الحكومة الأردنية أشارت إلى أصابع خارجية تحاول إثارة الفتنة في الداخل.
الحكومة الأردنية أشارت إلى أصابع خارجية تحاول إثارة الفتنة في الداخل.

كان "أسبوع الأزمة" في الأردن ساخنا ومحموما في سياق شح وبخل متعمد وساذج "مرعب" للمعلومات مقابل تضخيم الحكايات وتدويرها وإعادة صياغتها ثم إعادة تدويرها من جديد، وكل ذلك في جعجعة لا علاقة لها بكل "عمليات الطحن" المحلية والإقليمية التي تجري بسرية وخفاء وفي كثير من الأحيان بخبث.

تلك معطيات صعبة تجعل عمل الصحفي أكثر مشقة من المعتاد، كما وتضع الكاتب الصحفي "مثل حالتي" في مواجهة عبور مستمرة لحقول ألغام متناثرة في كل جانب.

في المقال الذي كان أيضا أطول مقال "حجما" في تاريخي المهني - وتلك ليست ميزة بقدر ما هي مساحة أكبر لمزيد من الفخاخ التي تبحث عن مساحات في الحدث كله- حاولت جاهدا "ومجتهدا" أن أجمع اكثر ما يمكن جمعه من معلومات من تلك الأزمة "المغلقة" والتي كانت بيئة خصبة لإطلاق الإشاعات والتكهنات التي حلت محل الحقائق، وقد تواصلت فعليا مع أكثر من 16 شخصية في الأردن وعواصم عربية وغربية مستمطرا الحقائق أينما كانت، مدركا أن من بين ما سيردني "معلومات مدسوسة بعناية أو بطيش لا مسؤول" حتى لو على صيغة "خلفيات للمشهد" وهو ما تعلمناه ولا زلنا نتعلمه في مسيرتنا العملية الصحفية.

من ذلك مثلا، أني تلقيت في معمعة تلك الأزمة وفي ذروة "الدهشة" أمام تداعياتها المتلاحقة، خبرا من ثلاثة مصادر مختلفة بأن الدكتور باسم عوض الله "الشخصية الأكثر إثارة للجدل حوله" قد تم إطلاق سراحه ومغادرته الأراضي الأردنية مع وفد سعودي ترأسه وزير الخارجية السعودي نفسه.

رغم ثقتي "غير المطلقة طبعا" بأحد المصادر تحديدا خصوصا أنه مصدر صحفي غربي، إلا أني حملت الخبر وحاولت كثيرا وكثيرا التواصل مع جهات رسمية في العاصمة الأردنية عمان، وكان الخبث "الرسمي" بالرد أحيانا هو عدم التأكيد أو عدم النفي، وتلك حالة معلقة يحاول فيها من يقنعك بأنه لا يعرف، أن يوجهك نحو قبول الخبر والإقرار بمصداقيته.

لم أنقل الخبر إلى أي وسيلة إعلامية، بل نشرته على حسابي الشخصي في موقع الفيسبوك.

وفاجأني تناقل الخبر وحمله على صفحات بالمئات في الأردن وخارجه، على أنه خبر موثق ومؤكد، وهو ما أشعرني بالرعب، خصوصا وقد تواصلت معي وسائل إعلام محترمة تطلب مني تأكيد الخبر لها كي تبثه، فطلبت منها - وقد ألجمني رعب المسؤولية المهنية- أن لا تأخذ الخبر مني موثقا على الإطلاق!

بعد ساعات قليلة جدا، ردت الحكومة الأردنية (على لسان مصدر مجهول) وببيان رسمي بثته وكالة الأنباء الرسمية "بترا"، مؤكدة أن "المتهم" باسم عوض الله لا يزال محتجزا وتحت التحقيق.

حسنا، ها هي معلومة تخرج بصعوبة لتحسم الإشاعات، وإضافة جديدة بدلالات تحملها صفة "المتهم" قبل اسم الرجل المثير للجدل والأقرب - لسنوات طويلة- للملك عبدالله الثاني ويقال إنه الأقرب - مؤخرا- لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وأنا تعلمت دروسا جيدة وبقسوة، أهمها أن وسائل التواصل الاجتماعي هي وسائل تواصل اجتماعي وليست مؤسسات إخبارية مهنية محترمة.
--
غالبية ما ورد في مقالي كان صحيحا في الشق المعلوماتي منه، وهو ما أحاول الالتزام به دوما، أما الجانب التحليلي وموقف الرأي عندي فهو دوما خاضع لانضباط صارم أفرضه على نفسي بالتوازن وعدم الخضوع لأجندة أي طرف.

ومما ذكرته في المقال، تلك المعلومات التي بحثت كثيرا حولها وعنها وتتعلق باسم شخصية أثارت الجدل حولها وقد ذكرها "الزميل المخملي"، فهد الخيطان، بمقاله الملغوم والمؤقت على التفجير قبل مشهد الملك وباقي الأسرة أمام الأضرحة، وهي أيضا شخصية أثارت عندي الإعجاب بها وانا أقرأ "باللغة الإنجليزية غالبا" ما تيسر لي الوصول إليه عن المحامي مالك دحلان.

الخيطان، في مقاله ذو التسريبات الرباعية - الحقيقة الخامسة كانت حبة الفراولة الشهية على الكعكة المحترقة- حاول بسطحية أستغربها من كاتب ذكي مثله أن يربط الأمير حمزة بالقيادي الفلسطيني محمد دحلان، وبحيلة ساذجة جدا، تماما مثلما لا تزال الحكومة الأردنية - بدون إثبات حقيقي- أن تربط اسم الأمير حمزة بباسم عوض الله، الشخصية الأكثر التباسا وغموضا في تاريخ الأردن الحديث.

في مقالي، حاولت وبعد عمليات بحث واتصال لساعات مكثفة، أن أجد مفاتيح فهم "مالك دحلان" وقد وجدت الكثير مما لم أذكره في مقالي السابق، لكنه مرتبط أكثر بمقالات قادمة عن المحامي الحجازي الهاشمي المتخصص بالوساطات القانونية في مهنته، والشغوف بإبراز الفكرة الهاشمية كابن أسرة تاريخية حاضرة في كل مفاصل تاريخ الشرق الأوسط.

مما ذكرته في المقال، وذلك تحديدا موقع الفخ الذي "أطبق على مهنيتي المفترضة" أن السيد مالك دحلان قطري الجنسية!
 
وتلك معلومة ترد في جملة قصيرة، لكن البناء عليها يهدم أكثر مما يمكن ان يتخيله المرء، في سياق بحر "عكر" واسع تكاثر حوله وفيه وتحت أعماقه صيادو المياه العكرة من أجهزة وأفراد وسياسيين ومتسلقين.

أدركت خطأي بعد أن لمست التركيز على تلك النقطة والتصيد المستمر فيها، للإساءة إلى المحامي "السعودي" ابن العائلة الهاشمية، ثم الإساءة إلى معطيات قضية الأمير حمزة بل والتأثير المباشر على فرص التسويات الحثيثة والجارية "الرسمية والأسرية " فيها. أزعجني ان أكون "طرفا" في أجندات لا علاقة لي بها.

هذا الإدراك، دفعني للتصحيح، والتصويب، فسعيت منذ انتشار ظاهرة الصيد العكر والمشبوه في "بحر" مقالي نفسه، إلى التواصل مع المحامي "السعودي" الهاشمي مالك دحلان.

لم يأخذ الأمر مني جهدا كثيرا للوصول إلى الرجل عبر أصدقاء مشتركين، خصوصا أن مالك دحلان متشابك العلاقات "الاجتماعية" في الأردن وهو خريج "القانون" في الجامعة الأردنية وقد تلقى تعليمه كذلك في جامعة آل البيت "وتلك جامعة لها دلالاتها عند المحامي الهاشمي" بالإضافة إلى البعد الأزهري في سيرته الأكاديمية " وتلك تعطي دلالات -عندي على الأقل-  على توجه وسطي أكثر عمقا" ثم معرفته "القانونية العميقة والدولية" التي اكتسبها في جامعة هارفرد العريقة والشهيرة، الجامعة التي تزامل فيها "وتصادق" مع ابن عمومته الأمير حمزة.

في اتصال مباشر وبسيط مع المحامي السعودي "الحجازي في لهجته وبنيته الثقافية"، أكد لي الرجل أنه لا يحمل الجنسية القطرية أبدا، وأنه مثله مثل باقي السعوديين لم يدخل قطر منذ عام 2015 مع تصاعد الأزمة الخليجية.

مالك دحلان لم ينف كذلك وببساطة وباعتزاز كمحامي خليجي - كما قال لي- إنه كان محاميا في قطر، بل محاميا في محكمة التمييز القطرية يمارس المهنة هناك (قبل 2015) تماما مثلما مارس المهنة ولا يزال في محاكم السعودية "موطنه الأصلي كابن مدينة مكة"، وكذلك محاكم الولايات المتحدة والمحاكم البريطانية.

كان الرجل حذرا "كمحامي محترف" في الحديث أكثر من حدود تلك المعلومة التي أوردتها وسببت له أذى على صعيد الأسرة قبل كل شيء، مما استلزم مني وبصدق اعتذارا خالصا مني له.

لم يناقشني الرجل بأي لهجة اعتراض على ما ورد في مقالي من معلومات، ورغم كل محاولاتي اليائسة لاستخلاص معلومات منه - لقناعتي أنه على اطلاع- إلا أنه التزم بحرفيته ومهنيته التي لا تضعه في أي حال كمصدر متاح للمعلومات، لكنه أشاد - مشكورا- بالمهنية في المقال عموما، وانتهينا إلى حوار بين صحفي "يحاول الاحتراف" ومحامي محترف فعلا، يناقشان مواضيع مشوقة مثل مآلات مدينة القدس في الحلول النهائية المقترحة للنزاع العربي - الإسرائيلي وتقويض "صفقة القرن" بذات لغتها القانونية "وللرجل رؤية فريدة من نوعها ومعلنة"، وحديث تاريخي "معلوماتي" عن فكرة يدافع عنها الرجل بمعرفة -لا بإنشائيات جوفاء- عن الهاشميين وحضورهم السياسي تاريخيا في الشرق الأوسط.
--
وعودة للأزمة بعيدا عن "دروس قاسية" تعلمتها كصحفي منها. فمن الواضح والذي لا يمكن إنكاره أن هناك جفاء قديما بين الملك الأردني والأمير الهاشمي أخوه غير الشقيق، وقد اتسعت الأزمة "الأخوية" لتصل إلى حد أزمة دولة أردنية متخمة أصلا بالأزمات.

هذه الجفوة التي تحولت إلى مناكفات حاول ولا يزال الكثير "داخليا وخارجيا" توظيفها وأحيانا لضرب مصالح الدولة الأردنية نفسها، فانتهت إلى قصة كبيرة ومتفجرة في وجه الأردنيين قبل أسبوع، ليظهر "نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية" أيمن الصفدي فيتحدث بتفاصيل "من طرف واحد وغير موثقة لكنها رسمية بكل الأحوال" عن محاولات لهز أمن الدولة الأردنية كان الأمير طرفا فيها وليس متهما (!)، وحاول الصفدي - كما الرواية الرسمية، تصوير الأمير كضحية مغفلة لأشرار يريدون الإيقاع به وبالأردن، لكن مع "تقريع" مستمر للأمير وربطه بالتسريبات "الأمنية" بقصص وحكايا عديدة أضرت بسمعة الدولة الأردنية أكثر مما أضرت بسمعة الأمير الغاضب والمتشنج من تواتر قضايا الإزعاج ضده والتضييق عليه من سنوات.
 
استحضار باسم عوض الله كان عدة ضربات مزدوجة على ما يبدو في القضية، لخلخلة صورة الأمير (وهي لم تنجح حتى الآن)، وتوجيه اتهامات للجار السعودي وقد تعززت تلك الاتهامات بتزامن زيارة الوفد الرسمي برئاسة وزير الخارجية وتسريبات "منهجية" عن طائرات أربع في المطار وفريق أمني يطالب بالدكتور عوض الله، مدير مكتب ثم رئيس ديوان الملك الأردني ووزير المالية والتخطيط الأردني الأسبق وكان أيضا نائبا لرئيس الوزراء "مثل السيد أيمن الصفدي اليوم"، والآن هو مواطن سعودي، كما تقول الأنباء.

ما فهمته بصعوبة من الدكتور مالك دحلان - وقد كان حذرا باحترافية - أن التسويات جارية بأمر الملك نفسه في تلك الأزمة، فالملك "المستاء من كل ما يحدث"، قد أمر شخصيا بوساطة يقودها عمه وعم الأمير وكبير العائلة الأمير حسن بن طلال، وقد لقيت تجاوبا من الأمير حمزة.

الاستياء واضح بين الأطراف على مستوى الأسرة، لكن إقحام الدولة الأردنية بمؤسساتها وأفرادها وأجهزتها كان هدفا لأجندات متعددة سواء في الأردن - ضمن ذات صراعات مراكز القوى المستمرة منذ غابت الدولة عن الحضور- أو هدف وأجندات إقليمية تحاول استئناف تصفيات الحساب السياسي الإقليمي مع الأردن وقد أعاد تموضعه السياسي في المنطقة مع إدارة واشنطن الجديدة.

هناك حسب ما فهمت من أكثر من جهة تحرك جدي لرأب الصدع ضمن الأسرة، ضمن إطار "هاشمي" يقود مجرياته الأمير حسن عم الملك والأمير، والتحرك "الأسري الهاشمي" منطلقه قرار الملك نفسه وهو صاحب الصلاحية وشرط نجاحه الوحيد أن يبقى في منأى عن المزايدات والتدخلات من أي طرف داخلي او خارجي.

من هذا الفهم للحوارات "التوسطية" شديدة الهشاشة في داخل الأسرة، يمكن لنا أن نتفهم بالتساؤلات عن تلك التسريبات الصوتية والتسجيلية التي تجد لها أكثر توقيت محرج للخروج والانتشار وعن عمد يستهدف جهود رأب الصدع بين الأخوين: الملك والأمير.

لقد كانت الرسالة الموقعة في بيت الأمير حسن، ومن قبل الأمير نفسه، حسما مهما لإشكالية عالقة منذ عام 2004، ففي الرسالة حسم الأمير وإلى الأبد مسألة ولاية العهد بدون طروحات مقلقة لا دستورية تتعلق باعتقاده واعتقاد "حوزة مظلوميته" بوجود حق له في المنصب.

الرسالة حسمت بتوقيع الأمير وبنص مشغول بعناية على لسانه التزامه بالدستور و "صدعه" لأوامر الملك وولي العهد الدستوري الأمير حسين بن عبدالله.

لكن.. في المحصلة، وأمام مشكلة عائلية تجاوزت حدود "القربى" إلى جغرافيا الإقليم، أليس أيضا من واجب الدولة الأردنية أن تستفيد من كل الأزمة وتعمل على تفعيل القانون والدستور فيها أيضا؟ 

تصالح الأمير والملك، تلك مسألة سياسية بنكهة عائلية، وهي جارية حتى اليوم وستحدث. لكن هنالك أزمة عصفت بالأردن وكشفت الشروخ والتصدعات فيه، ولا يعالجها إلا تطبيق القانون وتفعيل الدستور وعلى الجميع بلا استثناء، لم يعد أمامها مجديا ما تمارسه نخب الحكم الأردني لا في صفه الأول وحسب، بل في صفوفه الأدنى والمؤثرة  "من ألعاب أكروباتية" لتسجيل النقاط لنيل الرضى الملكي "الأردني وغير الأردني".

الأردن أمام فرصة تسويات أخيرة مع ذاته بكل مكوناته أفقيا وعموديا، وهذا يتطلب "بعد انتهاء الأزمة بالمصالحة الأسرية" حوارا حقيقيا وربما إجراءات جادة وحاسمة من رأس الدولة للتغيير الذي ظل ينادي به ولم يتحقق منذ اول عهده، ولعل أول الخطوات الجادة هو تفعيل القانون على الجميع بلا استثناء وبروح العدالة بلا ثأر، وتحكيم الدستور كضابط للجميع وناظم للكل لا مؤسسات فوقه ولا أفراد.

تلك كرة في ملعب الملك، والملك بعيدا عن كل انفعالاته وأمزجته وعواطفه الشخصية، هو رأس الدولة الواقف - بالضرورة- أمام الجميع بلا استثناء في "الدولة" لا في العائلة، مسافة واحدة لا حظوة فيها ولا خصومات، مسافة تقاس بالدستور وتحدد أبعادها القوانين فقط.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.