جدار برلين
"سقط جدار برلين، لكن العداء لم يسقط".

سقط جدار برلين، لكن العداء لم يسقط. استخدم المنتصر في الحرب الباردة لغة جديدة، لكنه لم يتجاوز موقفه العقائدي. تقبل الطرف المهزوم على مضض إعادة التموضع الجيوسياسي على الخارطة الأوروبية، لكنه لم يتقبل الهزيمة وانتظر اللحظة التي يستطيع فيها استعادة موقعه، لكن في ذروة اندفاعته اصطدم بتغيرات جذرية. فأوروبا التي يريدها كما كانت قبل الهزيمة تحولت. وبرغم محاولات استنهاض الجغرافيا والمصالح، تحول هجومه من التوسع إلى الدفاع، بهدف الاحتفاظ بما تحول.

عندما رفعت واشنطن بطاقة صفراء تحذيرية، اكتشف الكرملين أن ما أنجزه من مخططاته التوسعية أو خارطة اندفاعاته لم يتجاوز مناطق من شرق أوكرانيا. والمعضلة أنه إذا قرر الاكتفاء بها يكون قد عزل نفسه بنفسه، وأقرّ ببناء جدار افتراضي جديد بينه وبين أوروبا يبعد آلاف الكيلومترات عن مكان الجدار السابق. وإذا قدر أن عباءته الجيوسياسية قادرة على ضم مزيد من الأراضي، فانه سينزلق حتما نحو المواجهة، مواجهة لا يمكنه أن يحدد مكانها أو حدودها في البداية، ومن المستحيل أن يعرف كيف وأين ستنتهي.

لم تعد أوكرانيا حديقة خلفية تاريخية للكرميلن. فمنذ 2014 يعيش البلدان حالة حرب، نجحت موسكو في اقتطاع أراض كبيرة من أوكرانيا ضمت جزءا منها إلى حدودها السياسية، وأقامت في مناطق أخرى حكما ذاتيا، وجعلتها بؤر توتر لم تعد تهدد استقرار أوكرانيا لوحدها بل استقرار القارة العجوز التي عادت إلى الانقسام. وفي هذا الصدد يقول الباحث في معهد كارنيغي للسلام في موسكو مكسيم ساموروكوف: "مرة أخرى، يبدو أن القارة تنقسم إلى معسكرين منقسمين بشدة، لا يعارض أي من الطرفين ظهور حدود واضحة بينهما، بل إنهما متفقان بشكل أو بآخر على المكان الذي يجب أن تكون عليه تلك الحدود: هناك فقط التفاصيل الدقيقة التي يجب تجزئتها".

ما لم يدركه الكرملين أن خطوط التماس في الحرب الباردة الجديدة انتقلت إلى حدوده، وأن استعراض القوة الذي يجريه على الحدود مع أوكرانيا، حتى وإن قام بغزوها، وهو أمر مستبعد حاليا، ليس إلا حماية لحدوده، ومحاولة يائسة لفك الحصار الإستراتيجي عن روسيا، والحفاظ على هيبة موسكو التي تتلقى العقوبات كما تتلقاها أي دولة تصفها واشنطن بالمارقة وتعمل على تأديب نظامها، لكيّ تُجبره على تحسين سلوكه، والتوقف عن إزعاج جيرانه، والتخلي عن طموحاته غير المشروعة.

بعيدا عن احتمالات حرب وشيكة، لا يبدو أن هناك أملا في التوصل إلى حل وسط بين روسيا وأوكرانيا، أو بين روسيا وأوروبا، أو بين روسيا وأميركا، والمأزق الأوكراني الأوروبي الأميركي أنهم ليسوا بوارد تدخل مباشر يمكن أن يدفع موسكو إلى التراجع عن التصعيد، وهذا ما دفع الكرملين إلى التلويح عسكريا بأنه قادر على فرض شروطه على الأطراف كافة.

لذلك لا تستبعد الإدارة الأميركية تدخلا روسيا واسع النطاق في أوكرانيا، لكن الأخطر بالنسبة لكييف أن واشنطن ومعها الناتو غير قادرين على الوقوف بوجه هذا التدخل أو منعه. فمن الواضح أن الغرب غير مستعد لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع روسيا في أوكرانيا، لذلك من المحتمل أن ينقسم الموقف الغربي إلى معسكرين، أميركي بريطاني يدعو لرفع مستوى التعاون ما بين أوكرانيا والناتو، وفرنسي ألماني يرفض هذا الطرح ويدعو إلى ممارسة مزيد من العقلانية مع موسكو لضمان تعقل بوتين.

الرهان الفرنسي الألماني على عقلانية بوتين عززه خطاب الأخير أمام المجلس الفدرالي، حيث دعا بوتين الدول الغربية إلى التعايش السلمي، وهو ما كان سائدا بين الطرفين خلال الحرب الباردة، حينما التزم كل طرف بحدوده الجيوسياسية وفصل بينهما جدار برلين، لكن من المستحيل أن يلتزم بوتين المُستَفز من إقتراب أعدائه التاريخيين إلى حدوده السياسية، حيث حدود نفوذه الطبيعي مع أوكرانيا، وهو عاجلا أو آجلا سيقوم بتوسعتها بهدف توسعة حدود الجدار الأوكراني، الذي سيشكل هذه المرة خط الدفاع الأخير عن الجدار الأحمر المحيط بالكرملين.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.