صرنا أفقر دولة في العالم مع أغرب انهيار اقتصادي شامل
صرنا أفقر دولة في العالم مع أغرب انهيار اقتصادي شامل

بعد أربع سنوات يكون قد مرّ نصف قرن على حرب 1975. عشنا منذ ذلك الحين سنوات وسنوات، بحلوها ومرّها، بحروبها وسلمها المستقطع، لكن لم يصل الوضع في اي وقت الى الحضيض الذي نعيشه الآن.

صرنا أفقر دولة في العالم مع أغرب انهيار اقتصادي شامل، تتسبب به طبقة حاكمة لشعبها. نُهِب المال العام وحوّل إلى ملكيات خاصة علناً. هذا والشعب يتفرج، عاجزاً، على نزف أمواله عبر الحدود وفي الصفقات. الاستنتاج الوحيد: الممسك بالسلطة يستعجل الانهيار لمنع لبنان من استعادة عافيته في المستقبل المنظور، علّه يتمكن من تغيير هويته.

بشّر بذلك أحد منظّري حزب الله بتغريدة تبادلتها وسائط الاتصال في الاسبوع الماضي بسؤاله: لماذا تشكيل الحكومة أسوأ من عدم تشكيلها؟! جواب: لأن عدم وجود الحكومة يعني انهيار البلد وزوال السلطة الفاسدة، بينما وجود الحكومة يعني انهيار البلد وبقاء السلطة الفاسدة!!

المطلوب إذن افتعال شروط وشروط مضادة وخطوط حمر ومناكفات في عملية تأليف الحكومة، فقط لتمرير الوقت واستنزاف الاقتصاد من أجل الوصول الى تغيير النظام أو إعادة تشكيله في ظل العودة الأميركية "المنتظرة" الى الاتفاق النووي وإمكانية حصول إيران على الاموال لاستكمال مشروعها الاستيلائي. 

يعمل البنك الدولي على تهيئة مساعدات لـ 80% من الشعب. إفقار الشعب اللبناني يسهّل شراءه بتوزيع فتات المساعدات الممولة من المال المسروق من المال العام ومن الودائع المنهوبة.

توزيع ما يسمى بـ "الإعاشات"، لأننا "لن نجوع"، يكفي لتأكيد انهم جاعوا.

تصدّر حزب الله هجمة توزيع "كرتونات الإعاشة"، بناء على الخطة "ب" لـ"الصمود ومواجهة الحصار ومنع تجويع الشعب اللبناني"، كما كتب قاسم قصير. وكأن إسرائيل مثلاً تضرب حصاراً تمنع فيه وصول المواد الغذائية الى اللبنانيين. "لن نجوع" فيما الناس تتعارك في المحال للحصول على علبة حليب وغالون زيت. وقع قتيل في طرابلس وجريح في صربا حتى الآن. تقف الطوابير أمام الأفران ومحطات البنزين، ويومياً تنتشر الأنباء عن التعديات والسرقات: من أبواب المدافن إلى كابلات الكهرباء وأغطية المجاري وبطاريات السيارات ودواليبها ولوازمها وكل ما لا يخطر لك على بال.

أما الهجرة! فقد تبين أن سفارة واحدة تلقت 130 ألف طلب هجرة.

بروباغندا الحزب الآن تروج لمساعدة "الشعب اللبناني" وليس حاضنته فقط!!  يهدم الدولة ويحل محلها ويحوّل اللبناني إلى شحاذ. لا يمكن لحزب مهما علا شأنه أن يحمل مسؤولية طائفة ودولة. الدولة وحدها تحمل مسؤولية البلد والاحزاب والطوائف.

وهذا ما أظهرته الحملة الترويجية التي رافقت وصول الجائحة (على متن الطائرات الإيرانية) إلى لبنان. فبعد استعراض "قوافل" سيارات الاسعاف و"آلاف" العاملين المجندين لمكافحته، تبين انها مجرد بروباغندا وأن الدولة وحدها واجهت الجائحة، والحزب استغلّ مواردها؛ إذ استحوذ مستشفى الرسول الاعظم على نصف موازنة وزارة الصحة، وجميع المستشفيات الاخرى على النصف المتبقي.

بمناسبة فيديوهات ترويج "كراتين الشحاذة" برزت ردتا فعل: واحدة تنبطح أمام القوة وإلغاء دور الدولة، فتطالب الأحزاب الأخرى بالمساعدة لتحذو حذو الحزب. ومنها من انخرط فعلاً. وأخرى تستنكر أن تقوم الطبقة الحاكمة بالاستيلاء على ثروات لبنان وشعبه، فتعيد إليه بعض ما سرق منه على شكل "كراتين الذل"، على ما يسمونها. بحيث تحققت الآن أغنية المرحوم شوشو "شحادين يا بلدنا".

لكن أكثر ما يثير الاستغراب أن يطلق حزب الله على حملة "لن نجوع"، التي انحصرت حتى الآن ببعض مناطقه، هو تسميتها "تعاونيات السجّاد".

"السجّاد" في التاريخ الشيعي هو علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، وكان حاضراً في كربلاء فشهد واقعة الطفّ بتفاصيلها المرعبة ومقتل الحسين وجميع أفراد عائلته. لكنه كان مصاباً بمرض شديد منعه من المشاركة فأصبح شاهداً عليها ومؤرخاً لها.

دوره كان بعد الواقعة توعية الأمة، وفضح بني أمية، عبر مدرسة الدعاء والبكاء. كما أنه مدّ يد المساعدة لكل ضعيف، سراً ودون أن يتفاخر بالإعلان عن احسانه.

الإمام السجّاد لم يلجأ إلى العنف في حياته ولا روّج له. فلا شك أن المأساة التي عاشها جعلته ينبذ العنف، مقتنعاً أن التعايش ونشر الوعي وإعطاء النموذج المسالم الورع هو الحل. وكان البكاء فسحة التفريج عن التروما التي خبرها بعد نجاته من المجزرة.

فما معنى أن يلجأ حزب الله الذي، وبعد مآثره في استخدام سلاحه في الداخل في 7 أيار وعام 2011 وغيرها من التواريخ المشهودة، ويعبر الحدود ليحارب الشعوب العربية كأنها عدوته، ويحمي الطبقة الفاسدة ويتاجر بالممنوعات ويستبيح الحدود لتمرير السلاح وتهريب البضائع وغيرها لصالحه حارماً الدولة من دورها ومستحقاتها! بعد كل هذا يسمّي حملته "تعاونيات السجّاد"؟ 

بماذا يشبهون السجّاد والبكّاء؟ 

زين العابدين بن الحسين لم يستخدم السلاح، بل الدعاء كوسيلة تربوية إصلاحية وأثار في أدعيته كل القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع والتي جمعت في كتاب عُرف بالصحيفة السجادية. كما كان يعقد الحلقات الدينية والفكرية في مسجد الرسول حتى أصبحت مجالسه محجّة للعلماء والفقهاء وتخرّج من هذه المدرسة قيادات علمية وفكرية وليس مقاتلين. أما اهتمامه بالجانب الإنساني فتقول الروايات إنه كان يخرج في الليالي يحمل الجراب على ظهره، فيقرع الأبواب ويناول أهلها من دون أن تُعرف هويته. كما كان يشتري في كل عام مئات العبيد ليحررهم في الفطر والأضحى بعد أن يربيهم التربية الإسلامية السمحة.

ولم يختلف المسلمون في ولائهم له ولا دعاهم للقتال والثأر. وتكشف حادثة الحج المنزلة الرفيعة المنزّهة التي وضعه المسلمون بها:

عندما حج هشام بن عبد الملك حاول أن يلمس الحجر الأسود فلم يستطع من شدة الازدحام فوقف جانباً، وإذا بالإمام مقبلاً يريد لمس الحجر فانفرج له الناس ووقفوا جانباً تعظيماً له حتى لمس الحجر وقبّله ومضى فعاد الناس إلى ما كانوا عليه. فانزعج هشام وقال: من هذا؟ وصادف أن كان الفرزدق الشاعر واقفاً فأجابه هذا علي بن الحسين بن علي ثم أنشد فيه قصيدته المشهورة التي يقول فيها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته           والبيت يعرفه والحل والحرم 

هذا ابن خير عباد الله كلهم                هذا التقي النقي الطاهر العلم 

 لم تكن "وطأة" هذا الامام الاستثنائي لا السلاح ولا المال الذي يستولي عليه استيلاء. ساعد الناس من أموال الخمس والزكاة التي يبذلها الناس طوعاً لثقتهم به.

لكن هذه المسيرة الإصلاحية الهادفة لم تخفَ عن عيون عبد الملك بن مروان فتبرّم هذا الحاكم من حركة الإمام التي أثمرت في توسيع القاعدة الشعبية والفكرية المتعاطفة معه. وأخيراً قرّر الوليد بن عبد الملك تصفية الإمام (ع) فأوعز إلى أخيه سليمان فدسّ السم له.... ومات مسموماً. 

وسؤالي الى المؤمنين في الحزب، وجميع اللبنانيين والشيعة منهم خصوصاً: هل فعلاً تصدقّون أن حزب الله يتّبع سيرة هذا الوليّ الصالح النابذ للعنف كي يحتمي باسمه؟ 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.