روسيا تستعد لإقامة قاعدة بحرية على الحدود الجزائرية مع المغرب
روسيا تستعد لإقامة قاعدة بحرية على الحدود الجزائرية مع المغرب

عاد موضوع عزم روسيا إنشاء قاعدة عسكرية في الجزائر إلى صدارة الأخبار، وهو الخبر الذي سارعت الجزائر إلى نفيه لما راج أول مرة في الأعوام الأخيرة، ثم أعيد الكلام عنه نهاية السنة الماضية إثر إقرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بمغربية الصحراء وتطبيع المغرب علنيا مع إسرائيل. في البداية حرصت مصادر أمنية جزائرية مأذونة على كون التصريح "ليس في نية الجزائر إقامة قاعدة عسكرية روسية بأراضيها". ونفي "نية الجزائر إقامة قاعدة عسكرية روسية أو لأي دولة أخرى على أراضيها"، مشيرة إلى أن الجزائر التي ترفض إنشاء قواعد عسكرية غربية بدول الجوار "لا ترضى لنفسها فعل ذلك ومعاكسة توجهاتها ومبادئها".

ورددت مصادر أخرى الصدى قائلة إن "ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام الأجنبية هو محض افتراءات "صهيو – مغربية" تهدف للتأثير على الجزائر، وأن ترويج إقامة قاعدة عسكرية روسية بالجزائر جاء في أعقاب رغبة الرباط في نقل مقر القيادة العسكرية الأميركية بأفريقيا من ألمانيا إلى مدينة الداخلة الصحراوية المحتلة".

ولتأكيد زيف الخبر، تم التذكير برفض الجزائر لعرض سابق مماثل عائد إلى 2003 لإقامة قاعدة عسكرية بحرية صينية.

إلا أن الموضوع عاد بقوة بداية هذا الأسبوع، ليتصدر عناوين الأخبار التي نشرتها مواقع صحفية مقربة من دوائر القرار في الجزائر، سرعان ما التقطتها مثيلتها في الرباط ليتفاعل معها الإعلام المغربي بلغة البوليميك والتصعيد المعتادة بين الجارين.

بحسب ما يروج، فإن روسيا تستعد لإقامة قاعدة بحرية على الحدود الجزائرية مع المغرب، وتم تحديد ولاية وهران. وضمن هذا الإطار تأتي الزيارات التي قامت بها وفود عسكرية روسية إلى الجزائر في الأشهر الثلاثة الماضية. وأورد مصدر جزائري، أن الوفود الروسية تفقدت بشكل دقيق قاعدة "المرسى الكبير"، وهي أقرب قاعدة بحرية من الحدود المغربية - الجزائرية، في أفق إنشاء قاعدة دائمة للقوات البحرية الروسية في وهران. وقد أفصحت صحف جزائرية أن الغواصات الروسية يمكن أن تتمركز لتنطلق من قاعدة "المرسى الكبير". إلا أن هذه المعلومة ظلت من دون تأكيد، نظرا للتكتّم الشديد المحيط بهذا الشأن الموصوف بـ"الحساسية" الزائدة".

مما تم تسريبه أن موسكو تسعى إلى تدارك الوقت وعدم تضييع الفرص في منطقة تشهد تموجات وتغيرات دائمة وغير مستقرة. لا سيما مع تمركز قوى دولية وإقليمية في شمال أفريقيا، في ما يشبه الرّد على الإنزال التركي في غرب البحر الأبيض المتوسط، وعلى تحرّكات الأميركيين في الصّحراء الغربية.

لم يستبعد مراقبون في المغرب إقدام الروس على إنشاء قاعدة لهم فوق التراب الجزائري. بل "إنها مسألة واردة بقوة"، كما ذهب إلى ذلك الخبير الأمني محمد شقير، في تصريح له لموقع "هسبريس"، حيث أرجع دواعي ذلك، إلى "التسابق بين المغرب والجزائر بشأن تشييد القواعد"، خاصة بعد الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء. الذي تبعه تزايد في التنسيق بين موسكو والجزائر. وكرد على تحركات المغرب الأخيرة، خاصة في المنطقة الشرقية، ويلتقي هذا مع إرادة روسية في تعزيز مكانتها وتواجدها الاستراتيجي في غرب بحر الأبيض المتوسط".

كان لاعتراف الرئيس دونالد ترامب بمغربية الصحراء، في ساعاته الأخيرة بالبيت الأبيض، واقتران هذا الاعتراف الأميركي بصفقة تطبيع المغرب مع إسرائيل، شكل زلزال وصدمة صاعقة لدى جنرالات الجزائر، الذين يرعون النزاع في الصحراء الغربية ويحافظون على تأجيج جمرته منذ ما يقارب نصف قرن لارتباطه بمصيرهم في السلطة. الأمر الذي استنفرت معه المؤسسة العسكرية الجزائرية لتحسم بإبعاد خيارات التردد، عندما تم في السابق رفض الطلب الصيني (سنة 2003)، ونظيره الطلب الروسي (2013)، وما رافقه من عروض وتسهيلات وامتيازات خاصة، في حال الموافقة على إنشاء قواعد بحرية صينية أو روسية بالأراضي الجزائرية.

طبيعي أن تستجيب الجزائر لخيار روسيا، نظرا للتحالف الاستراتيجي التاريخي بين البلدين منذ عهد الاتحاد السوفياتي المنهار، واعتبارا لكون الجزائر تصنف في المرتبة الخامسة بين زبائن روسيا المقتنيين لأسلحتها، فالتعاون العسكري كان دائما في قلب العلاقات بين موسكو والجزائر، ورغم التكتم الذي يعرفه تطور العلاقات الاقتصادية، فإن البلدين يشتركان في أولويات ومرتكزات مشتركة.

في خضم التوترات بين الجزائر والمغرب بسبب النزاع حول الصحراء الغربية، وفي ظل الحرب الباردة وما تلاها، شكلت موسكو ملاذا للجزائر، لجأت إليه باستمرار للحصول على السلاح الروسي. لكن العلاقات الجزائرية السوفييتية تتجاوز التزود بالأسلحة لتصل إلى المساهمة الروسية في تطوير قطاع التعدين الجزائري واستقبال أعداد كبيرة من الطلبة الجزائريين بالمعاهد والجامعات الروسية، من شكلوا لاحقا أطرا تقنية عليا وضباطا في المؤسسة العسكرية الجزائرية استفادوا من تداريب وتكوين في الاتحاد السوفياتي.

وإذا كانت أغلبية الأطر العليا بالجزائر التي تهيمن على أهم القطاعات في الجزائر بما فيها قطاع النفط والغاز، هي ذات تكوين فرنسي فرنكفوني، أو أميركي أنغلوفوني، فإن النفوذ الروسي يتجلى أكثر داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، من خلال الضباط الكبار المشرفين على قيادة أركان الجيش الجزائري، وغالبيتهم أطر تخرجت من الاتحاد السوفياتي. مثل رئيس الأركان الحالي الجنرال سعيد شنقريحة، كما أن سلفه الماريشال المرحوم أحمد قايد صالح، تدرب أيضًا في الاتحاد السوفيتي. 

وبما أن روسيا لا تخفي برنامجها المتطلع لتصدير خبرتها في مجال الطاقة النووية المدنية إلى المنطقة العربية، فقد تم في سنة 2014 التوقيع على اتفاقية جزائرية - روسية في هذا الشأن. وتقضي بتقديم وكالة "روساتوم" الروسية مساعدة الجزائر كي تطور صناعة نووية مدنية. وفي عام 2016 وقعت شركة "روساتوم" واللجنة الجزائرية للطاقة الذرية إعلان نوايا ينص على بناء روسيا لمفاعل نووي وتزويد الجزائر بالوقود النووي. وبعدها بسنتين (2018) تمت مناقشة هذا التعاون الثنائي في المنتدى الدولي للطاقة النووية في سوتشي، ومن المقرر إنشاء هذه المحطات في 2025-2030.

قبل أقل من سنة نشرت الصحيفة الألمانية "بيليد" ملخص تقرير نسبته إلى تسريب من دوائر الخارجية الألمانية. تناول التقرير خطط روسيا لبناء قواعد عسكرية في أفريقيا، وكشف أن روسيا ماضية في تنافسها مع الدول الغربية والصين لدخول أفريقيا بغاية الوصول على الموارد الطبيعية للقارة، وعقد صفقات السلاح وتأمين دعمها في المحافل الدولية. وأن موسكو في طريق الحصول على تأكيدات لإنشاء ست قواعد عسكرية في دول ذات أنظمة ديكتاتورية في القارة الأفريقية، من جمهورية أفريقيا الوسطى ومصر وإريتريا، إلى موزامبيق ومدغشقر والسودان. وأن "القواعد العسكرية هي جزء من طموحات روسيا الجديدة في أفريقيا". ولم يفت التقرير الإشارة إلى دور شركة "فاغنر" المختصة في تدريب جيوش المرتزقة، مثل دعمها للجنرال المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا. إذ وصف التقرير المشار إليه شركة " فاغنر" بالمقربة من الكرملين. وأن موسكو تستخدم هذه الشركة لصالح الأنظمة المستبدة لقمع شعوبها. ما مكن روسيا أن تشكل المصدر الرئيسي للسلاح لعدد من دول القارة، بنسبة تفوق الولايات المتحدة وفرنسا والصين.

وكشفت مصادر إعلامية في يونيو 2020 اعتزام الجزائر، تشييد قاعدة عسكرية استراتيجية على حدودها مع المغرب، يأتي كرد جزائري على "استفزاز مغربي صريح"، بعد تشييد المغرب قاعدة على بعد 38 كم من الأراضي الجزائرية. وأن الجزائر تبني القاعدة الجديدة "لحماية حدودها وأمنها القومي من المخاطر والتهديدات المباشرة، من الجانب الآخر". وذكرت المصادر ذاتها، أنه بحسب تقارير استخباراتية فإن "القاعدة العسكرية المغربية يديرها خبراء عسكريون وأمنيون إسرائيليون بالشراكة مع القوات المغربية، وأنها موجهة بالأساس ضد الجزائر".

لم تبق روسيا بعيدة عن نزاع الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر، بل سارعت إلى البحث عن دور لها في هذا النزاع الموروث من عهد الحرب الباردة زمن الاتحاد السوفياتي.

استطاعت روسيا أن تمارس قدرا واضحا من التأثير في النزاع الجزائري - المغربي حول الصحراء الغربية، خصوصا على مستوى الأمم المتحدة. لتلعب دورها الجيوسياسي الأكثر إثباتاً للوجود في هذا النزاع الإقليمي. 

 وبعد حادث الكركرات (نوفمبر 2020) وموقف جبهة البوليساريو بتخليها عن اتفاقية وقف إطلاق النار وإعلانها مواصلة الحرب، سجل المغرب تفوقه العسكري بشكل ملحوظ، آخر ما حصل قبل أسبوعين هو مقتل مسؤول عسكري رفيع من قوات البوليساريو (القيادي الدّاهْ البندير) بطائرة مغربية من دون طيار. تردد أنها من صنع إسرائيلي وخلف إطلاقها خبراء إسرائيليون.

في المقابل يعتبر الجار المغربي منذ السنوات الأولى للاستقلال عن فرنسا (1956)، حليفا استراتيجيا تقليديا للغرب وللولايات المتحدة الأميركية، حيث ساندت أميركا المغرب في نزاعه في الصحراء الغربية بتمكينه من الأسلحة المتطورة، خاصة في مجال الطيران الحربي. لكن الرباط لم تفرط في نسج علاقات متوازنة مع الاتحاد السوفياتي ووريثته روسيا.

ولأن الحرب الباردة كانت في أوجها فقد انحازت البوليساريو إلى الاتحاد السوفياتي طمعا في دعم المعسكر الشرقي، خاصة وأن الجبهة ظهرت في البداية بأفكار ومنطلقات اشتراكية تحررية، وهو ما استفادت منه، خاصة من كوبا فيديل كاسترو. إلا أن الأمور بدأت تتدهور مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتوقف المساعدات التي كانت تتلقاها الجبهة الانفصالية، ومع التحولات الناشئة التي طرأت باختراق جيل جديد من قوات البوليساريو يتبنى الفكر الأصولي، لم يتأخر في ضبط تحالفات انتهازية مع الإرهاب الإسلاموي وتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

ثم بدأنا نشهد انتقادات روسيا لسياسات الجبهة الانفصالية، مثل التعاطي مع أزمة الكركرات وإغلاق المعبر الحدودي الدولي الهام. ولأن روسيا تجمعها مصالح مشتركة مع كلا الجانبين في النزاع، فقد حرصت على نهج سياسة متوازنة ومحايدة في ملف الصحراء الغربية، دون تطلع واضح للعب دور الوساطة، ومن دون أن تفقد شيئا من موقفها الجيوسياسي العام. وتأرجحت على حبل الجانبين بأريحية، بإعلانها الالتزام بدعم جهود الأمم المتحدة "في إطار من الواقعية والمرونة". رغم أن الموقف الروسي بدا في أوقات معينة كأنه يصب في صالح المغرب، وفي أحيان أخرى يدعم جبهة البوليساريو. 

واضح أن المغرب كانت لديه دائما مخاوف من أن تتمتع الجزائر بموقع الأفضلية عند روسيا، كما يؤكد ذلك مركز الدراسات الدولية في جامعة كامبريدج. إلا أن هذه المخاوف التي وصفت في البداية بالمبالغة في تصويرها لنفوذ الكرملين، اعتمادا على كون شمال أفريقيا ليس ضمن الأولويات الروسية، أكدت التطورات اللاحقة صحة الموقف المغربي.

ومن أجل فهم العلاقات الروسية الجزائرية بكاملها وتعقيدها، ينصح بعض المحللين الفرنسيين بوجوب الرؤية إليها من منظار المنطلقات الجيوسياسية المشتركة، مع الموقف الروسي من الحراك الشعبي القائم منذ عامين في الجزائرية.

إن ما يجري في المنطقة المغاربية، وضمنه الوضع الليبي، ليس سوى عودة صريحة لسياسة استقطاب المحاور والارتهان للأحلاف العسكرية الكبرى، وإشعال لفتيل الحرب الباردة، (والكلام عن البرودة في الحروب ليس كيميائيا). كل ذلك يجري على حساب ضرب مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، وتوجيه الطاقات والموارد صوب الإغراق في الإنفاق العسكري. أي على حساب السيادة والتضامن والتعاون بين الأشقاء المغاربيين. ما يعني أن المنطقة ولا ريب مقبلة على مزيد من خلط الأوراق والإرباك، ورهن آمال الشعوب إلى آجال غير قريبة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.