ميشيل كيلو - سوريا
"ميشيل كيلو حمل همّ سوريا ومحيطها المباشر والمجتمع الإنساني كله حيثما حلّ"

أن يكون الراحل قامة وطنية، وقومية (بأحلى المعاني)، وإنسانية، أمر بديهي لمن تلاقى دربه مع درب هذا المناضل، هذا المكافح، هذا المجاهد في سبيل الخير.

أن يكون صاحب رؤية ورؤيا بأن سوريا التي أحبها سوف تنجو من براثن الأذى اليومي، لتصل إلى بر أمان الحرية، كان عزاءً، كالشمعة في ليلة ظلماء، لمن شهد هذه الديار يتقاذفها جشع طغاتها وتخاذل من وسم نفسه بصداقتها.

ميشيل كيلو، حمل همّ سوريا ومحيطها المباشر والمجتمع الإنساني كله حيثما حلّ. كان ثابتاً في قناعاته، واضحاً في أفكاره، ساعياً على الدوام إلى إيجاد القواسم المشتركة دون تجاهل مواضع الاختلاف، ولكنه قبل كل هذا كان إنساناً طيباً، دون زعم ودون تكلف.

لحظات، أسجّلها له، ليس لأنها خارقة ومتميزة، بل لأنها اعتيادية، وفي اعتياديتها ملامح الطيبة التي لازمته.

في لقاء في مالطا عام ٢٠٠٤، جمع عدداً من المثقفين العرب، من مختلف الخلفيات الفكرية، بمجموعة من رجال الفكر الأميركيين المحسوبين في معظمهم على التوجهات المحافظة، كان ميشيل موضع إرباك لبعض المشاركين الأميركيين، ليس لخروجه عن التنميط الذي اعتمدوه ضمناً لنظرائهم العرب، اسماً وهوية، ولكن لمثابرته، بمطلق الرصانة والهدوء، على تثمين الفكر والتجربة الاشتراكيتين، بل الشيوعيتين، مع الإقرار بجسامة الأخطاء اللاصقة بهما، في أجواء فكرية كانت تعتبر أن أفلاسهما أمر محسوم.

لم يكن كلام ميشيل يشبه أقوال نوام تشومسكي أو غيره من الذين يصولون برفع اليسار وخفض اليمين، بل جاء مؤكداً على قناعات، قد تبدو بالية حين يتفوه بها غيره، حول فلسطين كدولة علمانية جامعة، والوحدة العربية بصيغة أقرب للاتحاد الأوروبي، وحول العدالة الاجتماعية شرقاً وغرباً. كان لا بد للمستمع لميشيل، سواء مباشرة بلغته العربية أو عبر الترجمة، أن يضع الاختلاف جانباً وأن يثابر على الإصغاء لكلام فصيح في بيانه صادق في معانيه.

على أن ما جعل حضور ميشيل هنا فصلاً راسخاً في ذاكرتي لم يكن أداؤه الفكري. بل هو أن أحد المشاركين الآخرين السوريين في اللقاء ألمّت به وعكة صحية قرابة منتصف الليل، وكان عليّ بالتأكيد، بوصفي أحد أصحاب الدعوة للّقاء، مصاحبته إلى المستشفى. ميشيل أصرّ على القدوم معنا، وشهدتُ عندها مدى العناية التي يوليها للزميل المريض، مواساةٌ أخوية حيناً أبوية أحياناً، لطف بالسلوك وتلطيف للمصاب، إلى أن اطمأن الزميل إلى استقرار حاله. ساعات أمضاها ميشيل في دور، تبين لي فيما بعد، أنه سمة دائمة من سمات سلوكه.

لقاء آخر جمعنا في إسطنبول، بعد أعوام على اندلاع الثورة السورية، وبعد أن فجعت هذه الثورة بتخاذل الأصدقاء المتعادين، وبتخاذل أصحاب المزاعم المتعاظمة حول استثنائية تقتصر على ما يبدو على تنميق الكلام.

يومها، كان ميشيل متألماً ألماً ظاهراً على وجهه، غير أنه، وإن اشتكى من غياب من وعد السوريين بالدعم، احتفظ خلف الألم بفرحة صادقة عبّر عنها حول المسار الأكثر تفاؤلاً والأسعد واقعاً في تونس. "تونس هي عزائي"، قالها ميشيل، في توسيع آخر لدائرة الأنا، لتشمل الآخر، فيصبح مصاب هذا الآخر مصابه، وفرحة هذا الآخر فرحته، بل لينتفي عن هذا الآخر أنه آخر.

حالة أخرى، وأخيرة للأسف، شهدتها من أخلاق ميشيل، كانت في باريس أواخر عام ٢٠١٩. احتضنت العاصمة الفرنسية يومئذ مؤتمراً حوارياً شهد العديد من النقاشات، المنتجة وخلافه. تعرّض في هذا المؤتمر أحد المشاركين لتهجّم على قدر من المبالغة في النقد من زميل يفوقه على ما يبدو بالمقام.

مرت شبه الحادثة هذه دون عواقب. غير أنه لم تفتنّي رؤية ميشيل، في أعقاب الجلسة، يتوجه إلى الزميل الذي تعرّض للنقد، ليثني على كلمته ويشكره على مشاركته. ميشيل على قدر مرتفع من الأدب واللطف، ولكنني لم أره يفعل ذلك في غير هذه الحالة، ولا هو أشار في كلامه إلى الزميل في الحادثة بعينها. أراد وحسب تلطيف الأمر له، دون إحراج أو إثارة.

لا تختلف كلماته الأخيرة في وصية نقلها الإعلام من حيث المضمون عن القيم التي عاشها ميشيل. هي في خلاصتها دعوة لتوسيع الذات، لتشمل ما يتعداها، وحين يعم الخير والسعادة بعض هذا الكل، يكون نصيب الذات منه حاضراً.

أراه فعَل. أراه مات سعيداً. طاب ذكرك أيها الطيب.

وجهك الباسم المتواضع يبقى شاهداً على الكرامة، على المبدأ. لم أسمعك تتبجح يوماً. زجّك جلادو الطاغية في سجن السوء، وخيّروك، يوم حان موعد خروجك وفق عدالتهم المشوّهة، بين أن توقّع ذليلاً خانعاً للطاغية، أو أن تبقى في زنزانتك إلى أجل غير مسمّى. اخترتَ أن تبقى في زنزانتك حراً، بدلاً من أن تخرج إلى عالمهم القبيح ملطخاً. وخرجتَ حين خرجت رغماً عن أنفهم، وأنت اليوم، وقد وافتك المنية، تريد لأهلك في سوريا أن يخرجوا بدورهم. سوف يفعلون، ولو بعد حين. وحين يفعلون تكون "سوريا هي عزاؤنا".

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.