صورة من فيديو من داخل منشأة نطنز نشرته الرئاسة الإيرانية في 10 أبريل 2021.
صورة من فيديو من داخل منشأة نطنز نشرته الرئاسة الإيرانية في 10 أبريل 2021.

قبل أيام من استئناف الأسبوع الثاني من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في فيينا، والتي تشارك فيها جميع الأطراف الموقعة على اتفاق 2015، فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا، وبعد أيام من إعلان واشنطن عن استعدادها لإلغاء بعض العقوبات التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي "تتعارض" مع اتفاق 2015، وهو إعلان تزامن تقريبا مع إفراج إيران عن ناقلة نفط كورية جنوبية احتجزتها طهران لإرغام سيول على الإفراج عن 7 مليارات دولار من العائدات الإيرانية التي جمدتها كوريا الجنوبية بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على الأطراف التي تتعامل اقتصاديا مع إيران، تعرضت المنشأة النووية الإيرانية في نطنز لتفجير يعتقد أن مصدره إلكتروني وأدى إلى خراب كبير وفق التقارير الصحفية الأولية. وتزامن التفجير مع وصول وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى إسرائيل.

المسؤولون الإيرانيون لم يكشفوا طبيعة الأضرار التي أدت إلى قطع التيار الكهربائي عن المنشأة، ولكن رئيس وكالة الطاقة النووية الإيرانية، علي أكبر صالحي، وصف الهجوم بأنه "إرهاب نووي" في إشارة ضمنية إلى إسرائيل. وتقوم إسرائيل منذ سنوات بشنّ هجمات إلكترونية ضد المنشآت النووية الإيرانية، بما فيها استهداف نطنز في 2010 عندما استخدمت فيروس إلكتروني عرف باسم Stuxnet طورته بالتعاون مع الولايات المتحدة، ودمرت حوالي ألف جهاز طرد مركزي وتسببت بنكسة كبيرة لبرنامج إيران النووي. كما شنّت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حملة اغتيالات للعلماء النوويين الإيرانيين كان آخرهم العالم البارز محسن فخري زاده، في نوفمبر 2020.

المسؤولون الإيرانيون ألمحوا إلى أن المسؤولين عن التفجير في نظنز يهدفون إلى عرقلة المفاوضات في فيينا. وسائل الإعلام الإسرائيلية نسبت إلى من وصفتهم بمصادر في الاستخبارات الغربية قولهم إن جهاز الموساد الإسرائيلي هو الذي شنّ الهجوم الإلكتروني ضد نطنز. المسؤولون الإسرائيليون، امتنعوا عن التعليق على الهجوم، وهو ما فعله المسؤولون في مجلس الأمن القومي الأميركي. 

ونسبت صحيفة نيويورك تايمز إلى مسؤولين استخباراتيين قولهم إن التفجير الكبير تسبب بأضرار كبيرة بما فيها تدمير الجهاز الخاص الداخلي بتوليد الطاقة التي تسيّر أجهزة الطرد المركزي وتخصّب اليورانيوم. وأضاف المسؤولون أن التفجير ألحق أضرارا فادحة بقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم في المنشأة، وأن عملية إصلاح الأضرار واستئناف التخصيب قد تستغرق تسعة أشهر. وإذا كان هذا التقويم الأولي للأضرار صحيحا، فهذا يمثل نكسة لموقف إيران التفاوضي في فيينا، خاصة في ضوء انتهاكاتها لبنود اتفاق 2015 في السنتين الماضيتين، في مجالي كمية ونوعية تخصيب اليورانيوم التي فاقت بكثير النسب التي يسمح بها الاتفاق النووي، وفي مجال صناعة أجهزة الطرد المركزي المتطورة. 

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأميركي أوستن، "طهران اليوم تشكل خطرا استراتيجيا على العالم. وسوف نعمل مع حليفنا الولايات المتحدة لضمان أن يؤدي أي اتفاق نووي مع إيران) إلى حماية المصالح الحيوية للمجتمع الدولي، وأن يمنع أي سباق تسلح (نووي) وأن يساهم في أمن إسرائيل".

ويأتي تفجير نطنز على خلفية تصعيد الهجمات التي تشنها إسرائيل ضد أهداف إيرانية مختلفة، كان آخرها استهداف سفينة يملكها الحرس الثوري الإيراني في مياه البحر الأحمر وقرب السواحل اليمنية والسعودية، في هجوم قال مسؤولون أميركيون إنه يهدف إلى عرقلة مفاوضات فيينا التي بدأت في اليوم ذاته، وفقا لصحيفة وال ستريت جورنال. وكانت الصحيفة ذاتها قد كشفت في الشهر الماضي أن إسرائيل تقوم منذ 18 شهرا بمهاجمة السفن الإيرانية التي تنقل النفط والأسلحة إلى سوريا. 

هل يعني تزامن تفجير نطنز مع وصول وزير الدفاع الأميركي إلى إسرائيل، أن حكومة بنيامين نتانياهو أعلمت واشنطن مسبقا بالهجوم؟ لا توجد أي مؤشرات تؤكد مثل هذا التساؤل، بل يمكن القول إن خطوات واشنطن، وحتى إيران تبين رغبة الطرفين، المشروطة بالطبع، وتعليقاتهم الأولية على مضمون ونبرة مفاوضات الأسبوع الماضي، أنهما يرغبان بخلق الأجواء التي تؤدي إلى تخطي المفاوضات غير المباشرة في فيينا، إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران. ويمكن في هذا السياق وضع إعلان واشنطن عن استعدادها لإلغاء العقوبات التي فرضها الرئيس السابق ترامب ضد إيران والتي تتعارض مع الاتفاق النووي، وإفراج إيران عن ناقلة النفط الكورية الجنوبية واعتبارها خطوات تعبر عن النوايا الحسنة.

الرئيس بايدن، يدرك تماما عمق معارضة إسرائيل، وتحديدا رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو للاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما- بايدن مع إيران في سياق مفاوضات الخمسة زائد واحد عام 2015، وكيف استغل نتانياهو علاقاته القوية بالحزب الجمهوري الذي كان يسيطر آنذاك على الكونغرس والذي وفّر منبر الكونغرس لنتانياهو لكي يهاجم أي اتفاق نووي مع إيران يؤدي إلى رفع العقوبات عنها. وكان نتانياهو قد رحب بقرار الرئيس السابق ترامب الانسحاب من الاتفاق في 2018، وإعادة فرض العقوبات التي ألغاها أوباما بعد توقيع الاتفاق، والتي زاد عليها ترامب أكثر من 1500 عقوبة شملت مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية والمالية في إيران، بما فيها فرض العقوبات ضد المصرف المركزي الإيراني، والحرس الثوري، وغيرها من العقوبات التي كانت تهدف كما قال المسؤولون في إدارة ترامب إلى منع أي حكومة ديموقراطية في المستقبل من استئناف المفاوضات النووية مع إيران.

وتبين بعض قرارات وإجراءات بايدن في الشرق الأوسط أن العلاقات الأميركية –الإسرائيلية سوف تدخل في مرحلة فاترة، مقارنة بالعلاقات الودية والحميمة بين ترامب ونتانياهو، وهي إضافة إلى استئناف المفاوضات النووية مع إيران، استئناف الاتصالات السياسية مع الفلسطينيين واستئناف المساعدات المالية لهم، وتعليق صفقات الأسلحة للسعودية، ولدولة الإمارات العربية المتحدة التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بتشجيع من الرئيس ترامب. ويعتبر إحياء وتطوير الاتفاق النووي مع إيران ليشمل برنامجها الصاروخي، وسلوكها التخريبي في المنطقة، إضافة إلى إنهاء حرب اليمن، من أبرز أولويات بايدن في الشرق الأوسط.

من المؤكد أن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن سوف يناقش هجوم نطنز مع بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع غانتس، ولكن ما هو غير مؤكد وغير معروف في هذا الوقت المبكر، هو كيف سيؤثر تفجير نطنز على موقف طهران من مفاوضات فيينا.
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.