FILE PHOTO: U.S. Army specialist William Lembo from Brooklyn, New York (C) with the 1st platoon, Delta Company, 2nd Battalion,…
بايدن حدد 11 سبتمبر موعدا لسحب القوات الأميركية من أفغانستان

قرار انسحاب الرئيس الأميركي، جو بايدن، من حرب أفغانستان في سبتمبر المقبل ليس بالمفاجئ بعد عشرين عاماً و2.4 تريليون دولار أنفقتها أميركا في حرب لا نهاية لها، وستخرج منها باكستان الرابح الأكبر أمام الفراغ الدولي والتضعضع الداخلي.

باكستان دخلت الحرب مترددة في 2002، ولم تكن يوماً على قناعة بالمهمة الأميركية هناك، حافظت على تحالفها فوق وتحت الطاولة مع حركة طالبان والقبائل الحدودية طوال تلك الفترة وكانت ملاذاً لأسامة بن لادن. الحدود الطويلة بين الجانبين، دور الاستخبارات الباكستانية (ISI) بدعم طالبان منذ السبعينات وحتى اليوم، إلى جانب الحاجة الغربية والأميركية لإسلام آباد في مرحلة ما بعد الانسحاب، يجعلها صاحبة الأوراق الأثمن اليوم. 

قرار بايدن بالانسحاب ليس مفاجئاً بأخذ بعين الاعتبار تاريخ الرئيس الأميركي ومواقفه من الحرب. فهو كان من الأصوات حول باراك أوباما في 2010 التي نصحته بالانسحاب يومها بدل زيادة عدد القوات، مقابل ترك قوة لمكافحة الإرهاب في دولة مجاورة. أوباما لم يصغ لنائبه يومها، أصغى للجيش واستمر في حرب وتكتيكات لم تفلح لا بهزيمة طالبان ولا بالنهوض بأفغانستان. 

حتى أن الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف نصح أوباما بالانسحاب، مستندا إلى تجربة السوفيات في أفغانستان والفشل خلال 10 سنوات في هزيمة المجاهدين هناك قبل الانسحاب عام 1989. 

"أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات" تعود اليوم لتذكر الغرب بعد السوفيات بأن الاحتلال العسكري لا يشتري الانتصارات من دون تحالفات داخلية وجهود ديبلوماسية، حتى مع حركات التمرد مثل طالبان. 

اليوم طالبان تخرج منتصرة فوق أشلاء الدولة المركزية في كابل، ومن خلال مفاوضاتها مع الأميركيين عبر قطر وتركيا وباكستان. حتى لو لم تعد طالبان إلى الموقع القيادي الذي كانت فيه قبل الغزو في 2001، فهي القوة المسلحة الأكبر على الأرض وستهيمن على الأقل في جنوب البلاد. 

أميركا تدرك انتصار طالبان وتراهن على انقسامات داخل الحركة نفسها وقنوات دبلوماسية ومقايضات معها تمنع العودة إلى تحالفها مع القاعدة. هناك تقاطع بين أميركا وطالبان بمحاربة داعش التي تنافس الحركة الأفغانية، وفي ضمان تفاهم اقتصادي يتيح وصول المساعدات الإنسانية لأفغانستان، وحتى في المناطق التي تسيطر عليها الحركة.

من هنا يأتي أيضا مكسب باكستان من الانسحاب الأميركي وكالطرف الخارجي الأقرب لطالبان. فإسلام آباد لا تريد انهيار أفغانستان وفوضى تمتد إلى حدودها، وبالتالي ستستخدم نفوذها داخل الحركة لضمان مصالح الاثنين. 

باكستان قد تتعاون أيضا مع واشنطن مقابل مساعدات وعلاقة عسكرية واستخباراتية وثيقة بواشنطن. هذا قد يعطي إدارة بايدن نافذة لإقامة قاعدة عسكرية أو ضمان وجود في باكستان للتدخل في أفغانستان، في حال اضطر الأمر. أوزبكستان هي أيضا ضمن قائمة الدول التي قد يختارها الجانب الأميركي لمحاولة الحفاظ على وجود مجاور لأفغانستان، لمراقبة ومحاربة الخلايا الارهابية هناك.

الدول الغربية ستحاول أيضا توطيد علاقتها مع باكستان خصوصا في الجانب الاستخباراتي، لمنع خطط إرهابية تحاك في أفغانستان لضرب الغرب كالتي رصدتها ألمانيا العام الفائت. 

في هذه المعادلة تقف باكستان لحصد مكاسبها بعد الانسحاب الأميركي من تحالف قديم العهد مع طالبان، الطرف الأقوى في الداخل الأفغاني، وكشريك ضروري جغرافيا واستخباراتيا للغرب بعد خروجه من "مقبرة الإمبراطوريات".

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.