عمر البشير استعان بفقهاء الإخوان لإعطاء شرعية شكلية لمعاملاته الاقتصادية
عمر البشير استعان بفقهاء الإخوان لإعطاء شرعية شكلية لمعاملاته الاقتصادية

يظل مبحث العلاقة بين الدين والدولة من أهم المباحث المطروحة في الساحة السياسية العربية والإسلامية حيث ظل الدين يلعب الدور الأكبر في توجيه حياة شعوب المنطقة، وفي تشكيل علاقتها بالأنظمة الحاكمة. 

يقوم البنيان الفكري لتنظيمات الإسلام السياسي, وفي مقدمتها جماعة الأخوان المسلمين, على أن أسهل الطرق للسيطرة على الشعوب هو طريق الدين, وذلك عبر خلق طبقة من الكهنوت تصبغ على الحكم مسحة دينية يستطيعون من خلالها تدجين تلك الشعوب وسوقها بيسر وسلاسة لتأييد الحكام. 

إن أحد أخطر تجليَّات تجربة حكم الأخوان المسلمين في السودان تمثلت في إتخاذ  "الفتوى الدينية" مصدراً للشرعية السياسية عبر توظيف فئة الشيوخ أو من يُطلقون عليهم العلماء وذلك وفقاً للمقولة الشائعة "الإسلام دين ودولة". 

كشفت صحيفة "السوداني" الصادرة في الخرطوم الأسبوع الماضي عن وثائق توضح أن نظام الإخوان المسلمين الذي ترأسه الطاغية المخلوع عمر البشير (كان يخصص ميزانية من المال العام لآلية تسمى"آلية تقنين القروض بالفائدة" بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي, يترأسها الشيخ عبد الجليل النذير الكاروي )، وأوضحت الوثائق أن (النظام السابق خصّص أموالاً شهرية لرئيس وأعضاء الآلية عبارة عن مرتبات). 

من الجلي أن الغرض من إنشاء هذه الآلية برئاسة رجل دين لا يفقه في أمور الاقتصاد والمال شيئا هو منح مشروعية شكلية  للحكومة لقبول القروض الخارجية التي يتم منحها وفقا لنظام الفائدة الذي تقول جماعات الإسلام السياسي أنه الربا الذي حرمته الشريعة الإسلامية. 

بالطبع لا تريد الحكومة من رجال الدين رأياً فقهيا حتى تبني عليه قراراتها بقبول القروض الخارجية ولكنها ترغب في إعطائهم دورا شكلياً يحفظ العلاقة بين الطرفين، فالحكومة تتكفل بصرف الأموال والمرتبات الشهرية على أعضاء الآلية، في الوقت الذي يقوم فيه هؤلاء بحياكة وتفصيل الفتاوى وفقا للمقاس المطلوب. 

وحتى إذا حاول رجال الدين إصدار فتاوى لا تتماشى مع قرارات السلطة الحاكمة فإن الأخيرة لن تأبه بهم كثيراً وستمضي في تنفيذ ما عزمت عليه، بينما يلوذون هم بالصمت خوفا على العطايا والمرتبات التي تتدفق عليهم من الخزينة العامة، ولن يتجرأ أحدهم على الاستقالة من موقعه بحجة أن الحكومة تخالف الفتاوى الشرعية وذلك حتى لا يفقد المزايا التي يحصل عليها. 

يؤكد حديثنا أعلاه ما قاله رئيس الآلية حول طبيعة العمل الذي قاموا به، حيث أوضح أنهم رشحوا للحكومة (عددا من الصيغ للمرابحة الشرعية إلا أن الجهات الخارجية الممولة لم توافق عليها), ولكن رجل الدين المبجل لم يبين لنا ماذا فعلت الحكومة بعد ذلك؟ هل التزمت بالصيغ الشرعية أم قبلت عروض التمويل بالفائدة من الجهات الخارجية؟ 

لا شك أن حكومة الإخوان مضت في طريقها وقبلت بالقروض الممنوحة لها وفقا لنظام نسبة الفائدة المعمول به في جميع أنحاء العالم, ومع ذلك لم يخرج أحد رجال الدين الممثلين في الآلية المذكورة على الملأ ليذكر المخالفة الشرعية التي ارتكبتها الحكومة بقبول التمويل بالفائدة ! 

ولأن الحكومة الإخوانية لا تعدم حيلة في الوصول لمبتغاها, فقد كان هناك رجال دين موالون لها في جسم آخر يسمى "مجمع الفقه الإسلامي" لديهم الاستعداد لمنحها مشروعية التعامل مع الدول ومؤسسات التمويل الدولية فقاموا على الفور بإصدار فتوى تسمح للحكومة (باستلام قروض ربوية لمشروعات تنموية وفقا لحدود الضرورة). 

وعلى الرغم من أن الفتوى حاولت التحايل على الموقف الفقهي المعتمد لدى الأخوان باعتبار الفائدة هى نفسها الربا وذلك عبر اشتراط  حد الضرورة وفقا للقاعدة المشهورة "الضرورات تبيح المحظورات", إلا أن الحكومة فاجأت هؤلاء الأخيرين باستلام قروض ضخمة وغير مشروطة بحد الضرورة المشار له في الفتوى. 

قد تلقت الحكومة الإخوانية أكبر حجم من القروض الخارجية في ذات التوقيت الذي شهد فيه الاقتصاد السوداني أكبر انتعاش له وذلك بعد إكتشاف البترول الذي عاد على الخزينة العامة بمداخيل ضخمة من العملات الأجنبية (حوالى 70 مليار دولار) , وبالتالي لم تكن هناك أي ضرورة تبرر الاقتراض ! 

مع ذلك، ومرة أخرى لم ينبس رجال الدين وفقهاء السلطان في "مجمع الفقه الإسلامي" ببنت شفة، ولم يدينوا الحكومة الإخوانية بسبب تعاملها في القروض الربوية دون أن تكون هناك ضرورة تبيح لها ذلك الفعل المحظور بحسب مفاهيم الأخوان لقضية الربا . 

قد سمحت علاقة تبادل المنافع بين دولة الأخوان المسلمين ورجال الدين بتمدد الأخيرين في جميع نواحي الحياة الخاصة والعامة بحجة أن الدين ينظم كل شؤون الحياة, مما جعلهم يتجرأون على الحديث في مختلف المجالات الخارجة عن نطاق معرفتهم بما في ذلك العلوم المتخصصة مثل التمويل والاقتصاد, فحيثما وجدت العطايا والأموال هرعوا نحوها بتدبيج الفتاوى إرضاءً للسلطان صاحب الزمان.    

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.