In this photo taken on October 18, 2019, a nurse walks next to premature newborn babies at the Neonatal Intensive Care Unit …
جدل بعد إلغاء محكمة نقض في المغرب الاعتماد على تحليلات الحمض النبوي لإثبات نسب طفلة ولدت خارج الزواج.

الولد للفراش وللعاهرة الحجر.. 
قاعدة دينية مبنية على حديث نبوي، حتى وإن كان صحيحا، فله زمانه وسياقه الخاص والحدود العلمية التي كانت مطروحة آنذاك (وهو نفس السياق ونفس الحدود العلمية التي أطرت حديث "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".. والتي تجعلنا اليوم، حتى بإمكانية تحديد رمضان وعير الفطر وعيد الأضحى لسنوات كثيرة مقبلة، نعيش نفس الارتباك خلال الأيام التي تسبق المناسبات الدينية، لأننا غير قادرين على الاحتكام للعلم لتحديد مواعيدنا!). 

اليوم، 15 قرنا بعد هذا الحديث بكل حيثيتاه وسياقاته، لاتزال آثاره تحكم حياة مسلمي ومسلمات القرن الواحد والعشرين. حتى بعد أن اكتشف العلم تحليل الحمض النووي (DNA) وبعد أن أصبح إثبات النسب، علميا، ممكنا بنسبة عالية من الدقة تصل إلى 99 بالمائة.

بل أكثر من هذا، ألا يمكننا اليوم أن نسائل منظومتنا الاجتماعية والفقهية والأسرية، التي تعتبر الأسرة هي العماد الوحيد المجتمع، دون أي مكانة للفرد بذاته، خارج سياقات الأسرة؟ مجتمع وفقه وقانون لايزالون مصرين على معاقبة طفل بسبب ما يعتبره خطأ.. لم يرتكبه الطفل نفسه، بل والداه! ما ذنب هذا الطفل أو هذه الطفلة؟ ما الذي يجعله أقل قيمة من أي طفل آخر، عدا أن الثاني ولد صدفة (دون مجهود منه) لأبوين متزوجين...؟ ما الذنب الذي ارتكبه كشخص، بل وكطفل، لكي يعاقبه الدين ويعاقبه القانون ويعاقبه المجتمع؟ لماذا نجعله يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه، ويدفع الثمن مدى حياته، خصوصا حين ندرك التبعات المجتمعية والقانونية والاقتصادية لهذا الحكم!

مناسبة هذا الحديث صدور قرار لمحكمة النقض في المغرب، يلغي الاعتماد على تحليلات الحمض النبوي لإثبات نسب طفلة ولدت خارج الزواج. محكمة النقض اعتبرت أنه، بناء على أحاديث نبوية وعدد من الاجتهادات، فإن البنت التي تولد خارج الزواج لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بوالدها البيولوجي، رغم أن تحليلات DNA أثبتت نسب الطفلة لوالدها! وقضت المحكمة بأن "ولد الزنا يكون منقطع النسب من جهة الأب ولا يلحق به بنوة أو نسبا". بل وذهبت المحكمة إلى اعتبار أن "هذه البنت تعتبر أجنبية عن أبيها ولا تستحق أي تعويض لأنها ناتجة عن فعل غير مشروع كانت أمها طرفا فيه"!، وقد اعتمدت المحكمة في قرارها على عدد من المراجع الفقهية والقانونية، من بينها المادة 148 من مدونة الأسرة المغربية التي تعتبر أنه "لا يترتب عن البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية"!

الآن، لنذهب أبعد قليلا في قراءتنا لهذه المعطيات: إن كان القضاء والفقهاء يعتبرون هذه البنت أجنبية عن أبيها، فهل يحق له الزواج منها مثلا؟ إن كان له ولد أنجبه بشكل "شرعي"، هل يحل لهذا الولد الزواج منها بما أنها أجنبية عن أبيه؟ 

بالنسبة للفقهاء... نعم!

الشافعي مثلا يعتبر أن "المتخلقة من ماء الزنا لا تحرم، لأنها لم تعتبر بنتا، بدليل أنه لا توارث بينهما ولا يجوز له الخلوة بها (...)". فهل نحن قادرون، في إصرارنا على تطبيق الدين كمرجعية لتدبير علاقاتنا وحقوقنا وحقوق الغير، على المضي بعيدا في تطبيق هذه الاجتهادات التي اعتمد على بعضها قاضي محكمة النقض في إصدار حكمه؟ فهذا بدوره اجتهاد فقهي للشافعي، الذي يعتبر مرجعا من المراجع المؤسسة لأصول الفقه!

ثم، كيف نعتبر أن العلاقات الرضائية ستتسبب في اختلاط الأنساب، ونرفض في نفس الوقت نسبا مؤكدا بالعلم...؟ علما أن الأخير يضر بمصالح الطفل ويمكن أن يتسبب بشكل واضح وفاضح في اختلاط الأنساب! كيف نصر على عقاب طفل بسبب خطأ نعتبر أن أمه "كانت طرفا فيها"؟ كيف نعتمد على أسبقية الفقه مقابل العلم، علما أن أولئك الفقهاء كانوا أبناء زمانهم وسياقهم التاريخي والعلمي والاجتماعي؟

أم أننا نصر على القطيعة مع العلم ومع مفهوم الحقوق؟

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.