كيلو كان من أشد المعارضين لنظام الأسد الاب والابن.
كيلو كان من أشد المعارضين لنظام الأسد الاب والابن.

برحيل الكاتب والسياسي السوري المعارض ميشيل كيلو، تكون "النزعة الوطنية السورية" قد فقدت واحداً من أهم منظريها ودعاتها. فقد بقي كيلو يُبشر لعقود طويلة بضرورة الولاء والارتباط والإيمان بوحدة الحال والمصير والهوية التي تجمع عموم السوريين، تحت سقف وفضاء من "الوطنية الجامعة"، المتأتية من إرث وحقيقة أن السوريين أمة واحدة، سياسياً وثقافياً. وأن ذلك الشيء سباق ومتفوق وأكثر نبالة وجدارة وحقيقية من كل أشكال التفرقة القومية والدينية والطائفية والمناطقية التي تُغرق السوريين راهناً، التي كان يراها كيلو وليدة ظرفٍ سياسي خاص فحسب، ناتج عن الاستبداد المديد. حيث سيعني وسيؤدي إسقاطه حسب الراحل إلى نهاية كل اشكال التفرقة والصراعات البينية تلك، وتالياً العودة إلى الأصول "البريئة" التي كانت.

عبر كتاباته ومبادراته ونشاطه السياسي شديد الحيوية، وحتى عبر مروياته وحكاياته الشفهية التي ما كانت تنتهي، كان كيلو يقدم العشرات من الدلائل والمحاكمات التي تحاول إثبات وجهة نظره تلك. حتى أن الكتاب الموسوعي الوحيد الذي ألفه في حياته "من الأمة إلى الطائفة"/دراسة نقدية لحكم البعث والعسكر في سوريا، كان محاولة مُضنية لتوثيق وشرح وتأكيد ذلك باستفاضة مطولة.

ثلاثة منابت في التاريخ السياسي السوري الحديث، كانت مصدراً لتشكل ذلك النوع من الوعي "الرومانسي" الذي آمن وبشر به الكاتب والسياسي الراحل. فمن جهة كان كيلو واحداً من أبناء الطبقة الاجتماعية/الاقتصادية السورية الأكثر هامشية وهشاشة ضمن المشهد السوري طوال عقود الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن المنصرم، من الذين اندفعوا بكثافة استثنائية للإيمان والانتماء إلى الأحزاب السياسية والتيارات الإيديولوجية الرومانسية، الشيوعية والبعثية والقومية السورية...إلخ. وذلك كفعل جمعي للتخلص من رداءة أحوالهم التي كانت في الهوامش الاقتصادية والاجتماعية، وتالياً للصعود في سلم المتن العام للبلاد، الذي كانت تحتكره الإقطاعيات والبرجوازيات المدينية. كان الانتماء إلى تلك التيارات دافعاُ لأبناء هذه الطبقات للتصريح و"الادعاء" بتجاوزها للفروق والصراعات والحساسيات الطائفية والمناطقية والقومية، وانتماءها وولاءها لما هو أوسع وأرفع منها، الأمة والوطن وأشياء من ذلك، والاستماتة في سبيل التماهي مع مثل ذلك النوع من الخطاب والصورة حول الذات، بغض النظر عن حقيقتها من عدمه.

المنبت الآخر كان يتمثل بـ"سيرته العائلية". فكيلو كان نجل دركي مديني مسيحي، سمحت له سنوات الانتداب الفرنسي على سوريا بالمشاركة المتساوية في مؤسسات الدولة السورية وحياتها العامة، وبذلك تجاوز أرث المسألة المسيحية المشرقية، التي كانت محل شقاق وصراع طوال سنوات التحول من الدولة الدينية إلى نظيرتها المدنية في عموم منطقة الساحل الشرقي للبحر المتوسط، منذ التنظيمات العثمانية في الربع الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الربع الثاني من القرن العشرين، أثناء فترة الانتداب الفرنسي. كان المسيحيون السوريون بعمومهم، وأبناء المدن الأرثوذوكس منهم تحديداً، يرون في فضاء الوطنية المدنية تلك خلاصاً عمومياً لهم، وفتحاً لباب المشاركة المتساوية في الفضاء العام، وإن ذلك المكسب يجب عدم الاستغناء عنه بأي شكل، والتماهي معه في كل وقت وعبر أية أداة كانت. 

فوق الأمرين، فإن ذلك النوع من الوعي التبشيري الرومانسي، وغلبته في المشهد السوري، والذي كان الراحل واحداً من ألمع معبريه، كان نتيجة طبيعي لـ"طغيان" حضور الثقافة والمثقفين لعقود طويلة في المشهد العام المُعارض للنظام الشمولي في سوريا. فالمحق الذي طال جذور القوى والشخصيات السياسية السورية من قِبل النظام الحاكم، دفع بنخبة من المثقفين السوريين لرفع أصواتهم في وجه الشمولية، وكان الراحل ميشيل كيلو واحداً من أبرزهم، منذ مداخلته الشهيرة في اجتماعات الاتحاد العام للكتاب العرب عام 1979. حيث أن المخزون والوعي الثقافي الذي كان غالباً في ذوات أبناء هذه النخبة المعارضة، كان دافعاً لأن تكون خطاباتهم ودعواتهم السياسية متخمة بالتبشير المفارق لتعقيدات الأحوال السياسية السورية، ومحاولة تجاوزها عبر أنواع من الرومانسية الفوقية، غير المبالية بـ"الحقائق السورية"، الأكثر تركيباً وتكويراً.

في المحصلة، كانت الصورة المبسطة التي ركن إليها الكاتب والسياسي الراحل كامنة في الإيمان الراسخ بوجود وصلابة الوشائج والمصالح بين مختلف أبناء "أمة السوريين"، وأن الاستبداد المديد هو الذي عكرها وشيّد أشكال الصراع الداخلي بين السوريين هؤلاء، وأن نضالات السوريين يجب أن تتكثف للإيمان والعودة إلى الأصل ذاك. تلك الصورة الرومانسية المبسطة، وإن كانت بهية، إلا أنها كانت ذات أثمان باهظة، ثقافياً وسياسياً. 

فالركون إليها يعني أولاً بأن الطائفية في سوريا ذات منبع واحد فحسب، هو السلطة الحاكمة. وتالياً تنزيه التاريخ السياسي السوري، في مراحل تأسيس الدولة السورية عبر البرجوازيات المدينية ولاحقاً أثناء تشكيل تيارات الإسلام السياسي، تنزيهها من أية نزعات وخطابات واستراتيجيات طائفية، كانت سابقة لهذا النظام السياسي، مُعلنة وواضحة أحياناً، ومُضمرة في أمثلة وتيارات أخرى، لكنها موجودة وأصلية في بنية وخيارات تلك القوى، لم يفعل الاستبداد السياسي ربما إلا بزيادة وتيرتها واستقطابها. الأمر نفسه ينطبق على التطرف القومي، الذي لم يكن بعثياً سلطوياً فحسب، بل يكاد أن يكون شاملاً ومغطياً لكل التيارات السياسية وأشكال الوعي الجمعي السورية.

هذا التفصيل الذي دفع السياسي الراحل لعدم الانتباه لخطورة الثقة والترويج لتيارات الإسلام السياسي، الإخواني في مراحل ما قبل الثورة، ومن ثم لأكثر تنظيمات الإسلام السياسي أصولية خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، بما في ذلك جبهة النُصرة، التي لم تنكر علاقتها بتنظيم إرهابي مثل تنظيم القاعدة منذ تأسيسها في السنة الأولى للثورة السورية. فالأساس في وعي كيلو كان الثقة الإيجابية بكل ما ومن يُعلن معارضته للنظام الحاكم. 

الثمن الآخر كان كامناً في الإيمان والولاء المُطلق لأولوية "الكيان والأمة" على ما قد يتنافى معها من خيارات سياسية لأبناء الجماعات السورية غير المركزية، التي قد تطلب بمجموعة من الحقوق غير المطابقة لما قد يُعتبر وحدة الأمة ومركزية الكيان السوري. ففي النتيجة النهائية، كان ذلك الإيمان بحقيقة وجود أمة ناجزة وكيان سياسي مُطلق شكلاً مُقنعاً من القومية المركزية غير المُعلنة، التي تنعكس على شكل مواقف وخطابات متشنجة ومناهضة لأبناء الأقليات القومية والمناطقية وحتى الطائفية غير المركزية، التي يُمكن أن تؤمن بحقها وسعيها لما يناقض ما يعتبره الآخرون "حقائق الكيان والأمة". 

على أن أبلغ معضلة في ذلك النزوع الرومانسي الذي كان في وعي وشخصية الراحل كيلو، ومثله الكثيرون من المثقفين السياسيين السوريين الذين تسيدوا المشهد السياسي السوري، وبالرغم من ثراء تجربته النضالية العنيدة في مواجهة الشمولية، وطاقته الدائمة على المبادرة والتنظيم بين مختلف القوى والخيارات السورية، كان في الاستعصاء الدائم في قدرته/قدرتهم على تقديم ما يتجاوز الخطابات الرومانسية الفوقية، التي كان يعرضها/يعرضونها كحلول وسياقات لحل للمعضلات السورية شديدة التعقيد.

فترسانة المقولات والأحاجي حول الدولة المدنية الديمقراطية والمواطنة المتساوية، أثبتت في أكثر من مثال إقليمي، وفي التجربة السورية طوال عشرة سنوات كاملة من الحرب الأهلية، عدم قدرتها التامة على تقديم اجابات وحلول حقيقة لأشكال الصراع الداخلي والحروب الأهلية الحقيقية في البلاد، التي تحتاج إلى رؤى أكثر جسارة وتصالحاً مع وقائع الأحوال، وأقل انتباهاً لمستوى التزامها بـ"أيديولوجية أيام الصبا".
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.