لم يَبرح العالمُ العربيُّ غيرُ السعيدِ يجترح الحلولَ تلو الحلول لأزماته المستعصية، والخطيرة، الأزمات التي تقف به على شَفَا الهاوية؛ كعالم مضطرب؛ كعالم مُتخَلّف؛ كعالم مُتَّهَمٍ، ومُتَّهِمٍ في آن. غير أن تلك الحلول التي جرى تخمينها ـ أو حتى تلك التي جرى تطبيقها ـ سرعان ما تتحول إلى أزمات بحد ذاتها، أو على الأقل، تتحول إلى وقود إضافي يُغذّي الأزمات التي استهدفتها تلك الحلول. ما يعني اتساع دائرة الاستعصاء وتعمّقها وتعقّدها؛ بمرور الأيام؛ حتى ليصبح الزمن عنصرا أصيلا من عناصر التأزيم !
لماذا تبدو محاولات الاستشفاء من الواقع العربي البائس الممتد لقرون مُتطاولة، وكأنها إمعانٌ مُعانِدٌ في مواجهة أي حل، وكأنها دَفْعٌ إضافي للوقوع أكثر فأكثر في مستنقعات الأوبئة التي تبدو وكأنها تحاصر هذا الواقع العربي في صورة قَدَرٍ أزَلي/ أبدي، لا مخرج منه إلا بالانتحار ـ أيا كانت صوره/ تمظهراته ـ، بل حتى محاولات الانتحار هذه أثبتت فشلها الذريع، وأكْدَى تُجّارُ الموت بعد أن أكْدَى تُجّار الحياة، أولئك الذين كانوا يظنون/ يتوهمون أنفسهم تُجّارَ حَياةٍ؛ بينما هم تُجّار مَوْت بامتياز، من حيث هم ليسوا أكثر من "حالة مَوَات" ؟
على أي حال، الأسئلة الحائرة في هذا لا تزيدنا إلا حيرة؛ رغم كونها بُوْصَلةَ طريقٍ تَائهٍ تُقَطِّعُ أوصَالَه خَيالاتُ الظّمأ وأحلامُ الارتواء وابتهالاتُ الاستسقاء. لهذا، يكون الخروج الممكن من "يَهْمَاء المُتنبّي"، التي "تَكذِبُ فيها العَينُ والأذنُ"، محدودا ـ من جِهتي ـ بمحاولة متواضعة لإضاءة بعض هذه العتمات، إضاءة لا تَتحوّب من عجزها، ولا تتأثم من انتكاستها؛ حينما تتناسل أسئلة أكثر تأزّما وإشكالا.
في اعتقادي أن العالم العربي وصل إلى هذه المرحلة المتأخرة من الاستعصاء الخطير، المتمثل في تحوّل كثير من الحلول إلى أزمات بحد ذاتها، نتيجة لأكثر من سبب، مباشر وغير مباشر، ولعل أهمها ـ في تصوّري ـ ما يلي:
1ـ خارج نطاق الفكر التنظيري الذي يبدو أنه لا يَلقى أي اهتمام جِدّي من داخل دوائر الفعل العربي، يبدو واضحا أن ليس ثمة وعي حقيقي بالأزمات؛ من حيث هي شبكة مُتَشاجِرة من المشكلات المتعاضدة التي تُعيق حركة الواقع، أو تدفعه في الاتجاه الخاطئ/ الكارثي.
ينتج عن ذلك ـ ويُحَايِثه، وقد يسبقه ـ عَدمُ تحديدِ الأزمات في صورها الواقعية، وفي أسبابها المباشرة وغير المباشرة (فيقال: ثمة مشكلات، ثمة أزمات، هكذا بالعموم، دون تحديد/ تفصيل)، أو عدم الاعتراف بها أصلا. فالسائد عربيا هو حالة من الإنكار الصريح، أو الإنكار الضمني الذي يكون بالتهوين، أو ذاك الذي يصبح الحديث فيه عن الأزمات وحلولها ضرب من الحديث عن المجهول، المجهول الذي لم يُسمَّ فاعله ولا مفعوله ولا الغرض منه...إلخ، أو ذاك الذي يبدو وكأنه ترسيمة أو تعويذة تتكرّر لملء فراغ ما في لغة الخطاب؛ لا في مضمونه؛ إذ لا مضمون ـ حَالَئِذٍ ـ إلا دلالة الفراغ على الفراغ !
2ـ اختلاف الأزمات وتباين الحلول. ففي العالم العربي ليست كل الأزمات تُشَكّل قاسما مشتركا بين كل العرب على اختلاف مجتمعاتهم وأقطارهم وطوائفهم، بل وأعراقهم ـ التي تعرّبت ثقافة؛ دون أن تتعرّب عرقا ـ. ولا شك أن اختلاف الأزمات وتباين الحلول قد يكون انعكاسا لواقع مُخْتَلف، وقد يكون انعكاسا لطبيعة القراءة/ المقاربة التي تُعَاين هذا الواقع أو تجترح تلك الحلول، وقد يكون انعكاسا لتباينهما كليهما: الواقع والتأويل.
هذا الاختلاف/ التباين يعني أن الأزمات في كثير من المواقع، بل وفي كثير من المستويات التصنيفية (تبعا لمعايير التصنيف)، ليست أزمات حقيقية، أو ليست هي الأزمات المحورية التي يجب أن تكون لها الأولوية، وأن الحلول ـ تبعا لذلك ـ ليست هي الحلول الناجعة للأزمات التي تُطرَح على مستوى الهَمّ العام في العالم العربي.
3ـ يُلاحَظ ـ وعلى مدى زمني طويل، ومدى جغرافي واسع ـ أن الحلول المطروحة للأزمات الحقيقية، أو حتى للأزمات المُتَوهَّمة/ المُتَخيّلة، هي حلول جزئية، ظرفية، طوارئية، رغم أنها تتقدم لمعالجة مشاكل مزمنة، ذات طابع عمومي؛ بحيث لا تدخل في دائرة الجزئي والظرفي والطارئ. وهذا الاختلاف بين واقع/ صورة الأزمة و واقع/ صورة الحل، ناجم عن كون الوعي العربي، وخاصة في سياق التفاعلات الواقعية، لا يزال وعيا غير كلي، أي هو وعي وقائعي (وبالتالي، فهو غير واقعي؛ عكس المتوهم أن الوقائعي واقعي بالضرورة)، لا يرى الأشياء في انتظامها وتفاعلها على مستوى مُكوِّناتها المادية وعلى مستوى تفاعل هذه المكونات مع مكونات الوعي الجمعي من أديان ومذاهب وتاريخ وأفكار وعادات وتقاليد...إلخ.
يبقى هذا أحد أهم مصادر الإحباط، إذْ ما إن يَشتغل الفاعلُ العربي ـ هذا إن اشتغل ! ـ على جُزْئية ما/ مُشكلة ما/ أزمة ما، وحقّق بعض النجاح في حلها، إلا وتجده يصطدم بنفسه في مواجهة إشكاليات أخرى، قد تكون بعيدة عن مسار المشكلة التي نجح في حلها، وقد تكون قريبة من مسارها، بل قد تكون نتاجا سلبيا ـ غير مقصود وغير مُتوقَّع ـ للحل الذي جرى الاشتغال عليه سلفا.
4ـ يُلاحَظ، حتى في الأزمات ذات الطابع العربي المشترك الواضح، وهي كثيرة، أن الحلول لا تصدر عن رؤى مشتركة حقيقية، حتى وإن قالت الشعارات والتصريحات والبيانات أنها صادرة عن رؤى مشتركة جرى التوافق فيها بين الجميع. وهنا، في حال تشظي الرؤية، وربما تناقضها، يتعذّر الحل، خاصة وأن بعض الأزمات لا يجدي معه الحل القطري الخاص.
5ـ في العالم العربي، وعلى مدى زمني طويل، أصبح واضحا أن الحلول المقترحة التي جرى تطبيقها بالتتابع، ينقض بعضها بعضا، سواء في سياق الحل المقترح للأزمة الواحدة في المكان الواحد، أو في سياق الحل المقترح للأزمات المتشابهة/ المتماثلة في أكثر من مكان، والتي تنتهي في آخر الأمر إلى سياق تفاعلي واحد يفترض الحل الموحد؛ وإلا تآكلت جدواه بفعل النقض/ التبديد المتبادل.
إن غياب الاستراتيجية ـ حتى وإن كثر التبجح بالاستراتيجيات الكبرى ـ هو ما يُؤَسِّس لمثل هذا الاشتغال المتواصل على النقض؛ على الاستئناف المتكرّر للخطط الجديدة التي يتم إجهاض كثير منها وهي لا تزال في مراحل التجريب الأولى، إذ لم تحظَ في عمرها القصير ولو بالحد الزمني الأدنى الذي يكفل لها إظهار نجاعتها؛ فتمتلك شرعية الاستمرار، أو يُظْهر فشلها؛ فيكون ذلك مبررا موضوعيا مقنعا لاستئناف المحاولات من جديد، وتحمّل الخسارات المترتبة على هذا الاستئناف.
6ـ ثمة ظاهرة تكاد تنتظم مجمل مسيرة الاشتغال العربي المشترك لمواجهة الأزمات المزمنة، وهي انعدام الثقة في التعاون المشترك نفسه، ابتداء بالتعاون لبناء تصوّر متكامل عن طبيعة الأزمات ومسبباتها، وانتهاء باجتراح الحلول لهذه الأزمات. ففي الغالب، يجري توظيف كثير من مسارات هذا التعاون المفترض، أو المعلن دعاية، للبحث من قبل كل طرف؛ لما يُدِين به الطرفَ الآخر، على اعتبار أنه السبب الرئيس للأزمة، أو ـ على الأقل ـ أحد أسبابها. وحينئذٍ؛ يكون "الحل المقترح"، إما محاولة غير مباشرة لرد التهمة، أو ردا عكسيا للاتهام ذاته على الطرف الأول مصدر الاتهام. ما يعني أن آلية التفكير في الحلول لا تشتغل على النحو الصحيح، بل تأخذ مسارا آخر لا علاقة له بموضوع البحث أصلا. ومن هنا؛ تأتي الحلول على صورة مكائد بَيْنية، تزيد من احتمال استفحال الأزمات التي يجري الحديث عن ضرورة مواجهتها علنا.
7ـ يُهَيمن على الوعي العربي "النفس الضدّي"، تجاه الغرب تحديدا، بينما الغرب تحديدا، هو ـ على الرغم من كل شيء ـ مصدر الحلول؛ من حيث هو مصدر التنوير/ الحداثة. وحيث لا تحديث حقيقيا دونما حداثة؛ لا تطوّر/ لا تقدّم دونما تواصل حيوي وخلاّق مع الغرب، بعيدا عن كل العُقد النفسية والعُقد التاريخية، وما بينهما من عُقد مُتَواشِجة، لا تكفّ عن جعل ضحاياها يزدادون انسحاقا وهوانا؛ بينما هم يتوهمون أنهم مُسْتَقِلّون، ومُمَانِعون، ومَوْعُودُون بسيادة العالم في يوم من الأيام، كما ساد أسلافهم العظام، أو أولئك الذين توهموهم عظاما، وتوهموا أنهم كانوا أسيادا للعالم في يوم من الأيام.
8ـ يُلاحَظ ـ في سياق كل ما سبق، مما هو مُقدّمات/ مُسبّبات أو نتائج ـ غياب المُتغيّرات النوعية لنظام الوعي العربي العام. فحتى الحداثة التي تمتلك إغراءَها الباذخ، يجري تحويلها من مفاهيم كبرى/ كُلّية ناظمة لأشتات الواقع، إلى شعارات مُخْتَزَلة/ مُجْتَزَأة لمجرد الإعلانات المجانية، أو ـ في حالٍ أحسن قليلا ـ للاستخدام الظرفي، وقد يجري تحويلها لمجرد أدواتٍ في حَلبة الصراع على النفوذ الاجتماعي بين النخب، كما بين التيارات التي تجد اكتمال معناها/ مبرر وجودها في مراكمة الحشد الجماهيري على قاعدة التحيّز الأيديولوجي.
9ـ أخيرا، جرّاء غياب الرؤية الشمولية التي تصدر عن متغيرات نوعية حاسمة في نظام الوعي، وجرّاء الفشل المتواصل الناتج عن ذلك وعن غيره من الأسباب، وجرّاء الانكسارات القومية المُذِلّة (الهزائم القومية الساحقة منذ 250 سنة، دون حالة انتصار واحدة !)، إضافة إلى خيبات المشاريع الإسلاموية التي كانت واعدة نظريا قبل تمدّدها على ساحة التطبيق وانكشافها...إلخ، جرّاء كل ذلك، أصبحت بُوصَلة الاهتمامات العربية مُوجّهة ـ بشكل واع وغير واع ـ نحو تحقيق "منجزات رد الاعتبار القومي"، أي ما يُثْبِت به العربي لنفسه وللعالم أنه جدير بغير واقعه البائس، المتخلّف، المتشرذم. إنه يفعل ذلك؛ دون مساءلة حقيقية للواقع، دون استبصار حقيقي ـ شجاع في المواجهة مع النفس ـ لمجريات واقعه الذي يحتاج لحالة إنقاذ واسعة المدى وطويلة الأجل في كل حقول التنمية وبكل مستوياتها؛ على نحو متزامن ومتكامل، بعيدا عن المعارك الوهمية مع طواحين الهواء.

