قوة الأردن تكمن في قدرة قيادته على إقناع الغرب أنه الأقرب إلى منظوماته القيمية
قوة الأردن تكمن في قدرة قيادته على إقناع الغرب أنه الأقرب إلى منظوماته القيمية

الزلزال الذي ضرب الأردن في الأسبوعين الفائتين، وأُريد به ضرب أمنه واستقراره كما جاء في الرواية الرسمية للأحداث التي حملت اسم #أزمة_الأمير_حمزة، ضرب على نحو أشد، جملة من الفرضيات و "المُسلمات" التي ارتبطت بالأردن وارتبط بها، أقله في السنوات الخمسين أو الستين الفائتة، وأحسب أن أية قراءة لدلالات الزلزال، وتداعيات هزاته الارتدادية، من دون مراجعة لهذه "المُسلمات" التي هيمنت على الأدبيات والسرديات الخاصة بالأردن، ستبدو ناقصة، بل ومُضللة للغاية. 

الأولى؛ أن "جيوبوليتك الأردن"، ليس مصدراً لكثير من التحديات والتهديدات التي تواجه البلاد فحسب، بل هو في الوقت عينه، سبباً في قوته وبقائه، إذ في كلِ مرة، واجه الأردن ونظامه السياسي تحدياً وجودياً، أو هزّة عنيفة، كان يجد لدى الإقليم ومن المجتمع الدولي، "شبكة أمان" تُنجيه مما هو فيه وعليه...باعتبار أن أمن الأردن ضروري لأمن إسرائيل، واستقراره جزء من استقرار النفط والخليج، وجغرافيته، توفر منطقة عازلة "Buffer Zone"، بين إسرائيل و"الجبهة الشرقية"، وهي إما سوريا والعراق من قبل، أو إيران ومحورها من بعد. 

هذه "المُسلّمة" خضعت لاختبار صعب للغاية في #أزمة_الأمير_حمزة، إذ حتى الأطراف الأكثر حماسة لها تاريخياً: سياسيون وإعلاميون محسوبون على الحكم في الأردن، تحدثوا بلسانٍ واحدٍ عن "مؤامرة خارجية"، أطرافها المعلنة أو المضمرة، ثلاثة: إسرائيل والسعودية والإمارات، وما لم يقله هؤلاء تصريحاً، أومأوا إليه تلميحاً، وبصرف النظر عن صحة "المؤامرة الخارجية" من عدمها، فإن من المؤكد أن "الخارج" لم يعد يكترث بنا كما كان من قبل، ولم يعد يمانع في "التآمر" علينا، وبعض هذا الخارج لديه مصالح وحسابات، تكتيكية واستراتيجية، يرغب في تسويتها معنا، وليس هنا مجال للتفصيل في المسألة. 

الثانية؛ أن قوة الأردن تكمن في قدرة قيادته على إقناع الغرب، حاضنته وشبكة أمانه، على أنه الأقرب إلى منظوماته القيمية، وأنه "واحة الأمن والعدل والحرية" في صحراء الديكتاتوريات والسلالات الحاكمة في الإقليم...هذه "المُسلمة" لم تسقط كلياً، بيد أنها باتت موضع شك وتشكيك، ومن قبل الغرب وفي دوائره الإعلامية والفكرية، ومن تابع كيف غطّى الإعلام الغربي #أزمة_الأمير_حمزة، وكيف تناولتها مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية، يدرك بلا شك، أن هذه "الصورة" التي استثمر الحكم كثيراً لإدامتها وترسيخها، قد تعرضت لكثيرٍ من الشروخ والتشويه، وأن ما يُبقي النظام السياسي الأردني على مسافة "ليست بعيدة" من منظور غربي، من أنظمة الجوار القمعية، أن الأخيرة، تضرب أرقاماً قياسية وتاريخية، في العنف والدموية والتسلط...الأردن، دولة "سلطوية"، تقول "الإيكونوميست انتلجنس" في مقياسها الأخير، أما "فريدم هاوس" و"مراسلون بلا حدود" ومنظمات حقوق الانسان، فقد سجلت تراجعات خطيرة في مكانة الأردن على مقاييسها وتدرجاتها، قبل الأزمة الأخيرة، والمؤكد أن "الصورة" ستكون أكثر قبحاً بعدها. 

لا أذكر، أن الإعلام الغربي بلغ حداً كهذا من "القسوة" في تغطيته لحدث أردني، منذ خمسين عاماً على الأقل، وما يقوله الإعلام صراحة، لطالما عبّر عنه دبلوماسيون غربيون في عمان، خلف الأبواب المغلقة، وبعبارات ملطفة، ليس بعد الأزمة فقط، وإنما قبلها بوقت ليس بقصير...يبدو أن الأردن، بصدد خسارة هذه "الميزة النسبية" التي تمتع بها، ما لم يستيقظ عقل النظام وإرادته، قبل فوات الأوان، ويتقدم بمشروع إصلاحي جذري، جاد ومُستدام، وليس بإجراءات تجميلية مؤقتة، يعود "فيأخذ بيده اليُسرى ما كان قدمه بيده اليُمنى". 

الثالثة؛ الملكية والنظام الملكي، ضمانة أمن الأردن واستقراره، وعنوان وحدته الوطنية، هذه واحدة من المسلمات الكبرى التي صاحبت نشوء الدولة قبل مئة عام، وتكرست في الخمسين سنة الماضية، وهي ما تزال صالحة حتى اليوم، إذ حتى في ذروة الاستقطاب الأخير، وقبلها في سياقات "الربيع العربي" الصاخبة، لم يتحدث أحدٌ بغير ذلك، ولطالما قوبلت عبارات وردت في أدبيات غربية وبالأخص إسرائيلية، من نوع "جمهورية الجفاف"، و"آخر الملوك الهاشميين"، بكثير من الاستنكار والإدانة في طول البلاد وعرضها...لكن #أزمة_الأمير_حمزة، أعطت هذه المقولة بعداً آخر، فالتعلق بالملكية لم يعد يمنع من المطالبة بإصلاحها و"دسترتها"، والملكية لا تعني ملكاً بعينه، فهي لم تبدأ به ولن تنتهي معه، والأزمة الأخيرة، دفعت أردنيين للرهان على "تجديد الملكية من داخلها"، ومن "داخل العائلة المالكة" ذاتها، وما يتعلق بمستقبل "النظام الملكي"، بات شأناً أردنياً وطنياً، ولم يعد شأناً عائلياً فحسب، هذا تطور جديد، سيكون له ما بعده. 

الرابعة؛ ظلّت "الهويات الثانوية" طوال سنوات طوال، وتحديداً في سنيّ "الربيع العربي"، سبباً في إخفاق المعارضات والحراكات الشعبية والشبابية الأردنية، في التوحد خلف مشروع وطني ديمقراطي جامع، ووفر بروزها وتفاقمها في كثير من المحطات، مدخلاً لتفعيل سياسة "فرّق تَسُد"...هذه "المسلمة" لم تتبدد كلياً، بيد أنها في طريقها للتآكل والانكفاء، قبل #أزمة_الأمير_حمزة، وليس بسببها، ولقد رأينا أكبر تجلٍ لها في تظاهرات "الدوار الرابع" الذي أسقط حكومة هاني الملقي...صحيح المعتقلين والموقوفين على ذمة القضية، هم في غالبيتهم العظمى من أبناء العشائر الأردنية، امتداداً لنهج قديم، رافق تأسيس الدولة في مئويتها الأولى، لكن الصحيح كذلك أن موجة التعاطف مع الأمير حمزة، تخطت البنى العشائرية، إلى بعض أوساط الأردنيين من أصول فلسطينية، حتى وإن لم يتظهّر هذا التعاطف في تحركات وحراكات، أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي...أما خلاصة هذه "المُسلمّة" فتقول: إن اللعب على الهويات واستثمار مخاوفها وهواجسها، "ورقة" في طريقها لفقدان صلاحيتها، إن لم تكن قد فقدتها بفعل الجائحتين الاقتصادية والصحية التي وحدت الأردنيين على اختلاف منابتهم وأصولهم، في الفقر والبطالة وضنك العيش وانسداد الأفق السياسي. 

الخامسة؛ في مسألة "العقد الاجتماعي"، كثر الحديث عن العقد الاجتماعي، القديم أو الجديد المطلوب، وتداول نشطاء وإعلاميون وسياسيون كلاماً كثيراً، منه على سبيل المثال: إن اختلال "العقد الاجتماعي بين الهاشميين والعشائر"، كان في خلفية #أزمة_الأمير_حمزة وما سبقها من أزمات...هل يمكن لعقد نشأ قبل عشرات السنين، وفي ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية محددة، وفي سياق إقليمي ودولي مغاير، أن يظل صالحاً، وإلى الأبد؟...وهل بمقدور الملك الهاشمي، أي ملك هاشمي، أن يفي بالتزامات هذا "العقد" برغم تبدل الأحوال والأزمنة والظروف والمعطيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمالية والثقافية والتربوية؟ ...العصر ليس العصر، والدولة ليست الدولة، والمجتمع ليس المجتمع، فالعلاقة التي سادت قبل ستة أو سبعة عقود في ظل "دولة الريع" وسياساتها "الزبائنية"، لا يمكن الاحتفاظ بقواعدها ذاتها اليوم أو في المستقبل، ولا بد من إعادة بنائها على أسس جديدة: المواطنة، والعلاقة السوّية بين المواطن والدولة...العودة لقواعد "العقد الأول"، تبدو متعذرة اليوم، وستكون مستحيلة غداً، أياً كانت هوية الجالس على كرسي العرش، ولا أحسب أن الأمير حمزة، لديه ما يمكنه من إعادة عقارب الساعة للوراء، حتى وإن كان راغباً في ذلك...العقد الاجتماعي الجديد، يتعين أن تنتظم العلاقة بين المواطنين أنفسهم، وبين الحاكم والمحكوم، ولا بد أن يضع قواعد جديدة لمرحلة الانتقال من "الريع" إلى الإنتاج"، ومن "الاعتمادية على الخارج" إلى "الاعتماد على الذات"، بوصفها خططاً وبرامج جادة، وليست شعارات دعائية، يطلقها هذا الوزير أو رئيس الوزراء ذاك...لا مصلحة للأردن ومشروعه الوطني الإصلاحي، بإحياء العقد القديم، ولا قدرة للدولة والنظام على الوفاء بالتزاماتهما حيال الطرف الآخر في ذاك العقد، هذه صفحة طويت، وربما وإلى الأبد، ولا بد من عقد جديد، يسهم في تشكيله الأردنيون جميعاً، وتعمل مؤسساتهم على "دسترته" و"قوننته". 

السادسة؛ كان لشتات المعارضات وتفككها وهزالها، ولجهوية "الحراكات الشبابية" ومناطقيتها وعشائريتها، أثراً حاسماً في استحداث الإعاقة التي أصابت المشروع الوطني الإصلاحي الأردني في السنوات العشر أو العشرين الفائتة...لم يكن للمعارضة عنوان واحد، ولم يكن للحراكات رمزاً أو رموزاً تلتف حوله أو حولها، برؤية وبرنامج وطنيين...ثمة اعتقاد بأن هذا الوضع قد انتهى مع اندلاع #أزمة_الأمير_حمزة، إذ قدّم الأمير "الطموح" وفقاً لروايات غربية، و"الواهم" حسب الرواية الرسمية، نفسه بوصفه "زعيماً" للمعارضة الأردنية، حتى وإن لم يقل ذلك حرفياً، وربما استقبله أردنيون كثر على هذا الأساس، وبهذه الصفة، وربما راهنت قطاعات منهم، على شخصيته "الكارزمية"، وشبهه الكبير بوالده الراحل، في "نوستالجيا" لا تخفى على أحد...الأمير أدرك ذلك تمام الإدراك، وجاء أداؤه في الأزمة الأخيرة، مُجسداً لوعيه بمكانته ودوره الجديدين، فكان حريصاً على تسريب التسجيلات التي تظهر تمسكه بمواقفه، ورؤيته للأزمة التي تعتصر البلاد والعباد، وتجدد إصراره على المضي في طريق "والده"، وتداعب أردنية الأردنيين واعتزازهم بقيمهم وهويتهم وحريتهم...لقد نجح الأمير في معركة الصورة والرواية، وفشل خصومه، برغم فجوة الموارد والأدوات التي كانت في غير صالحه...نجاحٌ مرجح للاستثمار والتوظيف، الآن ومستقبلاً، ما لم يستيقظ عقل الدولة وتتبلور إرادتها في دفع عجلة الإصلاح بقوة وحزم، وذلكم تطور جديد، بعده ليس كما قبله. 

السابعة؛ لم يتوقف أحدٌ من ألوف الأردنيين الذين تناولوا #أزمة_الأمير_حمزة، عند أسئلة من نوع: هل لدى الأمير، بدائل ومخارج لاستعصاء السياسة والاقتصاد والاجتماع في الأردن؟...هل تكفي عبارات مقتضبة، مسربة غالباً، لتكوين صورة عن "رؤية الأمير وبرنامجه"؟...هل لديه إجابات على أسئلة الأردنيين المستعصية والعالقة منذ زمن؟...هل لديه، خارج "الكاريزما" و"أوجه الشبه الخلقيّة بالملك الراحل"، ما يمكن أن يبرر كل هذه الرهانات؟...أليس الأردنيين أنفسهم، هم أصحاب "المثل الشعبي"، المحمّل بالمعاني والدلالات والقائل: "حديث السرايا غير حديث القرايا"، نحن ما زلنا في مرحلة "حديث القرايا" مع سموه، ولنا أن نتساءل بتحفظ، عمّا إذا كان سيقف عليه إن هو انتقل إلى "السرايا"؟ 

سبع مسلمات من بين مروحة واسعة منها، ضربها زلزال الأردن قبل أسبوعين، لا يتسع المقام، لسردها جميعاً أو التفصيل فيها، وما لم يتسع صدر الدولة وعقل النظام، لنقاش وطني، جاد ومسؤول حولها، ودائماً بهدف استنقاذ الدولة والمجتمع والنظام، فإن الزلزال سيضرب مجدداً، وربما بدرجة أعلى على "مقياس ريختر"، وعندها سيكون أمن الدولة واستقرارها، ووحدة العائلة والمجتمع، في قلب بؤرة المهداف. 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.