البيانوني وخدام في صورة تعود لعام 2006.
البيانوني وخدام في صورة تعود لعام 2006.

أجرى الصديق الأديب والصحفي شعبان عبود مقابلة تلفزيونية على أربع حلقات مع علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، الذي استعرض مواقف وسياسات الجماعة خلال الخمسين عاما الماضية، وتضمّنت المقابلة الكثير من الأمور اللافتة للنظر كان أهمها جاهزية الإخوان الدائمة للتصالح مع النظام السوري رغم أن السيد البيانوني أكد خلال المقابلة معرفة الجماعة لطبيعة النظام الديكتاتورية والدموية وتعامله مع الشعب كعدو، وأنه كان يعتقل كل من يختلف معه بما فيهم البيانوني نفسه الذي سجن لأكثر من سنتين في منتصف سبعينات القرن الماضي، وأنه تم إعدام خلال حكم حافظ أسد الآلاف من أعضاء الجماعة بالإضافة لعشرات آلاف المدنيين السوريين.

وبرر البيانوني موافقة الجماعة على التصالح مع النظام بأن من مبادئ الجماعة عدم الانجرار إلى مواجهة مع السلطات والحكومات، وربما فات الإخوان ملاحظة أن النظام كان يرسل لهم إشارات إيجابية فقط عندما يتعرض لأزمات داخلية أو ضغوط خارجية وأنه سرعان ما يتنكر لها مباشرة عندما يتمكن من تجاوز أزمته. 

ففي عام 1979، قال الشيخ أمين يكن أنه أخذ موافقة حافظ الأسد على مبادرة للحوار مع الإخوان واتصل بقادة التنظيم في الأردن والسعودية الذين وافقوا على المبادرة في الوقت الذي كانت هناك مؤشرات على تزايد الاستياء الشعبي داخل سوريا من النظام والذي توّج بعد أشهر بمؤتمرات لنقابات المحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين طالبت بالحرية والديمقراطية وإلغاء حالة الطوارئ والممارسات الطائفية وإطلاق سراح المعتقلين والتي انتهت بحلّ النقابات واعتقال قادتها، وكان هذا هو السبب الحقيقي وراء محاولة النظام لعب ورقة الإخوان حيث أفرج عن 500 معتقل منهم حسب البيانوني، ولكن عندما نجح النظام في تجاوز أزمته أوقف فجأة سعيه إلى الحوار. 

كذلك قال الشيخ البوطي للجماعة إن حافظ الأسد يريد عودة القيادي الإخواني السابق عبد الفتاح أبو غدة إلى سوريا، ووافقت الجماعة وأتى فعلا إلى سوريا دون أن يتمكن من لقاء الأسد، ثم تدخل الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس وبعض البعثيين الأردنيين للتوسط للإخوان عند الأسد دون نتيجة لأن النظام كان مرتاحا وقتها، أعقبتها جولتين للمباحثات في ألمانيا عام 1984 عندما كان الأسد في قمة خلافه مع أخيه رفعت، وعام 1987 بعد توتر العلاقات السورية مع الاتحاد الأوروبي، وقال البيانوني إن الإخوان قابلوا خلال المباحثات علي دوبا وحسن خليل وهشام أختيار مع أن خروج علي دوبا إلى ألمانيا مستبعد. 

وأكد البيانوني عدة مرات خلال هذه المقابلة أن حافظ الأسد كان جادّا في الحوار غير أن المجموعة العسكرية المحيطة به كانت تمنعه من تحقيق ما يريد: "أكاد أجزم أن لضباط الأمن الكلمة الأولى"، مما يعكس جهلا تاما بتركيبة النظام السوري وبحقيقة أن الأسد كان الحاكم الوحيد في هذا البلد، وأن القادة العسكريين والأمنيين الذين عيّنهم هو في مناصبهم لم يكونوا يتجرؤون على مناقشته في أي موضوع، أما الاعتراض على قرار له فلم يكن واردا أبدا، ولكن على ما يبدو أن الجماعة كانت تفضّل لسبب ما تبرئة الأسد. 

كما كان من الأمور اللافتة في مقابلة البيانوني أن مطالب الإخوان مقابل الصلح مع النظام كانت تقتصر على إطلاق سراح معتقليهم وإلغاء القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام على أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين بالإضافة إلى حرية العمل الدعوي على طريقة البوطي وكفتارو، أي أن الإخوان المسلمين بخلاف جميع القوى السياسية المعارضة للنظام السوري لم يكن لهم اعتراض على طبيعة وبنية النظام، فلم يذكر البيانوني خلال اللقاء أنهم قدموا مطالب تتعلق بالانتقال للنظام الديمقراطي أو حرية الشعب السوري.

وخلال عهد بشار الأسد أتت وساطة أحمد داوود أوغلو اعتمادا على ما سمعه أردوغان من بشار الأسد شخصيا ووافق الإخوان كما هي عادتهم، ولكن الأتراك سرعان ما اعترفوا بأن النظام غير جاد، وفي عام 2009 زار القرضاوي دمشق وقابل بشار الأسد وقال أيضا إنه سمع منه كلاما إيجابيا عن الإخوان دون أن يترتب على ذلك أي نتيجة لأن النظام السوري كان يشعر وقتها أنه في أفضل حالاته. 

وبالإضافة إلى ذلك لم يفوّت الإخوان أي فرصة للتودد من النظام دون أن يستغلوها، فعند وفاة حافظ الأسد أصدروا بيانا أكدوا فيه أن الموت لا يوجد فيه شماتة وتمنّوا أن تشهد المرحلة المقبلة شكلا من الانفراج السياسي، ثم فوجئت الجماعة بأن تفاؤلها لم يكن في محلّه، وفي عام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق أصدر الإخوان بيانا دعوا فيه النظام لعدم إعطاء الذرائع لغزو أميركي لسوريا، لأنه سيكون كارثة حسب البيانوني، الذي تابع أن الكثير من المسؤولين السوريين أثنوا على موقف الإخوان المسلمين، هذا كما أخبره إخوانه في حركة حماس. 

كما أيّد الإخوان موقف النظام السوري في إرسال "المجاهدين" من سوريا للعراق لقتال الأميركيين بما يعني عمليا وضعهم تحت قيادة الزرقاوي وأمثاله في تنظيم القاعدة رغم شكوكهم في دوافع النظام وأهدافه من وراء ذلك، وبعد حرب غزة عام 2009 انسحب الإخوان المسلمون من جبهة الخلاص مع عبد الحليم خدام وأعلنوا تعليق أنشطتهم المعارضة في سوريا والتفرغ لمقاومة "العدوان الصهيوني"، ربما عبر التودد للنظام السوري. 

وكان أغرب ما قاله البيانوني في هذه المقابلة إنه قبل أيام من انطلاق الثورة السورية في مارس 2011 أثناء مؤتمر عقد في الخرطوم، التقى هو ورياض شقفة، المراقب العام للجماعة، مع خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حيث طلبوا منه نقل نصيحة لبشار الأسد  مضمونها أنه إذا أراد أن ينقذ نفسه عليه القيام بإجراءات سريعة عملية يشعر فيها الشعب بتغيير في أسلوب النظام، وإلا فالثورة قادمة والإخوان ليسوا من سيفجرها، فاستغرب المحاور شعبان عبود هذا الكلام وقال: "سيد علي يبدو وكأنكم حريصون على مستقبل هذا النظام، ما المانع من أن تنطلق ثورة في سوريا ولماذا تطلبون من خالد مشعل أن ينقل رسالة فيها خشية على النظام فلتقم الثورة ألم تكونوا تنتظرون هذه الثورة"، ورد البيانوني بأنهم يرون أن التغيير بدون ثورة أفضل وأقل خسائر. 

وفي النتيجة يبدو مستغربا وجود هذه الرغبة بالتودد للنظام السوري عند جماعة الإخوان المسلمين التي تعرضت للإبادة على يديه، ولكن يمكن فهم ذلك عند تذكّر أن النظام السوري والإخوان ينتمون إلى محور واحد، وأن للطرفين نفس الحلفاء ففي العقد الأول من القرن الحالي كانت قطر وتركيا تحت حكم أردوغان هم حلفاء النظام السوري، الذين يشاطرونه تفس المواقف من القضايا الإقليمية، كما أن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين لا تختلف مواقفه عن المواقف المعلنة للنظام السوري حتى حول إيران رغم مشروعها الطائفي، والذي عبّر عنه يوسف القرضاوي، الأب الروحي لهذا التنظيم، في تسجيل مصوّر،  قال فيه إنه سيدافع عن إيران إذا اعتدى عليها أحد وسيقاتل دونها، لأنها دولة إسلامية ومن حقها أن تمتلك الطاقة النووية.

لأن للنظام السوري والإخوان المسلمين خصم واحد هو الغرب وثقافته وديمقراطيته وحرية الاعتقاد فيه، واحترامه لحقوق الإنسان ولحرية المرأة وحقها في المساواة التامة مع الرجل ونشر ثقافة حب الحياة وحق الإنسان بالاستمتاع فيها، فهذا الغرب القوي والثري والناجح اقتصاديا والمتفوق ثقافيا وعلميا يقدم البديل الناجح عن الديكتاتوريات والأنظمة الفردية من جهة وعن الأحزاب الدينية التي تعيش في الماضي من جهة أخرى.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.