صورة من موقع أور الأثري حيث يعتقد أنها مكان مولد إبراهيم.
صورة من موقع أور الأثري حيث يعتقد أنها مكان مولد إبراهيم.

في كل زحام الموت والمآسي والتطرف والدم والجائحة التي تجتاح العراق، يأتيك من أقصى "النشرات" خبر يسعى.

الخبر كان عن وفاة الدكتور ظافر فؤاد إلياهو، أخصائي طب وجراحة العظام في مستشفى الواسطي ببغداد،

وهو مواطن عراقي "يهودي" وبموته،  بقي يهوديان عراقيان فقط، يعيشان في البلاد "حسب الخبر".

موت الطبيب "العراقي اليهودي" كان استثنائيا رغم كل الموت متعدد الأسباب والمعلن في العراق والعالم العربي بمشرقه ومغربه، وقد أثار موته ضجيجا يتناقض مع حياته التي عاشها بهدوء شديد.

فكرت كثيرا في تناقضات حياة عاشها رجل مثل المرحوم الدكتور إلياهو، فهو على مستوى الهويات الفرعية "المهمة في مشرقنا البائس" كائن بشري على وشك الانقراض في محيط عربي إسلامي "متعدد ومتشظي" عموما.

وفي نفس الوقت، كانت الإقصائية الرسمية للدولة العراقية في تعريف هوية الرجل سببا في إنقاذه بحيلة ترادف المصطلحات والتسميات، فاليهود في العراق يتم تعريفهم في خانة الديانة في أوراقهم الرسمية تحت اسم "الموسوية"، نسبة إلى النبي العبراني موسى، ولأن "الموسوي" أيضا اسم له دلالاته الرمزية كاسم عائلة عند الشيعة تعود بنسبها إلى النبي محمد، فقد كان الطبيب الراحل في مسمى هويته "الموسوية" حاصل فرق أنبياء السماء على الأرض.

كان المجتمع الشيعي العراقي الذي لا يعرف عن "يهودية" الدكتور إلياهو رحمه الله، يفترض أنه موسوي " من العائلة الشيعية مما يؤهله لحمل لقب "سيد" كسليل لآل البيت، وهو لقب عند عموم الناس هناك يتفوق على لقب "طبيب" او أي لقب علمي أو معرفي آخر.

كثيرون أيضا - وهذا مبهج وجميل- كانوا يعرفون هوية الراحل الفرعية بالإضافة إلى هويته العراقية، لكن حياة الطبيب المليئة بقصص الخير والمحبة في حياته المهنية والمعطاءة جعلت هويته الإنسانية تتفوق على غيرها فندبه ونعاه وأبنه كثير من العراقيين في مدينته وبلده.

مرة أخرى، أفكر بتأمل شخصي في حياة طبيب يهودي عراقي لم يبق في محيطه الاجتماعي كله إلا هو وإثنين آخرين منهم شقيقته!

 أي شعور "بالانقراض" يمكن أن يكون أكثر وحشة من ذلك؟ خصوصا في بلد أدمته نزاعات الطوائف والهويات الدينية والعرقية وكلها تقريبا متفقة على عداوة "اليهود" وبأحكام نصوص مقدسة. (وتمنيت - بصدق تمنيت ذلك- لو كنت أعرف الدكتور إلياهو رحمه الله لسألته: لماذا بقيت في العراق مع كل ذلك؟).

هو ذاته البلد الذي كان فيه مائتي ألف عراقي من الديانة اليهودية، ومن هؤلاء كان نخبة مجتمع وحكم، وزراء وأعيان ووجهاء وتجار وفنانون ومبدعون، فانتهى كل ذلك إلى ما نحن فيه اليوم، خبر موحش ويتيم عن طبيب يهودي يصبح موته معلنا بالأخبار لأنه آخر طبيب يهودي في العراق.

--

القصة لا تقف عند اليهود بين الأقليات الموجودة بتعدد هائل في ذلك العالم العربي "الإسلامي بغالبيته" من محيطه إلى خليجه، فالاضطهاد للأقليات كان دوما في ذلك العالم بمشرقه ومغربه عموما على مسطرة قياس واحدة، وكان توزيع الإقصائية يتم بإنصاف وعدالة، ربما كانت الأقليات اليهودية أكثر حظا بوجود مخارج آمنة للهجرة في أوروبا وأميركا وإسرائيل.

أتابع لقاءا مع الدكتور حاييم داية، وهو إسرائيلي من حلب ( يبدو التعريف هنا غريبا لكنه واقعي وحقيقي)، أتابعه وهو يتحدث بلهجته الحلبية التي أميزها، فهم أخوال ابنتي، ويتحدث الطبيب كبير السن عن رحلته كيهودي حلبي في سوريا التي غادرها مع ازدياد القبضة الأمنية والمتوحشة لنظام البعث "القومي الاشتراكي" صاحب الرسالة الخالدة "!" في أمة "عربية" واحدة، ويتحدث الدكتور داية عن وساطة جيمي كارتر السرية في عهد إدارة ريغان التي سمحت لليهود بمغادرة بيوتهم وأملاكهم والهجرة خارج "وطنهم السوري" حاملين حسب "القوانين الرسمية الاشتراكية" مبلغ ألفي دولار فقط لكل مهاجر.

فجأة تذكرت أصدقاء عرفتهم أنا شخصيا في حلب، منهم من هم في عمر الدكتور حاييم داية الذي صار إسرائيليا ولا يزال ربما يفطر "المامونية" ويرقص "عربي" على ألحان قدود مدينته الأم.

تذكرت العم "بيدروس" مثلا، الأرمني الجميل الذي حل محل والد زوجتي حين تقدمت للزواج منها. تذكرت بيته المتحفي في حلب، وغرفة مقتنياته كتاجر ومرمم "تحف وأنتيك" من بينها سيف "إسلامي" من القرن الثامن الميلادي، كان يلفه بعناية شديدة.

العم بيدروس غادر سوريا وترك بيته وأشياءه في حي العزيزية في حلب، ولا أعرف مصير البيت الجميل ولا مآلات ما فيه من تحف او ما تبقى منها. تلك خسارة فادحة، فالعم بيدروس، مثله مثل باقي الأرمن كانوا جزءا من تراث حلب الذي انتهى باللون الواحد والنكهة الواحدة، وتلك البيوت و"المتروكات" بلا شك ستنتهي خرابات او "مستوطنات" لا يحميها إلا عنوان رسمي لا معنى له يقول "أملاك الغائبين"!

--

والأرمن، مثلهم مثل الأشوريين والكلدان والأيزديين والصابئة المندائيين، والسريان الذين كانت ثقافتهم السريانية أم الهوية المسيحية المشرقية في كنيستها الأممية العالمية الأولى.

وتلك أيضا ذات معضلة الكردي في مشرقنا، الكردي الذي لا يرى فيه القومي العربي حالة تستحق الوجود ولا تحديد المصير، ولا قومية تتكامل معه إنسانيا وتكمله ثقافيا.

وهؤلاء جميعا مثل الأمازيغ في ذلك المغرب الكبير الذي نسميه "جزافا" مغرب عربي، وهو متنوع أكثر من ذلك بكثير.

الأمازيغ الذين وجدوا في حدائق باريس مثلا، مكانا لتمثال فني يرسخ مكانة الملكة ديهيا في التاريخ، وقد لفها الغياب القسري "المقدس" في بلادها التي حكمتها وامتد حكمها على الشمال الأفريقي كله. لكن روايات المنتصرين خلعت عنها لقب الملكة وسمتها بالكاهنة كتحقير لسيدة قادت مقاومة وطنية يحتفل بها الأمازيغ حتى اليوم. فمتى نحلم لو حلما بيوم قريب تكون فيه رموز الثقافة الأمازيغية تجد تكريما لها في جغرافيتها الأصيلة؟

دول ما بعد الاستقلال، دول الثورات التقدمية التي تحارب الرجعية، دول مقاومة الاستعمار، التي لا تزال مقتنعة أن سبب فشلها كله وخيباتها التاريخية بالمجموع التراكمي سببه "اتفاقيات السيدين سايكس و بيكو"! تلك الدول التي لم تستطع حماية أقلياتها من قمعها المنهجي والمنظم، سواء بأدواتها وقوانينها الرسمية الإقصائية أو بعجزها عن تأهيل مجتمعاتها لتكون مجتمعات "مواطنة"، وتلك عملية تأهيل مستحيلة لغياب مفهوم الدولة أساسا.

في أحد مقاطع الفيديو للطبيب السوري "اليهودي" الذي غادر وطنه السوري في تسعينات القرن الماضي إلى إسرائيل، يقول عن حياته الجديدة أنه لم يبذل جهدا في معادلة شهاداته الطبية السورية الصادرة باللغة العربية، فاللغة العربية لغة رسمية في "دولة" إسرائيل!!

ألا يوجع ذلك؟

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.