صورة تعودة لحزيران 1915 لمواطنين أرمن شنقوا على يد القوات العثمانية خلال المجازر بحق الأرمن التي ذهب ضحيتها مليون ونصف مليون إنسان
صورة تعودة لحزيران 1915 لمواطنين أرمن شنقوا على يد القوات العثمانية خلال المجازر بحق الأرمن التي ذهب ضحيتها مليون ونصف مليون إنسان

قليلة هي اللحظات حين يختار فيها الساسة والزعماء القيم والاعتبارات الأخلاقية فوق المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية، التي هيمنت على صنع السياسة الدولية منذ نشأة مفهوم الدولة. 

من المتوقع أن يشهد يوم السبت 24 أبريل لحظة مماثلة، مع اختيار الرئيس الأميركي جو بايدن الطريق الأصعب والأكثر تعقيدا على واشنطن بالاعتراف بالمجازر التي حلت بالأرمن على يد السلطنة العثمانية وتركيا الحديثة بين 1915 و1923 بأنها إبادة جماعية. أميركا بذلك ستنضم بسلطاتها التنفيذية (البيت الأبيض) والتشريعية (الكونغرس الذي اعترف بالإبادة في 2019) إلى 29 دولة بينهم ألمانيا وفرنسا وروسيا والأرجنتين ولبنان وكندا والدنمارك. 

كان أسهل على بايدن أن يحذو حذو أسلافه ويخرج ببيان يقول فيه يستنكر فيها "المجازر الوحشية" و"المأساة التاريخية" وأوصاف أخرى للالتفاف حول الحدث بعدم استخدام كلمة "إبادة جماعية"، وتجنبا من إثارة غيظ القيادة التركية. جورج بوش الأب وثم الابن، باراك أوباما ودونالد ترامب، كلهم رؤساء تعهدوا في حملاتهم باستخدام عبارة الإبادة الجماعية، قبل أن يعدلوا عن قرارهم بعد تولي الحكم بسبب الضغوط التركية. 

بايدن سيغير هذا النهج يوم السبت في الذكرى الـ106 على المجازر، ببيان يصف القتل الممنهج لمليون ونصف من المدنيين الأرمن بالابادة الجماعية. القرار جاء من الرئيس ومستشاريه الأقرب رغم معارضة الخارجية وحذر وزارة الدفاع بسبب المخاوف من رد فعل عكسي على العلاقة التركية-الأميركية المتأرجحة أصلا. 
الخوف في الخارجية هو من انعكاسات على الانسحاب الأميركي المرتقب من أفغانستان في 11 سبتمبر، وعلى التبادل التجاري وتعاون أنقرة كحليف في "الناتو" في ردع روسيا والصين، إنما مع ذلك اختار بايدن الاعتبارات الإنسانية. 

عدم الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن كان أبسط على بايدن في محاولته كسر الجفاء مع تركيا، وتسهيل الخروج مع أفغانستان، إنما كان ليكرر النمط نفسه من التغافل في القضايا الإنسانية لحماية المصالح الجيوسياسية. 

تاريخ السلطنة العثمانية من مذبحة المماليك إلى مجازر القسطنطينية وحلب وجدة ومذابح سيفو، حافل بمحطات سوداوية لا يمكن لدولة تركيا الحديثة أن تتخطاها من دون حتى الإقرار بوقوعها. لم تتخط ألمانيا ذكرى المحرقة النازية بنكرانها، ولم تتخط اليابان مجازر نانكينغ من دون الاعتراف بها والاعتذار عنها. المصالحات والتقدم في مجتمعنا الإنساني وفي الدول الراقية يبدأ لحظة الاعتراف والإقرار بالخطأ بدل معاقبة من هم في تركيا الحديثة في حال استخدام عبارة الابادة.

بايدن ليس دونالد ترامب ولا باراك أوباما، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان بدأ يكتشف ذلك. هناك عودة لاعتبارات حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأميركية في هذه الإدارة من دون أن تكون المحرك الأساسي. هناك أيضا وضوح في قراءة المعطيات التاريخية وقوة أميركا. فالباب مفتوح أمام إردوغان وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ للتعاون في قضايا حيوية من أفغانستان إلى النووي مرورا بالمناخ، من دون أن يعني ذلك أن واشنطن ستلتزم الصمت حول فظائع إنسانية وانتهاكات حصلت في هذا الأسبوع أو منذ أكثر من قرن.

اعتراف بايدن بالإبادة الجماعية الأرمنية هو متأخر، ولكن يرسخ منعطفا في السياسة الخارجية الأميركية التي ستستوعب المصالح الحيوية بين الدول من دون أن تتنازل عن القيم الإنسانية والحقائق التاريخية.    

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.