علينا أن نقف لبرهة لنتأمل كيف تعبر كلمة "إسلام" عن عدة مفاهيم وليس مفهوماً واحداً كما يظن البعض
علينا أن نقف لبرهة لنتأمل كيف تعبر كلمة "إسلام" عن عدة مفاهيم وليس مفهوماً واحداً كما يظن البعض

يستخدم الكثيرون كلمة إسلام أو "الإسلام" بصورة عامة وفي الحقيقة فإن هذه الكلمة لها عدة مفاهيم وليس مفهوم واحد كما يتصور الكثيرون. فأغلب الناس يظنون أن الإسلام هو فقط الديانة ذات الأركان المعروفة والتي أنزلت على الرسول عليه السلام منذ حوالي ألف وخمسمائة عام. ولو كان الأمر هكذا لما ذكر القرآن أن إبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء كانوا "مسلمين" وهم لا يعرفون كلمة واحدة باللغة العربية ولم يكونوا يعرفون الرسول محمد عليه السلام ولا يعرفون آية واحدة من القرآن الكريم فهو لم يكن موجوداً في وقتهم.

وتعالوا الآن لنرى سوياً كيف أن هناك أكثر من مدلول لهذه الكلمة قد لا يعرفها البعض أو ربما الكثيرون.

المفهوم الأول لكلمة إسلام هو "الديانة الإسلامية" التي تتبع القرآن ومعروفة بأركانها الخمس مثل الشهادة والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج لمن استطاع إليه سبيلا. وهذا المفهوم بني على حديث يتكلم عن أركان الإسلام. والشيء الجميل هنا أن أركان الشيء ليست هي الشيء نفسه فأركان المنزل على سبيل المثال ليست هي المنزل نفسه، بل أن المنزل يبنى عليها.

المفهوم الثاني لكلمة إسلام هو "المفهوم اللغوي". فكلمة إسلام قد تعني "الإذعان" لله مثل "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون" وقد تعني تفعيل السلام في الأرض فكما جاء في القاموس المحيط فإن من تصريفات كلمة "سلم" في اللغة "المسالم" والسلام" والإسلام" (والأخيرة تعني تفعيل السلام مثل صلح يصلح إصلاحاً وسلم يسلم إسلاماً). ونتذكر هنا ما قاله فرعون وقت غرقه "وأنا من المسلمين". فبالقطع لم يكن يعني أنه يؤمن بمحمد أو إنه يتبع القرآن أو يؤدي أركان الديانة الإسلامية كما يفهمها البعض. والمعنى الأقرب هنا أن كلمة إسلام في العديد من الآيات إن لم يكن أغلبها تتحدث عن "تفعيل السلام" وليس إسلام الأركان المذكور أعلاه. ونفس الشيء ينطبق على إبراهيم عليه السلام في قوله "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم" وسيدنا موسى في قوله "وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين"، وأخيراً وليس آخراً قول سحرة فرعون "وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين".

والإسلام في معناه اللغوي "تفعيل السلام" يتضح جلياً في رد الله على فرعون حينما قال "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" فكان الرد الإلهي عليه "الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين". أي أن الإسلام في هذا السياق هي عكس الإفساد في الأرض وعكس العدوان على الآخرين واستضعافهم كما كان يفعل فرعون مع بني إسرائيل وذلك المعنى يتفق مع المفهوم اللغوي والقرآني بأن الإسلام الحقيقي هو "تفعيل السلام في الأرض وعدم الاعتداء على الآخرين" وليس ببساطة أو فقط أداء الأركان الخمس كما يظن الكثيرون. وهذا المفهوم أوجزه الحديث الشريف "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده".

المفهوم الثالث لكلمة إسلام هو المفهوم الجاهلي العصبي المتعارض مع الإسلام أو كما أطلقت عليه "المفهوم اللاإسلامي!". ومن أمثلة هذا النوع من الإسلام هو ما نراه من قتل زوج لزوجته إن رآها تخونه ودعم المجتمع لذلك ظناً منهم أن ما فعله دفاعاً عن الشرف باسم "الإسلام" وأن مثل هذه الزوجة تستحق القتل. والعجيب في هذا الأمر أن القرآن تعرض لهذا الاحتمال بوضوح في سورة النور وكان موقف القرآن واضحاً للغاية بأن أقصى شيء يمكن للزوج أن يفعله في هذه الحالة أن يشتكي إلى القاضي في قضية تسمى "الملاعنة" وأن شهادة الزوجة بأنها لم تفعل هذا - أي لم تزني - تعطها حكم براءة! وهنا يتجلى الصراع بين إسلام العصبية الجاهلية وإسلام القرآن. فإسلام العصبية الجاهلية يعطي الرجل الحق أن يكون هو القاضي الأوحد وهو الجلاد الذي ينفذ الحكم أيضاً أما إسلام القرآن فهو مختلف تماما، بل ومتناقض مع موقف الزوج ولا يعطيه الحق إن شاهد زوجته في علاقة حميمة مع رجل آخر إلا أن يشتكيها إلى القضاء وتستطيع أن تبريء نفسها ببضع كلمات فقط كما جاء في الآية الكريمة "ويدرا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين" (سورة النور).

 أما الإسلام الرابع في هذا السياق فهو "الإسلام الراديكالي" أو المتطرف وهو نوع الإسلام الحرفي الذي لا ينظر إلى باقي الآيات فيقتطع منها ما شاء لخدمة أغراضه وهو نفس المفهوم الذي يلغي العمل بآيات السلام بحجة أنها منسوخة ليجعل صورة الدين هي الحرب والعنف وسفك الدماء.

وهنا علينا أن نقف لبرهة لنتأمل كيف تعبر كلمة "إسلام" عن عدة مفاهيم وليس مفهوماً واحداً كما يظن البعض!

وللحديث بقية!

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.