A 'Corona Emergency' sign is seen at Rafik Hariri University Hospital in Beirut, amidst an outbreak of the coronavirus disease …
جدل في لبنان بشأن اللقاحات.

في موضوع لقاح "كوفيد 19" اكتشفنا في لبنان أن القطاع الخاص أكثر تلوثاً بالفساد من القطاع العام، وأكثر تخففاً من القيود الأخلاقية التي من المفترض أن تضبط عمليات التلقيح. ذاك أن آليات مراقبة نزاهة حملة التلقيح وجدت أثناء توليها المهمة بما يتعلق بالتلقيح العام قنوات ضبط بقيت مقبولة، إلى حد ما، بفعل إشراف البنك الدولي على الحملة، وبفعل الرقابة الإعلامية التي رافقتها. 

أما القطاع الخاص الذي استورد لقاحات "سبوتنك" الروسية، والذي عُوِل عليه في رأب بطء التلقيح العام، فقد كان نجمه رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين جاك صراف، وهذا الأخير لا يقل شراهة عن علي حسن خليل وجبران باسيل وجمال جراح، مع فارق يجعله أكثر قدرة التحرك لجني الأرباح وتكديسها، وهو أن لا آليات رقابية على صفقاته اللقاحية. فالرجل استورد اللقاحات بنفسه، وهو "حر" في توزيعها وبيعها وتقديمها كرشاوى لمن يرغب برشوتهم. وإذا كان للدولة وظيفة في مراقبة الاستيراد والتسعير، فهذه الوظيفة معطلة بفعل تواطؤها مع الرجل وبفعل اهتراء أجهزتها الرقابية.

ثمة مستوردون آخرون للقاح "سبوتنك". نائب زحلة ميشال الضاهر الذي راح يوزع اللقاح كرشوة انتخابية في زحلة، وشركة طيران الـ"ميدل إيست" التي تولت بدورها تقديمه كرشاوى لجهات إعلامية. فهي شركة خاصة مملوكة من القطاع العام، وهي أقدمت على تقديم لقاحات "سبوتنك" هدية لمحطة تللفزيونية من المفترض أن يكون دورها مراقبة إداء الـ"ميدل إيست"، ولا يمكن تفسير وظيفة هذه الهدية المسمومة إلا بوصفها رشوة تقدمها الـ"ميدل إيست" التي يملكها مصرف لبنان إلى المحطة التلفزيونية التي تتولى معارك الدفاع عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وهي رشوة من المال العام، طالما أن الـ"ميدل إيست" اشترت اللقاحات من موازنتها. هدية الـ"ميدل إيست" للمحطة التلفزيونية أكدها جاك صراف لنقيب الصحافة، الذي اتصل به مستفسراً عن حقيقة تلقي صحافيين لقاح "سبوتنك"!

تأخذنا هذه الوقائع إلى مشهد أوسع، ذاك أن القطاع الخاص برمته هو جزء من مشهد الفساد، والتعويل عليه لرأب صدع الفساد الهائل في القطاع العام هو كالمستجير من الرمضاء بالنار، ناهيك عن أن القطاع الخاص هو صنيعة أهل القطاع العام، جاك صراف نفسه كان وزيراً، والطبقة السياسية بأكملها التهمت القطاع الخاص بحيث صار الأخير جزءاً من شبكة نفوذها، وهي حقيقة تفاقمت في حقبة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.

الوصول إلى اللقاح العام (فايزر وأسترازينكا) أكثر سهولة وسلاسة وأخلاقية من الوصول إلى اللقاح الخاص (سبوتنك)، ذاك أن الأخير يعمل من دون أدنى رقابة، بدءاً من تلقيه ووصولاً إلى تحديد أسعاره. هو في لبنان من أغلى اللقاحات في العالم، ذاك أن كلفته تصل إلى متلقيه اللبناني بنحو 40 دولار أميركي تدفع نقداً، وهذا الرقم يوازي أكثر من نصف الحد الأدنى للأجور في لبنان. هذه الشراهة في التسعير، يوازيها انتقائية في التوزيع تحميها "حرية التبادل" التي يكفلها "النظام الاقتصادي الحر"، لكنها محمية أيضاً من القيود الرقابية التي يفترضها هذا النظام. ثم أننا وبفعل فقداننا الثقة بالحكومة وبالقطاع الخاص، لا يمكننا أن نضمن أن مستورد "سبوتنك" لا يستفيد من الدعم الذي تقدمه الحكومة للدواء في لبنان، فاشتراه مدعوماً من الدولة، وها هو يبيعنا إياه بأضعاف كلفته قبل الدعم وبأضعاف أضعاف هذه الكلفة بعد الدعم.  

وهنا علينا ألا ننسى أن القطاع الخاص في لبنان هو شريك رئيسي في عملية السطو الكبرى التي تعرض لها اللبنانيون والتي طالت ودائعهم في المصارف، وهذه الأخيرة هي الشريك الأكبر في غنائم هذا السطو، والتعويل على القطاع الخاص بموضوع اللقاح هو سقطة مشابهة لتعويلنا على المصارف بوصفها جهة نركن إليها في إيداع مدخراتنا. 

يبدو أن اللقاح العام هو الخيار الأفضل في لبنان على رغم اهتراء القطاع العام وفساده، ذاك أن آلية المراقبة في هذه الحالة تبقى محكومة بقرار حاسم من البنك الدولي، وهو الجهة التي مولت الاستيراد، بالالتزام بمعايير التلقيح العمرية والصحية، وتبقى الخروقات مضبوطة بشروط مقبولة على رغم البطء الشديد، أما "سبوتنك" وأهله فقد باشرا عملهم في دهاليز المحسوبيات من دون أدنى رقابة. وهنا على "سبوتنك" أن ينجو بنفسه من القطاع الخاص اللبناني، في ظل تخفف هذا الأخير من أي شرط أخلاقي في المهمة التي انتدب نفسه إليها والمتمثلة في المشاركة في حملة التلقيح. فمن غير الصحي لهذا اللقاح أن يتحول رشوة، وأن يذيع صيته بوصفه أغلى لقاح في العالم، وأن يصير سلعة انتخابية.     

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.