حوار ليبيا - ألمانيا
"توصّل بوتين وإردوغان والسيسي على ما يبدو إلى نتيجة مفادها أن هناك مصيرا واحدا ينتظرهم"

الحياة السياسية لبوتين وإردوغان والسيسي وطريقة تسلقّهم السريعة حتى وصولهم إلى قمّة السلطة وما فعلوه بعد ذلك تبدو وكأنها قصة واحدة تمت ترجمتها إلى ثلاث لغات أو تم تحويلها إلى أفلام سينمائية في ثلاث دول مختلفة.

فثلاثتهم ابتدأ عهده وسط دعم شعبي لا يمكن إنكاره، كما كانت سنواتهم الأولى مشجّعة وتدعو للتفاؤل بحيث توصّل الشركاء الثلاثة إلى نفس النتيجة وهي أن وجودهم ضرورة لابد منها لإنقاذ شعوبهم، ثم سرعان ما بدأت شعبيّتهم بالانحدار عندما حوّلوا بلدانهم إلى النظام الديكتاتوري وملؤوا سجونهم  بالمعتقلين  السياسيين، ولم يكتفوا بذلك بل انتقلوا معا إلى ملاحقة معارضيهم في الخارج.  

كما تميز الشركاء الثلاثة بالاستهتار بشعوبهم والتعامل مع الدستور باستخفاف، وكأنه ليس أكثر من قطعة ورق يكتبون عليها ما يريدون ويعدّلونها حينما يشاؤون.

فقد وقّع بوتين، قبل أيام، قانونا يتيح له البقاء في منصبه كرئيس للبلاد حتى عام 2036، وفي تركيا أجرى إردوغان خلال حكمه عشرة تعديلات على الدستور سمحت له بالبقاء في الحكم حتى عام 2028، لكنه يخطط لإقرار دستور جديد يتيح له البقاء لفترة أطول، وكانت تعديلات دستورية قد أقرّت في مصر أتاحت للسيسي إمكانية الترشح لدورتين بعد انتهاء رئاسته الحالية عام 2022 ليبقى رئيسا حتى عام 2034، أي أن الرؤساء الثلاثة يفضلون أن يموتوا وهم رؤساء على الحياة ليوم واحد بعيدا عن السلطة.   

ويشترك الثلاثة في تراكم الأزمات أمامهم بعد سنوات النجاح الأولى، ففي روسيا أدّى الفساد وهبوط أسعار النفط والغاز إلى انخفاض قيمة الروبل، وترافق ذلك مع تراجع مستوى معيشة الفرد وزيادة مستوى الفقر حتى عند من يعملون، لأن الحد الأدنى للأجور في روسيا لا يستطيع توفير حياة كريمة.

وأظهر استطلاع أن 60 في المئة من الروس لا يملكون مدخرات تكفيهم لأكثر من شهر، كما تشهد تركيا منذ سنوات ارتفاعا في نسبة التضخم وانخفاضا في قيمة العملة وزيادة نسبة البطالة وزيادة في  أسعار المواد الغذائية، لأنه تم التضحية بالأراضي الزراعية من أجل بناء مشاريع سكنية كبيرة.  

وفي مصر، قال البنك الدولي، عام 2019، أن 60 في المئة من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر، نتيجة تخفيض الدعم الحكومي، وقد ترتفع هذه النسبة مع توقّع زيادة عدد المصريين العائدين من الخليج وهبوط عائدات السياحة وقناة السويس والتصدير، وهذا سيؤدي إلى انخفاض الاستهلاك المحلي، لأن أغلب المشاريع التي تم تنفيذها في مصر أتت عبر  استدانة كبيرة من الخارج، مثل الطرق والجسور والمدن الجديدة ليس لها عائد اقتصادي مباشر.  

كما حوّل الرؤساء الثلاثة الإعلام إلى بروباغندا موجّهة بعيدة عن الموضوعية ليس لها من هدف سوى الترويج لسياسة الحكومة والتغنّي بحكمة الرئيس ومواصفاته الاستثنائية بشكل فج وغريب عن العصر، وخصص هذا الإعلام الكثير من برامجه للحديث عن إنجازات كبيرة تم تحقيقها في البلد دون أن يستطيع المواطن تلمّس أي أثر لها، بل أن مستوى معيشته يستمر بالانخفاض، كما يشترك الثلاثة في تقديم وعود للجمهور عبر هذا الإعلام بإنشاء مشاريع كبرى ستؤدي إلى الازدهار وتحسين واقعهم لإسكات الشعب على طريقة "طبخة البحص" التي لا تنضج أبدا.  

كما يقوم الثلاثة بالترويج لمشاريع ليس لها عائدات اقتصادية ولا تنعكس إيجابا على حياة المواطنين وهدفها الوحيد الدعاية لشخص الرئيس، فقد أعلن إردوغان قبل أسابيع عن مشروع لإرسال مركبة فضائية إلى القمر عام 2023، كما تم الإعلان في مصر عن إنشاء وكالة الفضاء المصرية لإطلاق أقمار صناعية من طراز "نيكست" نهاية العام الحالي بالتعاون مع ألمانيا كمقدمة لمشاريع فضائية أوسع، بينما تتركّز استعراضات بوتين الإعلامية على أسلحة خارقة لا يعرف أحد حقيقة وجودها، مثل صواريخ بعيدة المدى لا يمكن اعتراضها تطير بعشرين ضعف سرعة الصوت، وغواصات تنزل لأعماق سحيقة وتسير بسرعات أعلى من الطوربيدات مع تشكيلة من أسلحة الليزر.  

كذلك تتلقّى البلدان الثلاثة اتهامات تكاد تكون متطابقة من منظمات حقوق الإنسان، فقد قالت "هيومن رايتس ووتش" إن الحكومة الروسية قلصت بشدة من هامش المعارضة السياسية السلمية والنشاط المدني واستخدمت مكافحة التطرف لتبرير تقييد حرية التعبير، كما دفَع الكثير من الحقوقيين والناشطين المدنيين والمحامين والمعارضين والمواطنين العاديين ثمنا باهظا نتيجة عدم امتثالهم للأجندة السياسية للحكومة.  

وارتفعت انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، حيث اعتقل 69 ألف مواطن بتهمة الانتماء لحركة "غولن"، و115 ألف بتهمة انتمائهم لحزب العمال الكردستاني، وخضع أكثر من 36 ألف شخص للتحقيق بتهمة إهانة الرئيس، كما فصل 151 نائبا منتخبا تعسفيا من مناصبهم، وطرد 42 ألف موظف من عملهم لأسباب سياسية.

كذلك أصدرت 31 دولة، في شهر مارس الماضي، بيانا أدانت فيه انتهاك حقوق الإنسان في مصر وطالبت الحكومة بالتوقف عن استغلال قوانين مكافحة الإرهاب لتكميم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ووفق منظمات غير حكومية يوجد في مصر أكثر من 60 ألف معتقل رأي.  

ويبذل الزعماء الثلاثة الآن جهودا كبيرة لتمتين العلاقة فيما بينهم رغم خلافاتهم الحادة حول الكثير من القضايا الإقليمية، فقد دعم الروس والمصريون حفتر في ليبيا خلال محاولته السيطرة على المنطقة الغربية، بينما استعانت حكومة الوفاق بالأتراك حتى تمكنت من صد هجومه.

وفي ناغورنو قرة باخ وقف الروس إلى جانب الأرمن بينما ساعد الأتراك أقرباءهم الأذر الذين انتصروا في المواجهة الأخيرة، وفي سوريا يدعم الروس نظام الأسد وتدعم تركيا قسما من المعارضة، بينما يحاول المصريون إيجاد حل ما رغم أنهم أقرب إلى روسيا لأن إردوغان يدعم تيار الإسلام السياسي العدو الأول للرئيس السيسي. 

فقد توصّل بوتين وإردوغان والسيسي على ما يبدو إلى نتيجة مفادها أن هناك مصيرا واحدا ينتظرهم، وأن بينهم، كأشخاص ونظام حكم، قواسم مشتركة كبيرة تجعل خلافهم غير مناسب لهم، وأن سقوط أحدهم قد يرفع من احتمال سقوط شركائه الآخرين، ولذلك من مصلحتهم العمل على إيجاد حلول مشتركة للقضايا الإقليمية موضوع الخلاف، حتى يتمكّنوا من تنسيق جهودهم في مواجهة عدو مشترك وهو إدارة بايدن وما تثيره من قضايا في وجههم.   

ورغم التشابه الكبير في قصة الشركاء الثلاثة ولكن لكل واحد منهم نقاط ضعفه الخاصة، فالتحدّي الكبير الذي يواجه إردوغان هو النظام العلماني الذي بناه أتاتورك والإرث الديمقراطي في تركيا الذي جعل استمراره في السلطة كحاكم مطلق ليس بهذه السهولة، ولذلك بدأ من الآن حملته الانتخابية لعام 2023.

أما مشكلة بوتين الرئيسية فهي أن أغلب شعبه يعيش في القسم الأوروبي مما يجعل الروسي يشعر بالظلم سياسيا ومعيشيا عندما يقارن وضعه مع جيرانه، خصوصا أن بوتين لم يقم خلال فترة حكمه الطويلة ببناء قاعدة اقتصادية، فبقيت بلاده معتمدة على تصدير النفط والغاز والمنتجات الزراعية، وبالتالي بقيت تحت رحمة أسعار السوق والعلاقات مع الزبائن.

بينما نقطة ضعف السيسي هي الفقر وهو قنبلة موقوتة خطيرة تهدد الاستقرار، خصوصا لأنه يترافق مع انتشار ثقافة الكراهية والتشدد عند الشعب المصري عن طريق الأزهر والإعلام الرسمي نفسه، بالإضافة طبعا إلى وقوع مصر في إقليم مضطرب، بما يعني أن القمع وحده قد لا يكون كافيا للإبقاء على حكم فردي عند شعب سبق وأن اختبر شعور الحرية.  

ومع هذا التطابق في قصة الشركاء الثلاثة يبدو مستغربا وجود مثقفين أو صحفيين في المنطقة العربية يقومون بشتم إردوغان ومدح السيسي في نفس الوقت، أو يضعون جميع العيوب في السيسي، ثم ينزّهون إردوغان عن الوقوع في الخطأ، أو يمتدحون بوتين ويذمّون بقية شركائه، وكأنهم لم يدركوا بعد أن الثلاثة في جوهرهم يمثلون نظاما سياسيا واحدا من الصعب أن يحقق ازدهارا حقيقيا، كما أنه لا يحمل في داخله عوامل استقرار على المدى الطويل. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.