لبنان يُقر قانون استرداد الأموال المتأتية من الفساد بعد تقديمه بأربع سنوات
مطالبات شعبية بمحاسبة الفاسدين.

ميشال عون، رئيس الجمهورية اللبنانية، يريد أن يبدأ التدقيق الجنائي بملف الفساد من مصرف لبنان، ونبيه بري يريده أن يبدأ من وزارة الكهرباء، أما سعد الحريري، رئيس الحكومة المكلف، فله قدم في كلا الموقعين، والأرجح أنه يراهن على أن تطيح رغبتا عون وبري بالتدقيق، والأرجح أيضاً أن تطيحاه.

ميشال عون تم تلزيمه بملف الكهرباء لنحو 15 عاماً، أنفق خلالها من المال العام نحو 40 مليار دولار عبر صهره جبران باسيل، وعلى رغم ذلك يعيش لبنان اليوم بعتمة شبه كاملة. أما نبيه بري فقد نجح في أن يفرض على لبنان معادلة أن وزير المالية يجب أن يكون شيعياً، ومن حصته. وفي زمن تولي المقرب منه علي حسن خليل الوزارة، أقدمت المصارف اللبنانية وبالتواطؤ مع مصرف لبنان ووزارة المالية على السطو على ودائع اللبنانيين! اذاً أيهما يستحق أن يُباشر التدقيق الجنائي معه وفيه؟ أي من الفسادين كان وقعه أشد وطأة على اللبنانيين؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست بديهية، ذاك أننا حيال جبلي فساد هائلين، وخلفهما تتحصن طوائف اللبنانيين، وتتوسطهما خطوط فساد موازية، ويقف خلفهما راع واحد يتطلع لأن يتواصل سجال "من أين يجب أن يبدأ" حتى يطيح بالتدقيق وتنعم الطوائف بقادة منزهين عن المحاسبة. وراعي الفسادين ليس سوى حليف حركة أمل والعونيين، أي حزب الله وسلاحه ومحوره، صاحب الكلمة النهائية بكل شيء في لبنان، وهو أيضاً صاحب اليد الطولى بالفساد اللبناني على رغم ما يلابس سيرته من ترفع عن الفساد.

نعم، الفصام اللبناني هو فصام بين فسادين خلفهما راع واحد. أما الفساد الثالث، وهو الفساد الحريري، فهو متقادم ومتعثر هذه الأيام بفعل إقصاء الحريرية عن مواقع القرار، إلا أنها تواصل اشتغالها في مناطق أقل إغراء لا تكفي لمعالجة الإفلاس الذي يكابده وريثها سعد. وهذه الحقيقة أخلت بتوازن ماكينة الفساد وعززت من فئويته، وهو ما يسعى حزب الله إلى رأبه عبر إصراره على تسمية الحريري رئيساً، فعساه بذلك يعيد للفساد توازنه.

السياسة في لبنان هي أمران لا ثالث لهما. هي سلاح حزب الله والفساد، وهما إذ يشتغلان بموازاة بعضهما بعضاً، يغذي واحدهما الآخر بطاقة اشتغال استثنائية الفعالية. حزب الله يُكافئ المنتصرين لسلاحه بغنائم الفساد، ويعاقب المتذمرين من هذا السلاح بكف يدهم عن هذه الغنائم، ويتولى الآخرون فرض فسادهم على اللبنانيين بمساعدة الحزب. وهكذا نعيش نحن اليوم رقصة فالس بين عون وبري على وقع عزف حسن نصرالله بينهما موسيقى السلاح بصفته الحقيقة الثابتة التي تستحق أن نعيش كارثة الانهيار الكامل في ظلها. فالسلاح حقيقة تتقدم على كل ما عداها، تتقدم على جوع اللبنانيين وعلى صحتهم وعلى مستقبل أولادهم.

وحقيقة أن السياسة هي في لبنان هي ثنائية سلاح حزب الله والفساد تنسحب على كل شيء، ومثلما ثبّت حزب الله حقيقة أن السلاح أهم من لبنان واللبنانيين، فقد ثبّت شركاؤه معادلة أن الفساد هو وظيفة السياسة في ظل السلاح، وأن لا أمل في قيام لبنان من دون اقتصاد الفساد وجغرافيا الفساد وطوائف الفساد. 

ومثلما يعتقد الحزب أن سلاحه قدراً دائماً ومتواصلاً ولا نهاية لوظيفته، فإن شركاء الحزب يعتقدون أن لا قيامة أخرى للبنان من دونهم ومن دون فسادهم. وهذان اعتقادان غير واقعيان، ذاك أن لكل ظاهرة نهاية. نهاية السلاح قد تكون حرباً مأساوية وتراجيديا طائفية، بما أن "اليد التي ستمتد إليه ستقطع" بحسب تعبير أمين عام حزب الله حسن نصرالله، ونهاية الفساد قد تكون انهياراً للهيكل طالما أن إمكان الإصلاح مستحيلاً على نحو ما تؤشر الوقائع اللبنانية. 

وفي ظل كل هذا، لبنان سائر نحو نهاية غامضة وحتمية، لا قدرة لنا على استشراف شكلها، ذاك أنه لم يسبق لنا أن اختبرنا نهاية بلد حتى نتمكن من التوقع. لكن الأكيد أن لا أفق لوقف الفساد طالما أن السلاح حقيقة ثابتة لن تتغير في المدى المنظور على الأقل. وفي مقابلها لا يملك لبنان قوة البقاء في ظل ما تفرضه من واقع. ميشال عون ونبيه وبري وسعد الحريري حقائق ثابتة في ظل حقيقة أقوى منهم ومنا. إنها حقيقة السلاح، والفساد المسلح... أما سؤال من أين نبدأ التدقيق الجنائي، فهو لا يحضر إلا بصفته طريقاً للإطاحة بالتدقيق.   
 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.