العراقيون عادوا  للتظاهر في ساحة التحرير بمناسبة ذكرى ثورة تشرين
العراقيون عادوا للتظاهر في ساحة التحرير بمناسبة ذكرى ثورة تشرين

يوم الأربعاء الفائت 8 نيسان (أبريل)، عبَرت جسر الجمهورية باتجاه ساحة التحرير، إلى جانبي أحد الاصدقاء الذي يزور بغداد لأول مرة، استفاض صديقنا العراقي بشرح الأحداث التي جرت في محيط هذه المنطقة وأهميتها في تاريخ العراق الحديث، كيف عبرت الدبابات الأميركية الجسر، أين توقفت لساعات في منتصفه قبل أن تكمل طريقها إلى قلب العاصمة دون مقاومة تذكر، و تلاقت مع القوات القادمة من جنوب العاصمة في نقطة الفردوس صباح 9 نيسان الذي أصبح رسميا تاريخ سقوط نظام صدام، ثم أشار إلى نهاية الجسر حيث البناء المهجور المعروف بالمطعم التركي، المكان الذي أعلَن منه شباب تشرين، في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2019 بداية سقوط "نظام السقوط".

المصادفة أن سقوط "نظام ما بعد السقوط" أو السقوط الثاني لنظام ما بعد صدام، قد أكمل فصله الأول في تاريخ السقوط الأول، فبعد 7 أشهر على الانتفاضة ضد نظام 2003، و17 سنة من تأسيسه، وفي التاريخ نفسه، اضطرت الطبقة السياسية تحت ضغط المتظاهرين تكليف مصطفى الكاظمي القادم من خارج المنظومة السياسية تشكيل الحكومة العراقية في 9 نيسان 2020.  

فتح تكليف الكاظمي الجدل واسعا داخل الجهات السياسية وبين النخب الوطنية والقوى الشبابية حول إمكانية التغيير، خصوصا أن الأخيرة تعتبر نفسها شريكة أساسية في تكليفه، فيما الأولى تعتبره المسمار الأول في نعشها، لذلك لم تزل تتصرف بحذر مع هذا الحدث الذي يؤرقها نجاحه ويرهبها سقوطه.

فواقع الأمر أن الطبقة السياسية العراقية وخصوصا الشيعية إذا أصرّت بعض أطرافها وتحديدا المسلحة على الإطاحة بالكاظمي، ليس باستطاعتها تحمل كلفة تداعيات السقوط الثالث، لذلك هي أمام خيارين أحلاهما مرّ (إما الكاظمي وإما الفوضى)، هذه المعادلة الصعبة تفرض عليها التعايش مع هذا الواقع الجديد الذي قد يستمر أكثر مما تتوقع، خصوصا إذا كان موعد الانتخابات التشريعية غير ثابت.

فيما الكاظمي يستغل الوقت، ويمضي ولو ببطء شديد وضمن حسابات معقدة تتعمد عدم إثارة قلق خصومه في ترميم ما تبقى من الدولة، واستعادة الثقة الخارجية بالعراق، وهو ما حدث في الأسابيع الأخيرة والتي بدأت في زيارة الحبر الأعظم، وصولا إلى استعداد بغداد لاستقبال القمة الأردنية المصرية العراقية التي أُجلت لأسباب خارجية، وما بينهما زيارة الرياض وأبوظبي وإطلاق جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي مع واشنطن.

مما لا شك فيه أن ثنائية (الانتفاضة والتكليف) شكلت فرصة حقيقية للتغيير، هذه الفرصة بالرغم من الصعوبات التي تواجهها إلا أنها تملك الرهان على تأسيس مرحلة جديدة في عراق ما بعد 2003، وُضِعَ حجرها الأساس في 9 نيسان 2020. فقبل عام تحديدا فرضت انتفاضة تشرين شروطها على "نظام  السقوط"، بعدما سددت له في الأول من تشرين الأول 2019 ضربة قصمت ظهره، وكشفت عدم تماسكه وبأن إطاحته ليست مستحيلة.

عمليا قامت تشرين بالمهمة الأساسية بكشف ترهل القوى السياسية التي ارتبطت "بنظام السقوط"، وعدم قدرتها على إعادة تعويمه أو إعادة إنتاج طبقة جديدة تحافظ على ماتبقى منه، لذلك لجأ بعض أطرافها إلى حماية مكتسباتهم بالسلاح، الذي لم يعد ممسوكا، وهو يعاني أصلا من عدم التماسك، وباتت شرعيته على المحك. فهو يتجنب مواجهة الدولة، ولكن تجاوزاته المستمرة قد تفرضها، والتي ستكون أشبه بحرب أهليه داخل المُكون الواحد المنقسم ما بين فكرة الدولة وتوجهات ما دون الدولة.

وعليه فإن سقوط النظام الذي بدأ يوم تكليف الكاظمي، يُشكل مسارا طويلا من تاريخ العراق ما بعد تشرين الأول 2019، فالعودة إلى ماقبله مستحيلة ومحاولة إيقافه مكلفة، واستمراره يرتبط جزئيا بالكاظمي وحكومته، وكليا بالفضاء العام الوطني لانتفاضة تشرين. 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.