الدمار في الموصل لايزال شاهدا على حقبة داعش.
الدمار في الموصل لايزال شاهدا على حقبة داعش.

قبل بدء شهر رمضان هذا العام، أصدرت قائمقامية مدينة الموصل تعميماً يقول: "يمنع منعا باتة الإفطار العلني وعلى الجهات الأمنية اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن المخالفين".. لم يستند التعميم إلى أي قانون عام في البنية التشريعية والدستورية للدولة العراقية، حيث أن القائمقامية وظيفتها التفصيلية حسب تشريعات العراقية هو "تنفيذ القوانين والأنظمة والأوامر الصادرة عن الأجهزة التشريعية". على العكس تماماً، فإن قرار الجهة المذكورة يناقض جوهر نظام الحُكم والسيادة في دولة العراق، حيث تنص المادة الخامسة عشرة من الدستور العراقي: "لكل فردٍ الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرارٍ صادرٍ من جهةٍ قضائيةٍ مختصة"!.

تعليمات والضوابط التي حددتها اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية خلال الشهر الكريم شهر رمضان المبارك التي تخص الية عمل...

Posted by ‎عضو مجلس النواب الدورة الثانية زهير الاعرجي‎ on Wednesday, April 7, 2021

لكن قبل كل ذلك، كيف لذلك القرار الذي يُقيد بشكل واضح وعنيف حرية الضمائر والسلوك الشخصي غير المخالف للقانون في مدينة مثل الموصل، التي دفعت أفظع الأثمان دفاعاً عن تلك الحريات والسلوكيات المدنية، ولاتزال الأوابد الراهنة لعمرانها تشكل أكبر شاهد ودليل على فظاعة أفعال العقل الإيديولوجي السلطوي بحقها. مدينة تاريخية كُبرى، استثنائية بمكانها وتنوع هويات ومنابت سُكانها وتاريخ ثقافاتها المحلية، مُحقت بالكامل، صارت رملاً على الأرض، لأن تنظيماً قروسطياً متخماً بالعُنف والسُلطة قد سيطر عليها، وأراد الحد من حرية ضمائر مواطنيها وسلوكياتهم المدنية الطبيعية، فجاء "المحررون" –ومنهم طبعاً قائمقام المدينة وباقي موظفيه الذين أصدروا القرار الأخير- ودخلوا حرباً كان عنوانها الأوسع: إن تدمير المدينة كاملة عبر حرب ماحقة، أفضل من بقائها تحت سيطرة ذلك التنظيم الذي يقيد حرية الضمير والسلوك المدني للسكان!

أغلب الظن أن مزيجاً مؤلفاً من ديناميكيتين داخل وعي وعقل قائمقام المدينة وغيره من الموظفين العموميين قد دفعهم لعدم رؤية ذلك التناقض، أي القيام بفعل شبيه بما نفذه تنظيم عقائدي عنيف بحق سكان هذه المدينة، في وقتٍ لا يكلون عن النداء والخطاب بأنهم محررو المدينة من ذلك. 

إذ لا يرى القائمون على تلك المؤسسة الرسمية في قرارهم ما يطابق السلوكيات الداعشية. فهم يختصرون داعش في تلك الجهة التنظيمية التي تقوم بقطع الرؤوس عليناً في الشوارع، وتالياً يعتبرون الأفعال التي ما دون ذلك غير داعشية حسب وعيهم. وطبعاً لا يصدقون بأن تراكم مثل تلك الأفعال التفصيلية المناهضة للحريات والسلوكيات المدنية، إنما تؤدي في المحصلة لخلق بيئة مناسبة للأفكار والسلوكيات الداعشية.

كذلك، فإن القائمين يرون في قرارهم ملاقاة ما للضمير العام للمجتمعات التي يحكمونها. يعتقدون بأن مثل ذلك القرار إنما يطيب للقواعد الاجتماعية الأوسع انتشاراً، التي تؤمن بقداسة وشرعية مثل تلك القرارات الدينية السلطوية على الناس في المجال العام. هذا الأمر، الذي وإن كان صحيحاً من حيث طبيعة القواعد الاجتماعية في تلك المنطقة، لكنه يتناقض جوهراً مع مهمة المؤسسة العمومية، التي من المفترض أن تُمثل الدولة وقوانينها المدينة التي تقدس الحريات العامة، وليس ملاقاة ضمير جمعي محافظ وربما سلطوي بعمومه. لكن ملاقاة الناس ومراءتهم أكثر أهمية وعمقاً في ذوات الفاعلين.   

على غرار ما جرى في مدينة الموصل، وبسبب تلك الديناميكيتين المذكورتين سابقاً، فإن أعداداً هائلة من السلوكيات والقوانين والقرارات تصدر بشكل شبه يومي عن المؤسسات والموظفين العموميين في دولة العراق، وحتى في غيرها من بلدان منطقتنا. 

في المحصلة، تفعل جميعاً ما كانت تفعله قوى الإسلام السياسي السلطوية، من فرض أنواع من القيم والسلوكيات والخطابات وأشكال التماثل على المجتمعات في المجال العام، وحتى الخاص، وإن كانت مناقضة في جوهرها للحريات المدنية والحقوق الدستورية. لكنها جمعياً تستفيد من جهة مما تعتقد بأنها أفعال أقل ضراوة من أفعال التنظيمات المتطرفة، وملبية لمتن الشرائع الدينية، وإن كانت فعلياً تؤدي لنفس نتيجة الفعل الداعشي. ومن جهة أخرى ترى نفسها ملبية لما للضمائر والمعتقدات الجمعية للنسبة الغالبة من أبناء مجتمعات منطقتنا، بالذات من حيث منحها شرعية لفرض القيم والسلوكيات الدينية على المجتمعات، وأولويتها على الحريات والقيم المدنية.

منذ أوائل التسعينات من القرن المنصرم، كان ثمة في منطقتنا موقفان ثقافيان/سياسيان مستقطبان من هذه المسألة: كان الأول "علماني" الهوى والنزعة، يرى أن العطب الأساسي كامن في بنية مجتمعاتنا، التي يشكل نوعية وعيها الديني الأس الجوهراني الذي يمنح السلطات الحاكمة والتنظيمات المتطرفة الأرضية الخصبة للإطاحة بكل الحقوق المدنية والحريات العامة والمنجزات "الحضارية" التي من المفترض أن نكسبها من التجربة العالمية. وقد كان يترتب على تلك النزعة الثقافية/العلمانية القول إن أساس أي تغيير إنما يجب أن يمر عبر تغير المجتمعات ومعتقداتها وآليات وعيها، بالذات للمسألة الدينية، وأن أي تغيير دون ذلك، بالذات في المستويات السلطويات الحاكمة، إنما هو تغيير سطحي وهامشي التأثير فحسب.

القطب الآخر من تلك النخب، كان يرى العطب في الأنظمة السياسية والتنظيمات السياسية، التي كانت المسبب الرئيسي والجوهري لكل ما يُقترف بحق طيف الحريات والحقوق المدنية. كانت النخب التي تنتمي إلى هذا التفسير ترى أن تغيراً ما في طبيعة الأنظمة الحاكمة، إنما سيفسح المجال واسعاً أمام مجتمعاتنا لتقديم صورة بديلة عن نفسها، أكثر بهاء واتساقاً مع الكل العالمي الحديث.

في المحصلة، لم يُنتج ذلك الاستقطاب التفسيري معرفة موضوعية بتلك العلاقة المركبة والمعقدة بين أشكال الوعي الديني السلطوي لمجتمعات منطقتنا، وبين القوى السياسية والتنظيمية الحاكمة، وكيف أن كل واحدة منها تعمل تفصيلاً على تعزيز الأخرى. 

فمجمعاتنا لاتزال دينية الوعي بعمومها، أي أن الدين بالنسبة لها ليس مجرد مجموعة من العقائد والسلوكيات الفردية فحسب. بل الدين بالنسبة لها أكثر جذرية من ذلك بكثير، هو الهوية والإطار العام لفهم الحياة والأخلاق ومنظومة القيم، وأولاً يفوق بمكانته وسلطته أية اعتبار للحريات العامة والحقوق المدينة، ويملك شرعية أن يُفرض بالعنف وحقاً أعلى من كل النصوص الدستورية والشرائع المدنية. 

الأكيد أن ذلك ليس شيئاً جينياً أو قدرياً في ذوات أبناء منطقتنا، وأنه حدث لأن مجتمعاتنا لم تعش تجارب طويلة ومتراكمة من التعليم المؤسساتي المتين والاقتصاديات الصناعية والانتاجية والثورات المعرفية في العلوم الطبيعية والإنسانية، والكثير من التفاصيل الأخرى التي أعاقت مسيرتها نحو الحداثة الإنسانية الكبرى. لكن عدم الاعتراف بكل ذلك، أيضاً معضلة كبرى، لأنها تعتبر داعش كائناً فضائياً وغريباً، وهو ما أثبت كل تفصيل عدم صحته.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.