هذا التوسع قاد الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى إلزام نفسها بسياسات واستراتيجيات طويلة الأمد
هذا التوسع قاد الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى إلزام نفسها بسياسات واستراتيجيات طويلة الأمد

أخيرا قررت الولايات المتحدة وضع حد لأطول حرب في تاريخها وسحب جميع قواتها من أفغانستان ابتداء من شهر مايو وحتى شهر سبتمبر 2021، في خطوة لاقت ترحيبا شعبيا وسياسيا لافتا، وإن برزت بعض الأصوات المحذرة من العواقب. ويبقى مصير الحريات والمؤسسات المدنية الأفغانية هو مصدر القلق الأول لدى الكثيرين.

والواقع أن الهدف من هذه الحرب كان في البداية هو الرد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وضمان ألا تكون أفغانستان مرة أخرى ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة الإرهابي أو تشكل قاعدة انطلاق لهجمات مماثلة في المستقبل. هذا الهدف قد تحقق، وكان يمكن للولايات المتحدة أن تكتفي بذلك وتنسحب منذ زمن بعيد، لكن إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش قررت أن توسع من دائرة الأهداف بحيث تشمل إعادة بناء أفغانستان وإحلال النظام الديمقراطي.

هذا التوسع قاد الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى إلزام نفسها بسياسات واستراتيجيات طويلة الأمد.

وقد ارتفع الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان باضطراد حتى وصل بين عامي 2010 و2012 إلى نحو 100 ألف عسكري، ورافق ذلك تخصيص ميزانيات ضخمة للإنفاق على الجانب العسكري والأمني والمدني على السواء، لكن هذا المنحى بدأ بالنزول، ومع الوقت جرى تقليص كل ذلك تدريجيا حتى بات اليوم يقدر بحوالي 2500 جندي.

ولم يحدث هذا فقط بسبب التغير في مواقف الإدارات الأميركية من النزاع الأفغاني أو القناعة بعدم إمكانية حسمه عسكريا، وإنما أيضا بسبب تبخر التأييد الشعبي للحروب الأميركية الخارجية عموما، حيث أظهر أحدث استطلاع للرأي أن أكثر من ثلثي قدامي المحاربين وعائلاتهم (67 في المئة) يؤيدون سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان ونسبة مماثلة (68 في المئة) تؤيد، إما بشدة أو بصورة ما، سحب جميع القوات من العراق.

بالطبع هناك من سوف يعتبر قرار إدارة بايدن بمثابة هزيمة للولايات المتحدة في أفغانستان، لأنها لم تتمكن من إنهاء وجود حركة طالبان ولم تتمكن من بناء نظام سياسي في كابل قادر على الوقوف على قدميه.

وهذا التقييم قد يبدو صحيحا وغير صحيح في الوقت نفسه. هو ليس صحيحا بالمقارنة مع الأهداف الأساسية للحرب. لأنه تم طرد تنظيم القاعدة وقتل زعيمها، ولم تشكل أفغانستان منذ أكثر من عشرين عاما أي تهديد أمني للولايات المتحدة أو حلفائها. كما أنه لم يكن من بين أهداف هذه الحرب القضاء على حركة طالبان. لذلك لم تدخل القوات الأميركية أو قوات التحالف في معارك مباشرة مع مسلحي الحركة واقتصر دورها على تقديم الدعم للقوات الحكومية.

لكنه صحيح من جهة أن الولايات المتحدة لم تنجح قط في تأسيس نظام ديمقراطي في أفغانستان، ولم تنجح أيضا في بناء جيش قوي وقوات أمن قادرة على هزيمة مسلحي طالبان وداعش وغيرهم. وتذهب أغلب التوقعات بأن الانسحاب الأميركي قد يعقبه حرب أهلية أو عودة لنظام طالبان، سواء عبر المفاوضات أو القوة المسلحة. والأرجح أن الأخير هو ما سيحدث لأن طالبان تسيطر حاليا بالفعل على أجزاء واسعة من البلاد ولا سيما خارج البلدات والمدن الكبرى. ولا يوجد ما يمنعها من الإطاحة بحكومة كابل.

وهنا يبرز الجانب الآخر المأساوي للانسحاب الأميركي والذي لا يود الكثيرون التفكير فيه، وهو ما الذي سيكون عليه مصير النساء والنخب الأفغانية ومؤسسات المجتمع المدني التي تشكلت خلال العقدين الماضيين؟ وكيف ستتمكن الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي من توفير الحماية لهم إذا استولت طالبان على السلطة؟

للأسف لا تستطيع الولايات المتحدة فعل الكثير لهم. وباستثناء التدخلات الدبلوماسية والسياسية والاستعانة بالدول الحليفة والصديقة، فإنها ستكون عاجزة عن ممارسة أي ضغط مباشر وحقيقي على مسلحي طالبان.

ما سيحدث هو أن عشرات وربما مئات الآلاف من القادرين من هؤلاء سوف يغادرون البلاد، وطلب اللجوء في الدول المجاورة أو الدول الغربية، فيما سيتهدد الخطر الأقليات الدينية والعرقية التي تعرضت ولا تزال لهجمات دامية تشنها حركة طالبان أو تنظيم داعش.
وما يزيد من الأمر سوءا أن باكستان الجارة الرئيسية لأفغانستان، والداعم الأكبر لطالبان، غادرت منذ فترة المعسكر الغربي والتحقت بالصين، وتزامن ذلك مع جنوح حكومتها للتشدد الديني ودعم الجماعات المتطرفة.

وليس أدل على ذلك من التصريح الغريب لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان (7 أبريل 2021) الذي ألقى فيه باللوم على ملابس النساء في ارتفاع عدد حالات الاغتصاب في البلاد، معتبرا أن الزيادة السريعة في هذه الجرائم تشير إلى ما وصفه "زيادة الابتذال في أي مجتمع".

ونصح النساء بـ "التستر لمنع إغراء الرجال الذين يفتقرون إلى قوة الإرادة"، قائلا إن "المفهوم الكامل للبرقع هو تجنب الإغراء، فليس لدى الجميع قوة الإرادة".

وإذا كان هذا هو حال المرأة في المجتمع الباكستاني، فكيف يمكن تصور أن يكون الوضع مع المرأة الأفغانية تحت حكم طالبان الجديد؟ كان الله في عون الأفغان. 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.