قلب بايدن نمط علاقات ترامب مع قادة الشرق الاوسط الاوتوقراطيين
قلب بايدن نمط علاقات ترامب مع قادة الشرق الاوسط الاوتوقراطيين

دعت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي الرئيس بايدن لإلقاء أول خطاب له أمام مجلسي الكونغرس في الثامن والعشرين من الشهر الجاري "لكي يشرح رؤيته لكيفية معالجة التحديات والفرص في هذه اللحظة التاريخية" التي تعيشها الولايات المتحدة. وسوف يكون الخطاب أول فرصة لبايدن لكي يشرح للأميركيين إنجازاته الداخلية والخارجية في أول مئة يوم له في الحكم. 

تقليد تقويم إنجازات الرئيس الأميركي في أول مئة يوم له في البيت الأبيض يعود إلى بداية عهد الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت في 1933. إنجازات روزفلت في المجالين التشريعي والتنفيذي وقراراته الجريئة والتاريخية بالفعل في أول مئة يوم له في الحكم غيّرت مختلف أوجه الحياة بالنسبة للأميركيين، وخلقت مثالا نادرا ما اقترب منه أي من الرؤساء الذين لحقوه. ولكن سجل بايدن مع اقتراب هذا المعلم، لم يفاجئ خصومه فحسب، بل أيضا أنصاره الذين انتخبوه دون تحفظ، وأيضا الليبراليين الذين انتخبوه بتحفظ. وحتى الذين اعترضوا على بعض قراراته، يعترفون أن ما فعله بايدن وما يريد أن يحققه يتميز بجرأة وصلابة وحكمة و"تقدمية" لم يتوقعوها من سياسي مخضرم كان يوصف بـ"المعتدل" و"الوفاقي". بعض المعلقين المحافظين التقليديين، الذين انتقدوا ترامب بشدة، أثنوا على أداء بايدن وكيفية تعامله مع التحديات الصعبة التي تواجهها البلاد.

دخل بايدن إلى البيت الأبيض، وأميركا لا تزال تترنح تحت وطأة اجتياح مئات الرعاع والعنصريين من أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب لمبنى الكابيتول، الذي يعتبره الأميركيون كاتدرائية الديموقراطية الأميركية. ولكنه سارع بكلامه ونبرته في خطاب تنصيبه، وفي كل ما فعله وقاله لاحقا لطمأنة الأميركيين والعالم أن الولايات المتحدة سوف تعود لاستئناف دورها القيادي الدولي، وتترك وراءها شعار "أميركا أولا" الانعزالي والشوفيني، وأنه سينتهج سياسات  داخلية تعكس روح الدستور الأميركي لجهة احترام وحماية الحقوق المدنية والسياسية لجميع الأميركيين، وأنه سيصارح الأميركيين ولن يضللهم، وهي مواقف تتعارض مع مواقف وسياسات سلفه ترامب.

وخلال محاولاته بلسمة جراح الانقسامات الاجتماعية والعنصرية التي أججها ترامب، نجح بايدن في أسابيعه الأولى بالبيت الأبيض في تمرير خطة طموحة قيمتها 1900 مليار دولار للإنعاش الاقتصادي ومكافحة جائحة كورونا والمتضررين منها اقتصاديا. وفور توقيع الخطة كقانون ساري المفعول، طرح بايدن خطة أخرى أكثر طموحا  تصل قيمتها إلى حوالي 3000 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية بشكل جذري وغير معهود يتخطى بناء وإصلاح شبكات الطرق والجسور والمطارات، وبعضها بني في خمسينات القرن الماضي، ولكن أيضا ربط جميع المناطق الريفية بشبكة الإنترنت، وتحديث مختلف وسائل الاتصال والمواصلات، ومساعدة الأميركيين على التأقلم مع التغييرات الجذرية التي طرأت على الاقتصاد العالمي لتأهيل البلاد للتنافس بشكل فعال تقنيا وعلميا وإنسانيا مع التحدي الذي تمثله الصين للولايات المتحدة على الأصعدة العلمية والاستراتيجية والاقتصادية.

ومن المتوقع أن يحقق بايدن معظم الأهداف التي تشملها الخطة، ومنها مواجهة حوادث القتل الجماعي التي أرغمته خلال شهر واحد على تنكيس الأعلام الأميركية فوق البيت الأبيض والمرافق الرسمية حدادا على أرواح الضحايا. وطرح بايدن خطة جديدة لتقييد شروط اقتناء الأسلحة النارية. وسجل بايدن تقدما في مكافحة فيروس كورونا وخاصة التعجيل بعمليات تلقيح الأميركيين التي فاقت توقعاته ووعوده الأولية، وحظي بإعجاب أكثرية الأميركيين.

على الصعيد الخارجي، أعاد بايدن الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس حول التغير المناخي، ولحقها بدعوة حوالي 40 زعيم دولي للمشاركة في أول مؤتمر دولي (افتراضي) حول التغير المناخي وأخطاره، في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، حيث من المتوقع أن يعلن عن تخفيضات جديدة في مستوى انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تتسبب بها الولايات المتحدة، وسوف يحض الدول الصناعية الأخرى على أن تحذو حذو الولايات المتحدة.

وخلال أسابيعه الأولى سعى بايدن وفريقه المعني بالشؤون الخارجية والأمنية إلى اصلاح العلاقات مع أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) والعلاقات السياسية والأمنية مع اليابان وكوريا الجنوبية، وهي علاقات توترت وتأزمت خلال ولاية ترامب، الذي شكك في جدوى حلف الناتو، وتساءل عن جدوى الوجود العسكري في كوريا الجنوبية، وأقام علاقات ودية، وصفها بالحب المتبادل بينه وبين دكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون.

وبعكس العلاقات الحميمة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تغاضى ترامب عن انتهاكاته السافرة للولايات المتحدة مثل التدخل في انتخاباتها، فرض بايدن عقوبات جديدة ضد روسيا، وانتقد هو وفريقه انتهاكات حقوق الإنسان في روسيا، وخاصة محاولة اغتيال المعارض أليكسي نافالني وسجنه بشكل تعسفي. ومع أن بايدن وافق على وصف بوتين "بالقاتل"، إلا أنه أعرب عن استعداده للعمل مع روسيا لتخفيض الأسلحة النووية، وعرض عقد لقاء قمة مع بوتين في دولة أوروبية. أيضا وجه بايدن وفريقه انتقادات قاسية لانتهاكات الصين لحقوق المسلمين الإيغور، ومحاولاتها ترهيب سكان هونغ كونغ وتايوان وسلوكها العدائي تجاه بعض دول شرق آسيا.

وسارع بايدن إلى الإعلان عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف المفاوضات النووية مع إيران، لإحياء الاتفاق النووي الموقع في 2015 بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد: الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين، والذي انسحب منه الرئيس ترامب في 2018. 
المفاوضات مستمرة حاليا، وإن بشكل غير مباشر بين واشنطن وطهران، في فيينا، حيث تقوم الدول الأخرى بعملية نقل المواقف بين الطرفين. عملية التخريب التي تعرضت لها منشأة نطنز النووية الإيرانية، والتي يعتقد أن إسرائيل نفذتها، كما فعلت ضد المنشأة ذاتها في 2010، لم تؤد إلى تعطيل المفاوضات، في مؤشر بأن إيران بحاجة ماسة إلى صيغة تؤدي إلى إحياء الاتفاق للتخلص من وطأة العقوبات الاقتصادية الأميركية الخانقة.

وفي خطوة متوقعة، ولكن جذرية وجريئة، أعلن بايدن أنه سيبدأ بسحب القوات الأميركية من أفغانستان، وأن ينهي الانسحاب مع حلول الذكرى المقبلة لهجمات 11 سبتمبر الإرهابية، منهيا بذلك أطول حرب في تاريخ أميركا. بايدن، الذي قال إنه الرئيس الأميركي الرابع الذي يواجه معضلة أفغانستان، تعهد بأنه لن يورث هذا النزاع الذي أدى إلى مقتل 2400 جندي أميركي وجرح أكثر من عشرين ألفا، وأضعاف هذه الأعداد من الأفغان، وزادت كلفته عن 2000 مليار دولار إلى رئيس أميركي خامس. القرار جريء لأن بايدن لم يقبل بنصائح القادة العسكريين الذين نجحوا في إقناع أسلافه بأن الانسحاب الكامل ستكون له عواقب أمنية وسياسية خطيرة. ولكن قرار بايدن يحظى بدعم أكثرية من الأميركيين، وبدعم الدول الحليفة التي تضامنت مع أميركا وأرسلت قواتها إلى أفغانستان. الأصوات الجمهورية في الكونغرس التي انتقدت قرار بايدن، قابلها ترحيب بالخطوة من قبل الرئيس السابق ترامب الذي وصف قرار بايدن "بالرائع والإيجابي". وكان بايدن قد تحفظ على قرار الرئيس الأسبق أوباما زيادة عديد القوات الأميركية في أفغانستان في 2009. وكان أوباما قد كتب في المجلد الأول من مذكراته أن بايدن حذره من محاولات العسكريين الضغط عليه لعدم سحب القوات من أفغانستان. ولكن بايدن نفذ خلال أقل من مئة يوم له في البيت الابيض، ما لم يحققه أوباما، أو ترامب الذي أقنعه العسكريون الأميركيون بإبقاء أكثر من 2500 جندي في أفغانستان.

وتوصلت إدارة بايدن إلى اتفاق مع الحكومة العراقية يقضي بتغيير مهام القوات الأميركية المنتشرة هناك من مهام قتالية إلى مهام تدريبية. ويعتقد أن هذا التغيير هو مقدمة لسحب هذه القوات التي يقدر عددها بحوالي 2500 عنصر، في وقت لاحق.

وقلب بايدن نمط علاقات ترامب مع قادة الشرق الأوسط الأوتوقراطيين مثل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، رأسا على عقب. وكشف بايدن عن مضمون تقرير لأجهزة الاستخبارات الأميركية وضع خلال ولاية ترامب، ولكن ترامب لم ينشره، لأنه يحمل ولي العهد السعودي مسؤولية اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي في قنصلية السعودية في اسطنبول، تركيا. وأعلن بايدن وقف الدعم العسكري الأميركي للعمليات الهجومية التي تقوم بها السعودية في اليمن، وعلق تسليم صفقات أسلحة الى المملكة تم التوصل إليها خلال ولاية ترامب. وقال بايدن إن وقف حرب اليمن سوف يكون من بين أولوياته في الشرق الأوسط، وقام في هذا السياق بإلغاء تصنيف حركة الحوثيين في اليمن كتنظيم إرهابي. وكانت إدارة ترامب في أيامها الأخيرة قد خرجت بهذا التصنيف. (المفارقة المحرجة لبايدن وفريقه أن الحوثيين واصلوا قصفهم الصاروخي العشوائي في العمق السعودي).


وألغى بايدن قرار إدارة الرئيس ترامب مقاطعة السلطة الفلسطينية سياسيا واقتصاديا، وأعلن عن استئناف الاتصالات السياسية مع السلطة الفلسطينية، وأيضا استأنف المساعدات المالية لها. وأحيت إدارة بايدن الموقف الأميركي التقليدي لحل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، أي دعم حل الدولتين، وهو ما نبذه ترامب.

ما هو واضح من انتقادات بايدن المعروفة لبعض حكام الشرق الأوسط، ومن إعادة مسألة حقوق الإنسان إلى السياسة الخارجية الأميركية فإن علاقات بايدن مع هؤلاء القادة سوف تتسم بالفتور إن لم نقل بالتوتر، كما هو الحال الآن مع ولي العهد السعودي والرئيس التركي. علاقات بايدن برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ستكون فاترة، ولوحظ أن بايدن تأخر لبضعة أسابيع قبل إجراء أول اتصال هاتفي مع نتانياهو، الذي يذكر بايدن جيدا مدى حدة معارضته للاتفاق النووي مع إيران وانتقاداته للرئيس الأسبق أوباما، وكيف واصل نتنياهو معارضته لرغبة بايدن بإحياء الاتفاق.

وخلال حملته الانتخابية وجه بايدن انتقادات لاذعة للرئيس التركي إردوغان، وتعهد في حال انتخابه، بأنه "لن يكون هناك دعم غير مشروط للدكتاتور المفضل للرئيس ترامب" في إشارة الى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي وصفه ترامب بـ"دكتاتوري المفضل".

الانسحاب من أفغانستان، والانسحابات اللاحقة من العراق وسوريا، تنسجم مع تخفيض طموحات بايدن بلعب دور ديبلوماسي بارز لحل نزاعات المنطقة الحامية مثل نزاعي سوريا وليبيا، وما يبدو من وضعه لما كان يسمى في السابق "عملية السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مرآته الخلفية. مواقف بايدن السلبية من قادة المنطقة ومشاكلها يحظى بدعم من الديمقراطيين في الكونغرس، وحتى من بعض المشرعين الجمهوريين. سوف يمر وقت طويل قبل أن نرى أي من القادة المتسلطين في الشرق الأوسط، في واشنطن بدعوة رسمية من الرئيس بايدن.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.