الجميع إلى هذا الاستنتاج.

لكن لإن الإنسان لا يسير دائما وفق المنطق ولا يتعظ من التجارب، لذلك فهو عرضة للوقوع في نفس الأخطاء مرة تلو أخرى، وحينها لا بد أن يتعرض إلى صدمة تجبره على تغيير مساره.

وأعتقد أن هذه الصدمة قد جاءت إلى السودان مع توقيع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان فرع الشمال عبد العزيز آدم الحلو على إعلان مبادئ يتم بمقتضاه فصل الدين عن الدولة. وهو بند من جملة بنود تفتح الباب أمام بناء سودان جديد يحترم التنوع في التركيبة الدينية والعرقية وتتعامل الدولة فيه على أساس المواطنة والمساواة.

هل يجد إعلان المبادئ هذا طريقه إلى التطبيق وينعكس في الدستور والقوانين؟ هذا أمر ليس مؤكدا بعد، لكن ما هو مؤكد هو أن وحدة السودان وسلامه متوقفان على هذا الأمر. فالبديل هو استمرار الحروب والنزاعات وانفصال المزيد من الولايات عن السودان القديم.

لو استمع السودانيون إلى ما كان يقوله الزعيم الراحل جون قرنق (الذي أكن له شخصيا كل تقدير ومحبة واحترام) لما انفصل الجنوب عن الشمال. وكان كلامه هو شمس الحقيقة التي حجبتها غيوم الإسلاميين والعروبيين، وهي أن السودان ليس دولة عربية، أو إسلامية، أو أفريقية، أو مسيحية، وإنما هو دولة يوجد فيها مسلمون ومسيحيون ويهود وأرواحيون (الكجور) وأتباع أديان محلية مختلفة وغيرهم، كما يوجد فيها عرب وأفارقة وأجناس أخرى ولذلك لا يمكن أن يحكم بهوية واحدة من تلك الهويات. للأسف لم يستمع أحد لجون قرنق وحصل ما حصل.

اليوم يقول أحد رفاقه وهو عبد العزيز الحلو، الشيء نفسه، وهو يطالب منذ زمن بإقرار العلمانية وفصل الدين عن الدولة لحل مشاكل السودان جذريا، ويحذر في الوقت ذاته من أن البديل عن ذلك هو انفصال ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وربما ولايات أخرى أيضا. فهل يجري الاستماع إليه؟

نأمل ذلك، ونأمل أن تتخلى السلطة المركزية والنخب السياسية في الخرطوم هذه المرة عن الرفض والعناد والمراوغة.

فالسودان الذي نال استقلاله من الاستعمارين البريطاني والمصري عام 1956، كانت لديه الفرصة لبناء دولة مدنية وعلمانية حديثة، تعترف بجميع مكوناته وشعوبه وأقاليمه المتنوعة. لكن هذا السودان فشل في ذلك بامتياز، بسبب الإصرار على فرض العروبة والإسلام وتهميش المكونات الأخرى.

لهذا لم يهدأ هذا السودان منذ ذلك الوقت، وكان عليه أن يخوض في بحر الانقلابات العسكرية المتتالية والنزاعات المسلحة والمجازر والدمار الواسع.

هذا السودان القديم، الآخذ في التآكل والتفسخ، هناك من يريد الإبقاء عليه على قيد الحياة، على الرغم من كل المآسي التي تسبب بها، وعلى الرغم من التجارب المريرة والنتائج الكارثية.

لماذا وما هي المبررات؟

إن الذين لا يرون العلاقة بين أن يكون للدولة هوية دينية وبين إقامة الحكم الديني، وهو في حالتنا الإسلام السياسي لا يفعلون سوى مغالطة أنفسهم.

فحين يكون دين الدولة هو الإسلام والشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، من الطبيعي أن تطالب جماعات الإسلام السياسي بإقامة الحكم الديني، انطلاقا من تفسيرها المصلحي والملتوي للدين.

أما حين تزال تلك الهوية، وتصبح الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان وتحترم الحرية الدينية وتضمنها للجميع، لا يعود بإمكان أحد أن يشهر على الناس هذا السلاح أو يستخدمه كوسيلة للوصول إلى السلطة.
أما القول بأن معظم سكان السودان هم من المسلمين وبالتالي يجب أن يكون دين الدولة هو الإسلام، فهذه حجة باطلة لسبيين، الأول أن جميع الدول العلمانية توجد بها أغلبية دينية أيضا، فأغلب السكان الهنود هم من الهندوس وكذلك يشكل المسيحيون أكبر المجموعات السكانية في الدول الغربية، كما يشكل المسلمون الأغلبية في تركيا، وهكذا، مع ذلك فإن هذه الأغلبية لم تكن مبررا لأن يكون للدولة هوية دينية.

أما السبب الثاني، فهو أن الدولة بحكم طبيعتها وتكوينها لا يمكن أن يكون لها دين، كما أن فصل الدين عن الدولة لا يحرم المسلمين أو غيرهم من ممارسة دينهم أو أداء شعائرهم. على العكس من ذلك، فإن الدولة تضمن هذه الحرية بقوة القانون وتمنع الاضطهاد الديني لأي سبب كان.

وباختصار نقول إن السودان إزاء ولادة تكوينية جديدة ولديه فرصة للخروج من جحيم الأزمات التي سببتها الولادة الأولى المبتسرة، وهي أن يرتقي بأبنائه فوق العنصرية والإكراه الديني ويحتضن بشكل أصيل جميع مكوناته العرقية والدينية والثقافية من سكان النوبة في الشمال إلى جنوب كردفان إلى أهل الشرق والغرب.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.