حاولت أن أفهم ما حدث في الأردن، وفشلت في توصيف ما جرى، عدت لقراءة البيانات الشحيحة التي صدرت، والمعلومات النادرة التي أُعلنت، والتسريبات الكثيرة التي نُشرت؛ فوجدت نفسي حائرا أكثر.
تساءلت مثل غيري، هل ما وقع محاولة انقلاب؟ أم مؤامرة لأطراف داخلية وخارجية؟ أم فتنة وزعزعة للأمن؟، كل التوصيفات ممكنة، وغير ممكنة، والنتيجة التي توصلت لها مفادها أنه لا يمكن تبني رواية ما دامت المعلومات غائبة وحتى متناقضة، وما دامت الدولة تدفن رأسها في الرمال كالنعام، ولا تُسلم بحق الشعب بمعرفة الحقيقة كاملة وغير منقوصة.
أكثر سؤال يبحث عن إجابة الآن، هل أُغلقت قضية الأمير حمزة بعد أن ظهر العاهل الأردني الملك عبد الله وبرفقته الأمير، وعمه، وأشقاؤه في زيارة الأضرحة خلال احتفالات مئوية الدولة الأردنية، أم أن رقعة الخلافات تتسع؟، وكلام رئيس الحكومة د. بشر الخصاونة لمجلس النواب والأعيان على محدوديته، والتسريبات الإعلامية الداخلية والخارجية تشي أن القضية مرشحة للتصعيد، وأن الأمير حمزة حسب الاتهامات متورط في أعمال التخطيط والتحريض ضد الملك، والحكم، والدولة.
حدود الأزمة باعتقادي لا تتجاوز أميرا غاضبا لا يلتزم الصمت، ويخرج عن البروتكولات الملكية، ويوجه انتقادات للحكم، واتهامات تؤجج الموقف ضد النظام، وتجعل منه رمزا شعبيا، وهو ما يٌقلق الملك، خاصة إذا ما اقترنت أفعاله ومواقفه بتذكيره للناس أنه كان قبل سنوات وليا للعهد.
عدت لقراءة قانون العائلة المالكة إبان إمارة شرق الأردن عام 1937، فوجدته لا يعطي حصانة للأمراء من الملاحقة القانونية، ويُتيح للأمير (الملك حاليا) أن يُجرد أيّا من أعضاء الأسرة الهاشمية من كل امتيازاته بموافقة مجلس العائلة.
ما يمكن أن يُقرأ من الأزمة التي أصبحت حديثا للعالم أن محاولات لرأب الصدع قد حدثت قبل هذا الانفجار، وأن الأمير لم يلتفت للنصائح، ولم يقبل بالسكوت، وظل يصول ويجول متحدثا عن مظلومية الناس، وكانت زيارته لأهالي ضحايا مستشفى السلط آخر شعرت قُطعت.
وما يمكن استنتاجه بوضوح أيضا أن الأمير حمزة كان مستعدا للمواجهة، وكان يعرف أن تحركاته، واتصالاته، وانتقاداته قد أزعجت الملك، واستنفرت حتى الجيش والمخابرات، ولهذا كان مُتأهبا وقام بتسجيل وتوثيق كل ما حدث؛ ليوظفه في معركته المفتوحة، ومعركة عض الأصابع.
تأكيدات الملك أن قضية الأمير ستُحل في إطار العائلة الهاشمية، وأنه تحت رعايته، تذهب في طريق مناقض للتصعيد الذي تتضمنه التسريبات التي توحى أن "انقلابا" أو مؤامرة كانت قيد التنفيذ، كاشفة عن مخطط سياسي خارجي لإضعاف موقف الأردن من صفقة القرن، مُحبطة كل ذلك في اللحظة الأخيرة، وقبل ساعة الصفر.
كل ما قيل خلف الجدران المغلقة أو في وسائل الإعلام روايات غير محبوكة، وتثُير الفزع من استمرار الإرباك والتخبط في إدارة الأزمة؛ ولهذا خرج نواب وأعيان بعد اجتماعهم المغلق مع رئيس الوزراء لينتقدوا ويشتكوا أن الرئيس لم يُبلغهم بشيء جديد، وأن أسئلتهم بقيت دون إجابات.
بعد إطلاق هاشتاق "أين الأمير حمزة" كانت مرافقة الأمير للملك رسالة واضحة أنه بخير، وليس مختفٍ قسريا، ولكن ذلك لم يضع حدا لأسئلة عن سيناريو المستقبل حول هذه القضية، وربما يفتح الباب للنقاش هل تملك الدولة بأجهزتها المختلفة سيناريو موحد لتفكيك هذه الأزمة، وهل التهدئة واحتواء التداعيات هي اللغة التي تسود، أم أن هناك من يدفع إلى التصعيد، مهما كان الربح أو الخسارة؟
الأمير حمزة رغم خطورة الاتهامات، لن يُحاكم، هذا ما يُفهم من كلام الملك وتصريحات المسؤولين، أما من اتهموا بالقضية ولا يُعرف عددهم حصرا، وأبرزهم رئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله، والشريف حسن بن زيد، فإن ما يتردد أنهم أحيلوا للمدعي العام، وحتى الآن لم تصدر لائحة اتهام بحقهم، ولم يتسنَ معرفة لأي محكمة أحيلت الدعوى، وهل سيمثلون أمام القضاء النظامي أم محكمة أمن الدولة؟
بغض النظر عن كل التفاصيل غير المعروفة، فإن المحاكمة لن تقل خطورة وإحراجا للأردن عن كل ما جرى، وكل المعلومات التي ستتكشف حكما، والأسئلة التي يمكن أن يُثيرها المحامون داخل قاعة المحكمة صواعق قابلة للانفجار.
باسم عوض الله كبش الفداء الأول في القضية، وهو الذي توجه له كل الانتقادات، وأصوات كثيرة تُطالب بالإفراج عن كل المعتقلين باستثنائه، موجهين له اتهامات بالفساد والتواطؤ، وحتى العمالة، والجليّ في الأمر أنه لا بواكي له، ولا يجد من يُذكّر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أو على الأقل أن يُحاكم في سياق محاسبة ومساءلة للحكومات والمؤسسات، والشخصيات التي كانت شريكة له في كل ما مضى، رغم أنه لم يُدن في أية قضية سابقا.
والسؤال المُقلق، ماذا سيقول عوض الله إذا تمت محاكمته، ومن هي الجهات أو الدول التي يتآمر لحسابها الأمير حمزة بالتنسيق والتعاون مع عوض الله والشريف بن زيد؟
وهل يمكن أن تُشرع الأبواب لمحاكمة سياسية قد تطال الاتهامات بها حلفاء للأردن، وهل يتحمل الأردن والنظام الكلفة السياسية لإدانات قانونية وشعبية لدول صُنفت على الدوام أنها إلى جانب عمّان؟
المحاكمة إن تمت، وهذا ما أجده صعبا، فهي مغامرة محفوفة بالمخاطر خاصة في ظل غياب الأمير الذي توجه له أصابع الاتهام، ويُصبح -والحال هكذا- عوض الله الطرف الأكثر استهدافا في ظل جمهور واسع يُناصبه العداء بشكل ممنهج، ويحمله مسؤولية الكثير من الخراب في البلاد.
سيناريو المحاكمة معضلة بحد ذاته، والمعضلة الأخرى الأكثر خطورة، كيف يخرج الأردن من هذا النفق المظلم، وهو يحتفي بالمئوية الأولى للدولة، ويستعد لولوج مئويته الثانية تحت شعار "وتستمر المسيرة"؟
والسؤال أية مسيرة وقد تصدعت جبهة النظام الداخلية، والأمير حمزة المتهم يظهر عند قطاع واسع في الشارع كزعيم وطني، والحكومة الغائبة أصبحت منتهية الصلاحية، والناس مصدومة تطرح أسئلة دون إجابات، ولا تعرف إلى أين يمضي الأردن في ظل هذه الأزمات المتلاحقة.
ما يحتاجه الأردن خطة إنقاذ وطنية مبنية على إصلاحات دستورية، وخارطة طريق تُخرجه من وحل الأزمات المتلاحقة، والنظام مطالب بتقديم تسويات تُعيد التفاف الناس حوله، أما التسويف والمراوغة، وإعادة إنتاج الحلول والوصفات الفاشلة ستدفع البلاد للخراب.

