مجرد مصادفة زمنية جمعت بين تاريخ الذكرى 46 لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، في الثالث عشر من أبريل الجاري والأول من شهر رمضان، الذي افتتح موسمه الدرامي بمسلسل يحمل اسم دفعة بيروت، بحيث بدت المفارقة جارحة في توقيتها بين استرجاع ذكرى موجعة لحرب التهمت معالم واحدة من أعرق وأجمل المدن العربية، ومسلسل سيستعيد العديد من هذه المعالم وجمالياتها قبل سنوات قليلة من احتراقها.
تستكمل دراما دفعة بيروت كجزء ثانٍ ما بدأته في مسلسل دفعة القاهرة، الذي عرض قبل عامين، مع قصص وشخصيات مختلفة ضمن إطار جغرافيا وبيئة أخرى، إنما دون الابتعاد عن الهدف العام الذي يتمحور حول عوالم ومصائر مختلفة لمجموعة من الطلبة الكويتيين الذين أوفدوا للدراسة في حقبة الستينيات، مرة إلى جامعة القاهرة، وأخرى إلى الجامعة الأميركية في بيروت.
يُستحضر المسلسل هنا بوصفه أنموذجاً طازجاً لإنتاج عربي يحمل نصف عنوانه اسم بيروت المثير درامياً، ليس بغرض إطلاق حكم نقدي مبكر عنه وهو مازال في حلقاته الأولى، بل كمحاولة لاستشفاف تأثير بيروت العميق في الوجدان العربي، وثقل رمزيتها كمكان وزمان يلعبان في الخلفية دور البطولة الكبرى كحاضنين مؤثرين لجميع الحيوات التي يحتويانها.
يمهد صناع العمل في الإعلان الترويجي المرافق للعمل لعناوين عريضة شهية، تتحدث عن الانفتاح والتعددية والتعايش التي توصّف سمات المشهد اللبناني العامة في المعتاد. ولترجمة هذه العناوين درامياً، سنتلمس بداية التأثير البيروتي على الناحية الشكلانية، بحيث ستتميز المشهدية العامة من ديكورات وإكسسوارات وأزياء نسائية وذكورية تخص جميع الشرائح والفئات العمرية، أبرزها أزياء أبطال العمل الجامعيين، بصفات الأناقة المفرطة الممتزجة بوضوح مع ألوان الموضة التي درجت في مرحلة الستينيات.
وفي إضافة درامية بدت موفقة في بُعدها التوثيقي، سنكتشف خليطاً جديداً من شخصيات عربية مضافة لدفعة بيروت، بحيث لن يقتصر حضور الطلبة الكويتيين كلاعبين رئيسيين للأحداث، بل سيفسح النص في المجال لمشاركة طلاب وزملاء سكن جامعي من فلسطين وتونس وسوريا ولبنان، ستتيح لهم أجواء الحريات التي تغلف الفضاء اللبناني، وبشكل خاص حرية التعبير، الكشف عن موروثاتهم وهواجسهم وأيديولوجياتهم المتباينة، وتسمح بتلاقيها أو تصادمها.
بحيث تبدو الجامعة، زمنياً ومكانياً، الاختيار الأمثل الحاضن لهذه التباينات البيئية والثقافية والاختلافات العقائدية والسياسية والتعايش الطوعي مع المختِلف، رغم تمرير النص في أولى حلقاته لجملة حوارية تطالب بحماية التعليم من تأثير الفكر أو العمل السياسي تحت سقف الحرم الجامعي، وهو مطلب ستتلقفه الأنظمة الشمولية لاحقاً، وستدفع ثمنه مريراً أجيال عربية قادمة في السنوات التالية.
من عاش مرحلة الستينيات، يتذكر جيداً الأجواء العربية العامة التي سادها الانفتاح والتعددية والتعايش، ولم تكن محصورة ببيروت فقط، بل شملت دمشق كعاصمة مع جامعتها وأزياء سكانها واختلافاتهم السياسية والعقائدية والفكرية، وأيضاً القاهرة وبغداد والكويت كحاضرات علم وثقافة وتمدن وانفتاح سياسي مع جامعاتهم ولو بنسب مختلفة، الأمر الذي يقود إلى التساؤل هنا عن مكمن الخصوصية اللبنانية في هذا الإطار؟
إن نظرة استرجاعية سريعة للعقود الخمسة التالية التي تلت مرحلة الستينيات، ستفي بالجواب عن تراجع ملفت لمعظم هذه العواصم، أشبه بالفجوة، وأحياناً القطيعة مع الأجواء العامة السابقة من حيث الانفتاح المطلوب أو التعددية السياسية وتراجع حرية التعبير بما يشبه التشظي.
وحدها بيروت دون كل العواصم العربية من حافظت على كل ما تَقدم رغم الحرب وخلال الحرب ومع جميع الكوارث والنكبات التي ألمت بها ولاتزال. بيروت التي لا تُختصر برؤية سياحية عن ألوان الموضة وتراثها اللامادي من طعام وفنون وغيره فقط، إذ تكمل هذه المنمنمات بهاء نسيجها الحقيقي الذي ميزها عن سواها، وجعل من روحها عصية على التدجين.
يلح البحث دوماً عن روح بيروت بين ثنايا أي عمل أو رؤية درامية أو فكرية تقدم عنها أو تستحضرها كخلفية، بغرض التأكد من جدوى تلاقحها مع الغرباء، وما إن أضاف الوافدون إليها أية إضافة هامة، وأين نجحت هي في لعب خصوصيتها والتغلغل إلى بنيتهم النفسية بحيث تماهوا، ولو قليلاً، في فهم هذه الروح وأعادوا إنتاجها لاحقاً في مسيرة حياتهم الشخصية أو نتاجهم أو تأثيرهم المجتمعي.
رُوّج لبيروت في هذا العمل بفعلٍ ماضٍ على أنها (كانت)، لكن من يفهم روح هذه المدينة الاستثنائية، يدرك أنها كانت ومازالت وستبقى، حتى لو بدت هذه الرؤية اليوم واهمة بعض الشيء أو غير واقعية بالمطلق، لكنها تبقى لعاشقها المسار الأوضح الذي يقاوم بضراوة لمنع العابثين من كل محاولة لزوالها.
