Jordan's King Abdullah II and members of the royal family including former crown prince and half-brother Prince Hamza arriving in the Raghdan Palace in Amman
ظهر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وأخوه غير الشقيق الأمير حمزة، الأحد الماضي

حاولت أن أفهم ما حدث في الأردن، وفشلت في توصيف ما جرى، عدت لقراءة البيانات الشحيحة التي صدرت، والمعلومات النادرة التي أُعلنت، والتسريبات الكثيرة التي نُشرت؛ فوجدت نفسي حائرا أكثر.
    
تساءلت مثل غيري، هل ما وقع محاولة انقلاب؟ أم مؤامرة لأطراف داخلية وخارجية؟ أم فتنة وزعزعة للأمن؟، كل التوصيفات ممكنة، وغير ممكنة، والنتيجة التي توصلت لها مفادها أنه لا يمكن تبني رواية ما دامت المعلومات غائبة وحتى متناقضة، وما دامت الدولة تدفن رأسها في الرمال كالنعام، ولا تُسلم بحق الشعب بمعرفة الحقيقة كاملة وغير منقوصة.

أكثر سؤال يبحث عن إجابة الآن، هل أُغلقت قضية الأمير حمزة بعد أن ظهر العاهل الأردني الملك عبد الله وبرفقته الأمير، وعمه، وأشقاؤه في زيارة الأضرحة خلال احتفالات مئوية الدولة الأردنية، أم أن رقعة الخلافات تتسع؟، وكلام رئيس الحكومة د. بشر الخصاونة لمجلس النواب والأعيان على محدوديته، والتسريبات الإعلامية الداخلية والخارجية تشي أن القضية مرشحة للتصعيد، وأن الأمير حمزة حسب الاتهامات متورط في أعمال التخطيط والتحريض ضد الملك، والحكم، والدولة. 

حدود الأزمة باعتقادي لا تتجاوز أميرا غاضبا لا يلتزم الصمت، ويخرج عن البروتكولات الملكية، ويوجه انتقادات للحكم، واتهامات تؤجج الموقف ضد النظام، وتجعل منه رمزا شعبيا، وهو ما يٌقلق الملك، خاصة إذا ما اقترنت أفعاله ومواقفه بتذكيره للناس أنه كان قبل سنوات وليا للعهد.

عدت لقراءة قانون العائلة المالكة إبان إمارة شرق الأردن عام 1937، فوجدته لا يعطي حصانة للأمراء من الملاحقة القانونية، ويُتيح للأمير (الملك حاليا) أن يُجرد أيّا من أعضاء الأسرة الهاشمية من كل امتيازاته بموافقة مجلس العائلة.

ما يمكن أن يُقرأ من الأزمة التي أصبحت حديثا للعالم أن محاولات لرأب الصدع قد حدثت قبل هذا الانفجار، وأن الأمير لم يلتفت للنصائح، ولم يقبل بالسكوت، وظل يصول ويجول متحدثا عن مظلومية الناس، وكانت زيارته لأهالي ضحايا مستشفى السلط آخر شعرت قُطعت.

وما يمكن استنتاجه بوضوح أيضا أن الأمير حمزة كان مستعدا للمواجهة، وكان يعرف أن تحركاته، واتصالاته، وانتقاداته قد أزعجت الملك، واستنفرت حتى الجيش والمخابرات، ولهذا كان مُتأهبا وقام بتسجيل وتوثيق كل ما حدث؛ ليوظفه في معركته المفتوحة، ومعركة عض الأصابع.

تأكيدات الملك أن قضية الأمير ستُحل في إطار العائلة الهاشمية، وأنه تحت رعايته، تذهب في طريق مناقض للتصعيد الذي تتضمنه التسريبات التي توحى أن "انقلابا" أو مؤامرة كانت قيد التنفيذ، كاشفة عن مخطط سياسي خارجي لإضعاف موقف الأردن من صفقة القرن، مُحبطة كل ذلك في اللحظة الأخيرة، وقبل ساعة الصفر.

كل ما قيل خلف الجدران المغلقة أو في وسائل الإعلام روايات غير محبوكة، وتثُير الفزع من استمرار الإرباك والتخبط في إدارة الأزمة؛ ولهذا خرج نواب وأعيان بعد اجتماعهم المغلق مع رئيس الوزراء لينتقدوا ويشتكوا أن الرئيس لم يُبلغهم بشيء جديد، وأن أسئلتهم بقيت دون إجابات.

بعد إطلاق هاشتاق "أين الأمير حمزة" كانت مرافقة الأمير للملك رسالة واضحة أنه بخير، وليس مختفٍ قسريا، ولكن ذلك لم يضع حدا لأسئلة عن سيناريو المستقبل حول هذه القضية، وربما يفتح الباب للنقاش هل تملك الدولة بأجهزتها المختلفة سيناريو موحد لتفكيك هذه الأزمة، وهل التهدئة واحتواء التداعيات هي اللغة التي تسود، أم أن هناك من يدفع إلى التصعيد، مهما كان الربح أو الخسارة؟

الأمير حمزة رغم خطورة الاتهامات، لن يُحاكم، هذا ما يُفهم من كلام الملك وتصريحات المسؤولين، أما من اتهموا بالقضية ولا يُعرف عددهم حصرا، وأبرزهم رئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله، والشريف حسن بن زيد، فإن ما يتردد أنهم أحيلوا للمدعي العام، وحتى الآن لم تصدر لائحة اتهام بحقهم، ولم يتسنَ معرفة لأي محكمة أحيلت الدعوى، وهل سيمثلون أمام القضاء النظامي أم محكمة أمن الدولة؟

بغض النظر عن كل التفاصيل غير المعروفة، فإن المحاكمة لن تقل خطورة وإحراجا للأردن عن كل ما جرى، وكل المعلومات التي ستتكشف حكما، والأسئلة التي يمكن أن يُثيرها المحامون داخل قاعة المحكمة صواعق قابلة للانفجار.

باسم عوض الله كبش الفداء الأول في القضية، وهو الذي توجه له كل الانتقادات، وأصوات كثيرة تُطالب بالإفراج عن كل المعتقلين باستثنائه، موجهين له اتهامات بالفساد والتواطؤ، وحتى العمالة، والجليّ في الأمر أنه لا بواكي له، ولا يجد من يُذكّر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أو على الأقل أن يُحاكم في سياق محاسبة ومساءلة للحكومات والمؤسسات، والشخصيات التي كانت شريكة له في كل ما مضى، رغم أنه لم يُدن في أية قضية سابقا.

والسؤال المُقلق، ماذا سيقول عوض الله إذا تمت محاكمته، ومن هي الجهات أو الدول التي يتآمر لحسابها الأمير حمزة بالتنسيق والتعاون مع عوض الله والشريف بن زيد؟

وهل يمكن أن تُشرع الأبواب لمحاكمة سياسية قد تطال الاتهامات بها حلفاء للأردن، وهل يتحمل الأردن والنظام الكلفة السياسية لإدانات قانونية وشعبية لدول صُنفت على الدوام أنها إلى جانب عمّان؟

المحاكمة إن تمت، وهذا ما أجده صعبا، فهي مغامرة محفوفة بالمخاطر خاصة في ظل غياب الأمير الذي توجه له أصابع الاتهام، ويُصبح -والحال هكذا- عوض الله الطرف الأكثر استهدافا في ظل جمهور واسع يُناصبه العداء بشكل ممنهج، ويحمله مسؤولية الكثير من الخراب في البلاد.

سيناريو المحاكمة معضلة بحد ذاته، والمعضلة الأخرى الأكثر خطورة، كيف يخرج الأردن من هذا النفق المظلم، وهو يحتفي بالمئوية الأولى للدولة، ويستعد لولوج مئويته الثانية تحت شعار "وتستمر المسيرة"؟

والسؤال أية مسيرة وقد تصدعت جبهة النظام الداخلية، والأمير حمزة المتهم يظهر عند قطاع واسع في الشارع كزعيم وطني، والحكومة الغائبة أصبحت منتهية الصلاحية، والناس مصدومة تطرح أسئلة دون إجابات، ولا تعرف إلى أين يمضي الأردن في ظل هذه الأزمات المتلاحقة.

ما يحتاجه الأردن خطة إنقاذ وطنية مبنية على إصلاحات دستورية، وخارطة طريق تُخرجه من وحل الأزمات المتلاحقة، والنظام مطالب بتقديم تسويات تُعيد التفاف الناس حوله، أما التسويف والمراوغة، وإعادة إنتاج الحلول والوصفات الفاشلة ستدفع البلاد للخراب.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.