حشد القوات الروسية في أوكرانيا سيكون أبرز أولويات المفاوضات
حشد القوات الروسية في أوكرانيا سيكون أبرز أولويات المفاوضات

تشكل أوكرانيا جزءا أساسيا من الوعي الجماعي الروسي، المرتبط بعلاقة تأسيسية بينهما يتجاوز عمرها 12 قرنا، بدأت مع هجرة القبائل السلافية إلى السهوب الأوكرانية بداية القرن التاسع والاستيطان في مناطق نوفغورد ولادوغا وكييف، وتأسيس ممكلة (كييفك –روس) سنة 880 ميلادية، والتي ضمت غرب أوكرانيا وكافة بلاروسيا وأغلب أراضي روسيا الحالية، وصولا إلى اعتناق هذه القبائل السلافية للمسيحية الأرثوذكسية على يد الحاكم الروسي فلاديمير الكبير بداية الألفية الثانية، الذي شكلت تحولا سياسيا وروحيا في التاريخ المشترك بين البلدين، ما سهل على أوكرانيا أن تكون في 30 من ديسمبر 1922 دولة مؤسسة للاتحاد السوفياتي.

كان الزعماء السوفيات الأوائل يرون أوكرانيا الرأس، لذلك عملوا على ضمها مبكرا إلى جسد اتحادهم، حتى يضمنوا ولادته سليما. هذا التعريف الذي ينسبه البعض إلى الزعيم الشيوعي فلاديمير لينين، لم يزل راسخا ليس فقط في عقل صناع القرار الروسي، بل عند منظري الفكر القومي ودُعاة إعادة بناء الإمبراطورية تحت ذرائع دينية وإثنية، حيث لم تزل أوكرانيا في نظرهم إلى الآن جزءا من الأراضي الروسية.  

منذ الثورة البرتقالية 2004، شكلت أوكرانيا عقدة جيوسياسية أرّقت صناع القرار في الكرملين، الذين فشلوا في إعادتها إلى حضيرتهم، وهم يواجهون الآن تمردا جيواستراتيجيا على الثوابت التي حكمت العلاقة بينهما منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، لذلك لجأوا إلى استخدام كافة أدوات الضغط والتلويح بالخيارات غير الدبلوماسية، والتي وصلت إلى ذروتها في الأيام الأخيرة بعد تصاعد الاحتمالات عن عمل عسكري روسي مباشر، لن تتردد موسكو في اتخاذه، إذا تجاوزت كييف الخطوط الحمراء وخرجت من المنطقة الرمادية، وقامت بخطوات تربطها أكثر مع المحور الغربي.

عوامل عديدة رفعت منسوب القلق الروسي من خيارات كييف المقبلة، في مقدمتها قناعة موسكو بخسارة السيطرة نهائيا على القرار السياسي الأوكراني، الذي ترافق مع سقوط مدوّ للسياسيين الأوكران من المؤيدين لها وتراجع شعبيتهم إلى نسبة ما دون 15%، لكن يبقى العامل الأكثر حساسية بالنسبة للروس هو التدخل المباشر للإدارة الأميركية الجديدة في الشؤون الأوكرانية وتبنيها الكامل لموقف كييف واستعدادها لتقديم الدعم الكامل في أي مواجهة مع موسكو.

عمليا لم تنتظر موسكو انتشار قوات من الناتو على الحدود مع أوكرانيا، أو الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تزويد كييف بمزيد من الأسلحة الفتاكة، لذلك بدأت استعداداتها لأي مواجهة محتملة قد تستدعي عملا عسكريا رادعا، يعيد خلط الأوراق الإستراتيجية والسياسية في أوروبا، خصوصا أن النخب العسكرية الروسية تراهن على سيناريو جورجي يعتمد على تفوق القدرة النارية الروسية، إضافة إلى صعوبة التدخل الأميركي المباشر أو غير المباشر في المعركة، ما يساعد موسكو على حسمها بسرعة وتحقيق أهدافها السياسية في إضعاف حكومة كييف، والاستراتيجية في إبعاد الناتو عن حدودها.

منذ وصول جو بادين إلى البيت الأبيض قرعت موسكو ناقوس الخطر، وتهيأت للتعامل مع إدارة أميركية تنتمي عقائديا لمرحلة الحرب الباردة وتستخدم لغة عدائية ضدها، وأزعجها إصرار واشنطن على دعوة الأوروبيين إلى وضع حدّ لنفوذها والتخطيط لتطويقها داخل مناطق نفوذها التاريخية، الأمر الذي جعل من أوكرانيا ساحة لتصفية حسابات روسية أميركية، دفعت موسكو المستفزة والحذرة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة في أوروبا، إلى الاستعداد لحرب استباقية محدودة، تردع من خلالها الناتو الذي يحاول هو أيضا ردعها. 

وفي هذا الصدد يقول الخبير في العلاقات الدولية في المعهد الأوكراني للمستقبل إيليا كوسا "نتوقع زيادة في الدعم الأميركي لأوكرانيا دون المخاطرة بضمها إلى الناتو، الأمر الذي سيفتح أبواب جهنم، وفي المقابل ستزحف روسيا شيئا فشيئا بقواتها، استعدادا لحرب حتمية في المستقبل القريب أو البعيد".

وعليه، فإن الدول المعنية في المواجهة الأوكرانية دخلت مرحلة الاختبار. موسكو لا يمكن أن تساوم على ما تعتبره ثوابت أمنها القومي، وصورة نظامها السياسي داخليا، أما واشنطن فإن مصداقية الإدارة الجديدة داخليا وخارجيا باتت على المحك. 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.