تكاد الحياة السياسية في المغرب تكون مطبوعة بالرتابة وبتكرار المشاهد البائسة ذاتها. سنة بعد أخرى تتقلص نسبة متابعي وقائع المجال السياسي. وبات عاديا أن تتلقى أجوبة من المواطنين، والشباب منهم أساسا، كلها تجمع على نظرة احتقار للسياسة ولأهلها. صار البرلماني بمثابة محتال ومعتدٍ على المال العام، ما دام يأخذ راتبا ضخما مقابل النوم تحت قبة المجلس، همُّه مراكمة الامتيازات والتعويضات، والتسابق على "خطف الحلوى الملكية في افتتاح دورات البرلمان". لقد أضحت صور نواب وهم يغطون في النوم متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى استحق البرلمان تسمية "مجلس النوام".
كرنفال سياسي
اعتاد الجمهور، كلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية أو البلدية، أن يفاجأ بخروج كائنات انتخابية لا تظهر إلا في المواسم، وبعدها تدخل في بيات شتوي طويل بمدة الولاية الانتخابية.
وبحلول الموسم الانتخابي تنطلق فرجة من نوع خاص، في مهرجان كرنفالي، هو سوق سوداء يباع ويشترى فيها كل شيء، والمزادات بها شبه علنية، بدءا من بيع التزكيات للحصول على بطاقة الترشح باسم هذا الحزب أو ذاك، حتى لو لم يكن الشاري عضوا حزبيا. فالقدرة على التفاوض مع البائع، وغالبا ما يكون الأمين العام للحزب وأفراد من قيادته، والمبلغ المالي الذي يزايد به هو الأمر الفصل للظفر بالترشح باسم الحزب للنزول تحت شعاراته ورمزه من أجل التنافس على المقعد البرلماني. وأغلب زبائن هذه السوق هم من الوجهاء ومن ذوي النفوذ، أو من أغنياء الساعة الأخيرة. ويحدث أن يكون بعضهم من تجار ومروجي المخدرات، أو من سيئي السمعة. وحسب المعطيات المسربة قد يتجاوز سعر التزكية المليار سنتيم. ثم تكتمل الفرجة بشراء أصوات الناخبين.
ولوج هذا الكرنفال والتلاعب بالتزكيات الانتخابية كان مقتصرا على الأحزاب المسماة بالإدارية والمخزنية، لكننا نجد اليوم أن العدوى عمّت، فلا أحد أحسن من الآخر، وتورطت كل الأحزاب بما فيها تلك التي تفتخر بتاريخها الوطني والنضالي العريق. ومؤخرا خرج قيادي بارز في حزب الاتحاد الاشتراكي ليقدم استقالته على الهواء، في ندوة رقمية مباشرة على الإنترنت اتهم حسن نجمي عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، الكاتبَ الأول للحزب إدريس لشكر بالمتاجرة في التزكيات. و"استقطاب" أشخاص لا صلة لهم بالاشتراكية وبالنضال، غايتهم فقط دخول المجلس لنيل الوجاهة الاجتماعية الرمزية، والاحتماء خلف الحصانة البرلمانية، أو للوصول إلى نبع نهب المال العام. وهذا من أسباب تمييع وإفساد الحياة السياسية والحزبية في المغرب، وهو واقع حاصل ومكرس ومستمر منذ عقود، نجومه هم أصحاب "الشكّارة" أي الحقيبة المالية. وبما أن مثل هذه الصفقات المشبوهة تعقد داخل الغرف المظلمة فإن "دليل الجريمة" يكون غائبا.
إفساد الحياة السياسية وإفقادها للمصداقية والنزاهة، يتجلى أيضا في "الترحال السياسي" من حزب لآخر، في عملية أشبه ما تكون بما يجري في كرة القدم وانتقالات اللاعبين في "الميركاتو" الشتوي والصيفي. ويكون الانتقال السياسي بسبب تعذر نيل التزكية. ولا عيب في أن يترشح المعني اليوم باسم حزب يميني بعدما قضى الولاية المنتهية في حزب يساري، أو العكس. فقد تشابهت الأحزاب وتناصت شعاراتها، صارت تشكل كورالا واحدا متعدد الألوان يردد لازمة واحدة في جوق أوركسترالي كبير يقوده مايسترو شبح بعصا رفيعة من الخزيران لا تظهر بوضوح للعيان، كخيوط الدمى المتحركة.
استقالة معلنة
في بحر الأسبوع الفائت، لفت الأنظار والأوساط السياسية والإعلامية في المغرب، موقف نائب برلماني بقراره المثير، والذي فسره البعض ب"تصرف وسلوك غير عاقل" بل وصم صاحبه بالخيانة. كيف يترك البرلمان نائب ناجح وعودته تكاد تكون مضمونة بنسبة مئوية كبيرة؟! إذ أعلن النائب عمر بلافريج (48 سنة)، ثاني اثنين يمثلان الحزب الاشتراكي الموحد (معارض) في مجلس النواب، انسحابه من الحياة السياسية، وأنه لن يترشح للانتخابات المقبلة. وجاء تصريحه باقتضاب واضح: "غادرتُ الحياة السياسية وهذا موقفي، لا يمكنني تقديم المزيد من التصريحات حتى لا أشوش على رفاقي وإخواني في فيدرالية اليسار، وحتى يعملوا في مناخ سلس".
يحصل هذا بعد ولاية برلمانية استطاع فيها عمر بلافريج أن يصبح نجما إيجابيا وحيدا، تمكن من أن يعيد جزءا مهما من المواطنين للاهتمام بما يجري باسمهم تحت صرح البرلمان. ومن أول أسبوع له في البرلمان قام عمر بلافريج بتفعيل ما يؤمن به من مبادئ يرفعها حزبه، مثل "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، و"الديمقراطية التشاركية"، من خلال إطلاقه لبرنامج "بودكاست" يبث عبر "اليوتيوب"، في مبادرة غير مسبوقة حظيت بترحيب وتجاوب واسعين، حيث يطل على الجمهور بمختلف أطيافه وحساسياته السياسية ليتواصل معهم أسبوعيا. هكذا يعرض أمامهم عمله في لجان وجلسات البرلمان، ويرد على أسئلتهم التي يتلقاها بالبريد الإلكتروني أو عبر صفحته في الفيس بوك.
اشتهر بلافريج بمواقف "مثيرة للجدل"، سواء في البرلمان أو في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، وتميزت تدخلاته بالجرأة والشجاعة. فهو كان سباقا في الدعوة لإلغاء تقاعد البرلمانيين، واعترض على ميزانية القصر الملكي وميزانية الدفاع. كما طالب بإدراج التربية الجنسية في المدارس، وبعدم تجريم المثلية الجنسية والإجهاض والخيانة الزوجية وممارسة الجنس خارج إطار الزواج، والإفطار العلني في رمضان، وتشديد العقوبات ضد مغتصبي الأطفال، وعدم تجريم كل ما يندرج تحت "الحريات الفردية". وهو ما أدى إلى تعرضه لهجوم شرس من الإسلاميين ومن رموز السلفيين المتطرفين في المغرب، الذين أشهروا في وجهه تهمة "محاولة هدم الدين"، والردة دونها القتل وهدر الدم. بل إن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني (حزب العدالة والتنمية الإسلامي) وقف على رأس منتقدي نائب الحزب الاشتراكي الموحد. كما قام عمر بلافريج بفضح الأحزاب المتورطة في إعداد ومحاولة تمرير قانون الشبكات الاجتماعية، المشهور ب"قانون التكميم"، ونشر بصفحته على الفيس بوك: "كفى من التضليل". وسمى الأحزاب صاحبة القانون (22.20)، "العدالة والتنمية، الاتحاد الاشتراكي، التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية". وهي الأحزاب الخمسة المشكلة للتحالف الحكومي. داعيا إلى إسقاط مشروع القانون القمعي. كما لم يتردد بلافريج في الدعوة لبحث مصير المشاريع الكبرى التي يدشنها الملك. وطالب الدولة المغربية بالكشف عن حقيقة اغتيال المعارض اليساري البارز المهدي بن بركة (اختطف من وسط باريس سنة 1965).
خسارة لليسار
شكل قرار عمر بلافريج الانسحاب من الحياة السياسية، صدمة لعدد كبير من متتبعيه ومؤيديه. امتلأت صفحات الفيس بوك بالتساؤلات حول الموقف المفاجئ. وتوزعت التعليقات ما بين من يطالبونه بالتراجع عن القرار، وبين من يؤيده لأن "السياسة في بلادنا فاسدة لا تصلح لأمثاله". وبين من يرى أنه لم يفعل سوى تأثيث البرلمان ومنحه بعضا من مصداقية مفتقدة.
آخرون سارعوا إلى ربط الخلاف بين بلافريج والأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد الأستاذة نبيلة منيب، الذي أرغم عمر بلافريج في وقت سابق على الاستقالة من قيادة الحزب. خصوصا وأن منيب كان جوابها حول عزمه الانسحاب "أنه قرار يخصه، وأحترمه كثيرا". دون أن يفوتها التنويه بالأداء البرلماني لعمر بلافريج. وبكون "الحزب بحاجة إلى أشخاص يعملون، "وعمر بلافريج قام بعمل رائع في البرلمان".
من جانبه علق كمال السعيدي القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد على انسحاب بلافريج: بكونه "خسارة كبيرة للحزب ولفيدرالية اليسار الديمقراطي. مما لا شك فيه أن الرفيق عمر وككل ممارس للسياسة قد يكون أصاب وأخطأ، ولكنه نجح عموما في تقديم صورة طيبة عن العمل المؤسساتي، وعن أداء فيدرالية اليسار من زاوية المعارضة العقلانية والبناءة، وأبدع في التواصل مع المواطنين والناخبين، وبشكل خاص مع الشباب من خلال خطاب سمته الصدق والوضوح". وتابع السعيدي: "ما هو مؤكد أن الرفيق عمر كان واحدا ممن ساهموا في تعزيز هذا الاحترام وفي إعلاء شأن الحزب وسمعته (...) لذلك فإن قراره هذا، وبغض النظر عن حيثياته ومبرراته، هو خسارة للحزب وللوحدة اليسارية المأمولة".
وكان بلافريج قد أعلن "موت مشروع فيدرالية اليسار الديمقراطي"، التي تتشكل من أحزاب "الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"، وحزب "المؤتمر الوطني الاتحادي"، و"الحزب الاشتراكي الموحد"، بعد فشل مشروع اندماجها في إطار حزب يساري كبير.
أما المحلل السياسي الهاشمي فجري فعلق أن انسحاب عمر بلافريج "مناسبة تستدعي الحديث عن بعض التجارب السابقة، وأن هناك ضرورة لإعادة بناء وتأسيس السياسة على المبادئ الأخلاقية بعد أن تلوثث بالثقافة الريعية".
العمل البرلماني ليس حرفة!
يصف عمر بلافريج نفسه بكونه "يساري معتدل". وبأنه "يرفض أي منطق سياسي تشاؤمي بخصوص مآلات الوضع السياسي والاقتصادي في المغرب"، مشيرا إلى أنه متفائل بإمكانية تغيير هذا الوضع من داخل المؤسسات. ولا يقبل أن يدخل المغرب حربا أهلية تسيل فيها الدماء، مشددا على أن "الملكية البرلمانية هي المدخل الأساسي لأي إصلاح ديمقراطي". وأن السبيل إلى ذلك ينطوي في حاجة المغرب إلى انفراج سياسي واقتصادي لتفادي أي أفق مظلم، مشددا على استلهام تجارب الدول الاسكندنافية التي حققت تقدما مهما بفضل تبني الملكية البرلمانية. وبرأيه "أن الأحزاب الإدارية والحكومية التقليدية عقبة أمام الإصلاح السياسي في المغرب، لذلك فنحن "بحاجة إلى حزب يساري كبير بجيل جديد تقوده وجوه جديدة".
في زمن التشبث بالمناصب والالتصاق بالكراسي ينسحب عمر بلافريج من الحياة السياسية، ويقرر الاعتزال "وفق قناعة شخصية تروم خدمة البلاد من منطلق آخر وليس من السياسة دائما"، كما صرح.
وإذا كان خصومه من الأطراف السياسية، وبالأخص منهم الإسلاميون، الذين عبروا عن الارتياح لانسحابه، فإنه هذا شكل بالنسبة إلى أعداد من المتفائلين خيبة أمل قصوى. وقد علق شاب: "للأسف المشهد السياسي سوف يفقد نقطة الضوء الوحيدة. كنت أنوي لأول مرة في حياتي أن أذهب للتصويت، لما شاهدت جرأة بلافريج وطريقة عمله المتميزة، فبلافريج مثال ونموذج إيحابي لممارس السياسة. استطاع أن ينسينا بأدائه مساوئ الآخرين من محترفي العمل السياسي. ولكن للأسف سنبقى ونظل مع نفس الوجوه ونفس المسرحيات وأبطالها من رموز الفساد والجشعين...".
اختار عمر بلافريج موقع يوتيوب ليوضح بعض الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره، هي أن الترشح للبرلمان ليس حرفة وإنما مهمة لتمثيل المواطنين. ورد على من اتهمه بخيانة مشروع فيدرالية اليسار، أنه التزم مع المواطنين لتمثيلهم لمدة معينة، وليس طول الحياة".
***
قد لا نجد مقارنة أنسب لانسحاب عمر بلافريج، الذي يعد سليل عائلة سياسية عريقة في المغرب، سوى مقارنتها باستقالة الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي واعتزاله السياسة عام 2003، لاتصال الاستقالتين معا بالبعد الأخلاقي في مفهومه السياسي. واليوسفي هو من خلف الزعيم عبد الرحيم بوعبيد في قيادة الاتحاد الاشتراكي، لذلك يحب بلافريج استعادة كلمات بوعبيد: "أنا أنتمي إلى مدرسة عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان يقول إن السياسة أخلاق. اليوم أرغب في سلوك مسار آخر، بعيدا عن السياسة، لكن سأكون فيه مفيدا لوطني بطريقة أخرى".

