امرأة سورية - دمشق
"تبدو هذه الحجة بالغة التهافت، لأنها أولاً تحصر وتعزز من أنماط الوشائج الشكلية بين النُخب السياسية والثقافية المعارضة وبين القواعد الاجتماعية المناهضة للأسد"

خلال زيارتها الأخيرة إلى مناطق سيطرة القوى المُسلحة المناهضة للنظام السوري، ارتدت قيادية "مدنية" في المعارضة السورية الحجاب، الذي لا ترتديه في حياتها الروتينية، خلال إقاماتها في مناطق أخرى.

شكّل ذلك الحدث مناسبة للكشف عن الكثير من الخصائص السياسية والثقافية التي تمتاز بها القوى العسكرية والسياسية المُهيمنة على تلك المناطق، بالذات من حيث تباين خطاباتها الفوقية حول "المطالبة بالدولة المدنية الديمقراطية" وأفعالها الموضوعية المُنفذة على أرض الواقع، التي تشبه إلى حد بعيد ما كان وما يزال النظام السوري ينفذها منذ عقود.  

كذلك بيّن الحدث أشكال الارتباط والتبعية بين تلك القوى السياسية والعسكرية وبين طيف واسع من القوى السياسية "المدنية" والمثقفين والناشطين المعارضين السوريين، الذين قدموا كل أشكال التسويف والتبرير لما جرى، لأنهم يعتبرون مناهضتهم للنظام السوري وارتباطهم بالقوى المعارضة فوق أي اعتبار آخر، مهما يكن، وهو بُعد آخر يُطابق بين ما كانت تفعله الأسدية وما يجري راهناً، وغالباً سيستمر مستقبلاً، من أشكال العلاقات الديناميكية بين السياسية والعسكر من جهة والثقافة والإعلام والمؤسسات المدنية من جهة أخرى. 

ثلاثة حجج قدمها المبررون لتلك الفعلة، لطمر الأبعاد الحقيقية لشبكة العلاقات بين الفاعلين هؤلاء، من مثقفين ومعارضين مدنيين وفصائل مسلحة وأصولية مُسيطرة على الأرض، وتسعى جاهدة لأن تحول سيطرتها العسكرية تلك إلى هيمنة سياسية و"روحية ثقافية" على أشكال الحياة والمُجتمعات المُسيطر عليها. 

يقول الافتراض الأول إن مسألة الحجاب إنما "خيار شخصي" فحسب، وإن القيادية "المدنية" المُعارضة تملك كامل الحق في ارتداء ما تراه مناسباً!.  

تخلط مثل تلك المقولة عن عمد بين مستويين واضحين ومنفصمين من "الزي العام": الزي الاجتماعي، حيث لكل أفراد المجتمع الحرية التامة في ارتداء ما يرونه مناسباً وموافقاً لهوياتهم الثقافية والمجتمعية، وبين "الزي السياسي"، الذي تفرضه قوى الإسلام السياسي المهيمنة على الأفراد والمجتمعات، وحتى الدول، الخاضعة لسيطرتها، كتعبير على هيمنتها الرمزية والمادية الشمولية على مختلف الفاعلين المجتمعيين.

فالزي العام بالنسبة للشموليين شيء أساسي من أنساق وآليات الإخضاع والقبول العام بسلطتها. شيء شبيه بما كانت تفرضه الأسدية من شعارات وخطابات وأشكال تعبير رمزية على الخاضعين لها، حيث كان هؤلاء الخاضعين يُظهرونها وكأنها قناعاتهم الشخصية فحسب!. وهو عموماً أمر تقليدي، تشترك فيه كل الشموليات بشكل شبه غريزي. 

بمستوى آخر، فإن جزءاً من المتابعين اعتبروا سلوك القيادية "المدنية" شكلا لتقرب "النُخب السياسية" من القواعد الاجتماعية الأكثر شعبية في تلك المناطق، حيث ترتدي النساء الحجاب بشكل مُطلق. 

تبدو هذه الحجة بالغة التهافت، لأنها أولاً تحصر وتعزز من أنماط الوشائج الشكلية بين النُخب السياسية والثقافية المعارضة وبين القواعد الاجتماعية المناهضة للأسد، على حساب الروابط السياسية الأكثر حقيقية وعمقاً التي من المفترض أن تجمعهم.

تشبه تلك صورة مصغرة لما كانت تظهر به صور الزعماء الشموليين وهُم يرتدون أزياء شعبية فلاحية وعُمالية وتقليدية في أزمنة سابقة، في وقت كانوا يقمعون فيه كل حقوق أبناء هذه الطبقات.  

لكن الأهم في ذلك السياق، حينما يُعتبر التحجب تقارباً مع تلك الطبقات الاجتماعية وأفرادها، هو ذلك الاعتبار الذي تسعى إليه النُخب المدنية السورية، من خلال الابتعاد عن وظيفتهم الأساسية، التي يدّعون تبنيها، المتمثلة في الدفاع عن القواعد الاجتماعية وحقها في الحريات العامة، السياسية في مواجهة النظام الأسدي، والسياسية والمدنية في مواجهة قوى الإسلام السياسي في مناطق سيطرة هذه القوى الأصولية. فعوضاً عن ارتداء القيادية "المدنية" الحجاب، كان الأحرى بها أن تدافع عن حقوق النساء الراغبات في عدم التحجب في تلك المناطق، الكثيرات دون شك، مثل باقي المجتمعات، لكن الخاضعات لفروض قوى الإسلام الحاكمة.   

المستوى الثالث من المحاججات ذهبت لـ"تسخيف" و"تسطيح" الاهتمام الزائد بمسألة اعتبروها شكلية وهامشية في فضاء الأحوال السورية، الغارقة في بحر من الفظائع. شيء يشبه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، الآلية التي استخدمتها مختلف الأنظمة والقوى الشمولية في سعيها للهيمنة على الضمير والكلام والفعل العام في المجتمعات التي تهيمن عليها.  

لكن أدق وأعمق ما في هذه المقولة الأخيرة هو القبول بأي شيء في سبيل مناهضة النظام السوري، بما في ذلك الارتباط والولاء غير المُعلن لجهات ونزعات تُطابق الأسدية نفسها، وربما تتجاوزها في آلياتها القمعية. وتالياً تحوّل معارضة النظام السوري إلى مجرد نزعة طائفية فحسب، لا معارضة لجوهر وأُس الاستبداد بكل أشكاله وتشكيلاته، بل فقط معارضة لجهة أو نوع من الاستبداد فحسب، المغاير طائفياً وقومياً.  

حادثة القيادية "المدنية" المُعارضة جرت في منطقة لا تخضع للتنظيمات السياسية/العسكرية المعارضة الأكثر تطرفاً، كجبهة النصرة، بل في منطقة من المفترض تديرها بقايا تنظيمات الجيش السوري الحُر، في مناطق ريف حلب. حيث تخضع تلك المنطقة إلى هيمنة سياسية وعسكرية تركية، وتديرها قوى عسكرية وسياسية تعتبر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ممثلها السياسي الأعلى. الأمر الذي يعني بأن ما جرى هو الصورة الأكثر "بهاء" لما يمكن أن تكون عليه آليات الحُكم وأشكال الحياة المستقبلية للسوريين الذين سيخضعون لتلك التنظيمات والقوى السياسية، بعدما خضعوا طويلاً لفظائع الأسدية. 

ليس من شيء يشبه حيوات السوريين ومصائرهم البائسة أكثر من المثل الشعبي الشهير "شهاب الدين أضر.. من أخيه عز الدين".     

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.