الكاتب المغربي سعيد ناشيد
الكاتب المغربي سعيد ناشيد | Source: al tanweer publishing house

في خضم ما يعرف بقضية "الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد" في المغرب، والإفراط في العنف الذي ووجهوا به في شوارع المدن التي تظاهروا بها. وما حظيت به حركتهم المطلبية من اهتمام وتعاطف كبيرين في أوساط الرأي العام الوطني، تطلع علينا قضية جديدة تتصل بقطاع التربية الوطنية دائما، جعلت من الوزير المكلف بهذا القطاع، وهو بالمناسبة الناطق الرسمي باسم الحكومة، أمام مساءلة شعبية حرجة على منصات التواصل الاجتماعي. بل إن المساءلة شملت الحكومة وفي المقدمة رئيسها. كما حركت في الآن ذاته صفوف الديمقراطيين والمتنوّرين، وبرزت مواقف الغضب الصادرة عن جمعيات حقوق الإنسان والنقابات المنددة بحملات "القمع الممنهج" ضد النضالات المشروعة.  

هذه المرة لم نبتعد عن قطاع التعليم. حين أتى خبر عزل أستاذ من وظيفته التي قضى بها  قرابة 20 سنة، بجرة قلم من رئيس الحكومة. ما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي بنيران غضب حارقة واحتجاجات لم تخمد بعد. ليست هي المرة الأولى التي يحدث فيها قرار عزل لموظف حكومي. ولأن المتضرر ليس شخصا عاديا أتت الصدمة كبيرة، كونه كاتبا ومفكرا ذاع صيته في الأعوام الأخيرة وطغى حضوره الوازن، لجرأته وخوضه في مجال شائك، فهو باحث مهتم بقضايا التجديد الديني. هو سعيد ناشيد، يكفي استعراض عناوين بعض مؤلفاته التي صدر أغلبها عن أشهر دور النشر في لبنان، لنعرف مدى حرارة الصفيح الساخن الذي يتحرك فوقه هذا المفكر المغربي، المعروف باجتهاداته من أجل إعادة قراءة الخطاب الدّيني وتجريد الإسلام السياسي من قبضة الاستغلال لغايات سياسية وانتهازية. من بين كتب ناشيد: التداوي بالفلسفة، الحداثة والقرآن، التدين العاقل، الوجود والعزاء: الفلسفة في مواجهة خيبات الأمل. 

كان سعيد ناشيد نفسه هو أول من أشعل فتيل الاحتجاج، من خلال تدوينة بالفيس بوك، أخبر فيها الرأي العام أنه أصبح بلا عمل أو مصدر رزق، إثر قرار التشطيب عليه من أسلاك الوظيفة العمومية، وبأن القائمين على الشأن العام في وزارة التعليم وفي رئاسة الحكومة، قرروا رميه للتسول، لكنه تسول من نوع آخر، فناشيد كما صرح، يجد نفسه اليوم في وضعية المتسول أمام أبواب النقابات والهيئات الحقوقية من أجل التضامن معه، خصوصا أنه لا يحمل بطاقة انتساب إلى أي حزب أو هيأة سياسية رسمية، رغم تموقع كتاباته وآرائه الجرئية في صفوف التيار العلماني بمفهومه الشامل. 

انتقام الظلاميين! 

استهل سعيد ناشيد تدوينته الاحتجاجية بالقول: "نعم أصبحتُ أتسوّل الآن.. قصّتي لا يعرفها سوى القليلين، حرصتُ على إخفائها لأني لم أكن أريد أن أبني اسمي على أي شكل من أشكال التعاطف. أنا سعيد ناشيد.. عملت مدرسا للفرنسية في الابتدائي لسنوات، ثم أستاذا للفلسفة في الثانوي لسنوات، في مدينة فاس، ثم مدينة سطات، كانت لي تجربة وإنجازات. في فترة حكومة التناوب نجحتُ بجدارة، بدعم من العزيزة على قلوب المغاربة المرحومة آسية الوديع، وبدعم ثلاث منظمات حقوقية، في الحصول على منصب مدير تربوي في إحدى إصلاحيات المغرب، وذلك بعد أن وقع السيد وزير التربية الوطنية على قرار التعيين، في إطار شراكة مع وزارة العدل، لكن القرار اختفى في طريقه إليّ بلا أثر". 

وأردف "واصلتُ مهنتي في التدريس بهدوء، وبالموازاة خضت غمار الكتابة والتأليف، مقتنعا بأنه الطريق الذي لن يصدني عنه أي أحد. وهكذا أصدرتُ كتابي الأولى "الاختيار العلماني وأسطورة النموذج" عن دار الطليعة بيروت". وفي إحدى المرات، يقول إنه غادر بيتا سكنه بالإيجار، فأجبره القضاء على أن يسدد مبلغا من 3 آلاف دولار بمثابة واجب للسكن، في حين أنه كان قد دفع كل ما بذمته. 

وأورد أنه قرر حينئذ أن يتوقف على الكتابة، لكن مفكرا عربيا اتصل به من الخارج وألح عليه أن يتسلم المبلغ، وقام بوضعه في المحكمة، حتى يعود إلى الكتابة. 

ويواصل أنه بعدما عاد للكتابة وأصدر كتابه الثاني "قلق في العقيدة"، فوجئ بـ"الضربة الثانية"، وهي إصدار قرار بأن يعود للتدريس في مدرسة ابتدائية بإحدى القرى، بذريعة وجود نقص هناك، ثم جرى منعه من مغادرة البلاد، لأن عمله في الابتدائي يمنعه من ذلك. 

ويضيف ناشيد أنه امتص الضربة وواصل الكتابة بقوة أكبر، فأصدرت كتابه الثالث "الحداثة والقرآن" عن دار التنوير ببيروت. "لكن الضربة الموالية جاءت هذه المرة من المرض، حيث أصبت بثلاث انزلاقات غضروفية في مستوى العمود الفقري، تُبينها تقارير الفحص الطبي، على أثرها فقدت القدرة على المشي لمدة عام ونصف، عرفت خلالها أيضا ما الذي تعنيه كلمة الألم". 

وأوضح ناشيد: "ثم جاءت الضربة الأكثر قساوة، حيث استدعاني المدير الإقليمي إلى مكتبه، فوجدت معه شخصا آخر، سأعرف فيما بعد أنه أحد أبرز مسؤولي "حزب العدالة والتنمية" في المنطقة، ليخبرني أمام مسامعه بأنه سيحليني على أنظار المجلس التأديبي، لأن المريض كما قال لا يحق له أن يكتب أو ينشر أي شيء، بل يجب أن يتناول الدواء وينام كما قال! مضيفا بأنه هو من سيعين الأعضاء الإداريين للمجلس الذي سيُعقد داخل إدارته، وأن العقوبة آتية بلا ريب". 

أخطر من سنوات الرصاص 

لا شك أن المتربصين بالأستاذ سعيد ناشيد كانوا بانتظاره عند أول مفترق. وواضح أن هؤلاء المتربصين هم من أعداء الفكر الحر ومن مناهضي العلمانية، ممن لا يقيمون وزنا للقوانين والأنظمة الإدارية، فيخرقونها لمحاربة "خصومهم" الفكريين والسياسيين. بل إنهم لا يتورعون بسبب الاختلاف في الرّأي والمرجِعيات، في سلوك "انتقامي يصِل حدّ قَطع الأرزاق؟". 

 قد يسترجع البعض هنا ما جرى في "سنوات الرصاص" بالمغرب، في عهد الملك الحسن الثاني وسيطرة الجنرال الدموي محمد أوفقير والوزير المستبد إدريس البصري. لكن سعيد ناشيد يسارع لإبعاد المقارنة ويوضح أنه "حتى في سنوات الرّصاص، لم تصل الدولة إلى هذا المستوى من الانتقام، رغمَ أنّه كانتْ هُناك طُرق أكثَر خُطورة. لكِنّ المُستوى لم يتدنَّ بهذا الشّكل".  

فسر آخرون عزل الأستاذ سعيد ناشيد كونه يدخل في إطار الهُجوم السافِر ضد الفلسَفة "لكن بطُرق لا أخلاقِية، وهذا راجعٌ إلى طبيعة الإسلاموية العاجزة عن النّقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة". ويسبب فكرها المؤسس على الجهل المُقدّس. وأن الغاية من هذا العمل "الإجرامي والظّلامي"، كما يؤكد ناشيد في حوار صحفي، هو "تكسيري مادّياً، لكي أتوقّف عن التّفكير والكِتابة". إنهم "يعتقدون أن قطع الرزق سيوقفني عن مشروعي الفكري ويجعلني أذعن وأتراجع، وهم في ذلك واهمون". 

من يذهب للتفتيش في ملف المدرس سعيد ناشيد سيجد مساره المهني موصوفا بالنّزاهة والاجتهاد، لم يُثبت في حقه تغيّب عن العمل بشكل غير قانوني، وشواهده الطبية مصادق عليها عن طريق اللّجنة الطّبية. وأنه سبق له المطالبة بالاستفادة ب"التقاعد النّسبي"، كونه يعاني من انزلاقات غضروفية في العمود الفقري، ومن حساسية تنفسية، ومن الكلي، لكنه طلبه رفض. 

يؤكد ناشيد أن عزله محبوكٌ من طرف الحزب الإسلامي العدالة والتنمية، ويتهم النائب الإقليمي لوزارة التربية بمدينة سطات (جنوب الدار البيضاء) بالخضوع لسطوة الإسلاميين، الذين يقودون منذ أكثر من عقد التحالف الحكومي في المغرب. فالنائب المشار إليه هو "خدِيم طيّع لصقور الحزب ذي المرجعية الإسلامية، يتحكّمون فيه مثل "الريموت كنترول" يكتب ناشيد. 

لاحقا سيتسرب أن القرار كان يقتصر على ثلاثة أشهر من التوقيف في حق المعني، وبعد رفع القرار إلى الوزارة الوصية على القطاع وجه التماس لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني لتشديد العقوبة، فلم يتردد عندما قرأ اسم المعني في الملف، ليتخذ قرار عزل سعيد ناشيد من أسلاك الوظيفة العمومية. 

قتل متسلسل 

برّرت الإدارة قرارها العقابي في حق سعيد ناشيد، (الصادر بتاريخ 2 أبريل 2021)، بـكون المعني "مقصر في أداء واجبه المهني، وبغيابه غير المبرر عن العمل"، و"بـاستغلاله" للرّخص الطبية لغير العلاج، ومغادرته للتراب الوطني بدون ترخيص من الإدارة". ووافق رئيس الحكومة على اتخاذ العقوبة المذكورة من دون توقيف الحق في التقاعد. وحسب أنظمة الوظيفة العمومية في المغرب تعتبر عقوبة "العزل من غير توقيف حق التقاعد" من العقوبات القاسية إدارياً.  

قال سعيد ناشيد إنه عبر سنوات عمله في التدريس لم يُنجز أي تقرير سيء في حقه، من طرف أي مدير أو مفتش أو أي رئيس من الرؤساء المباشرين. وأبرز أن "قرار طرده من الوظيفة العمومية بصفة نهائية، لا يفسره سوى كون جهات ظلامية نافذة تريد أن تراني أتسول، انتقاما مني لما أكتبه، ورغبة في إذلال المشروع الذي أمثله، كما أن الجهة المقابلة تخلت عن واجبها في حماية القانون". 

يعلق الباحث في مجال الحركات الإسلامية سعيد الكحل، بكون "قطع الأرزاق دون أسباب موضوعية موجبة لاتخاذ مثل هذا القرار هو جريمة مكتملة الأركان في حق أي موظف". 

أما رأي إنصاف الراقي فكان: "إن هذا العزل إجراء انتقامي محض لحزب إخواني، ضد مثقف فاضح لإيديولوجية الجهل والتطرف والظلامية التي يرتكز عليها حزب "البيجيدي". الحزب الذي زرع بلطجيته ومريديه، في إطار خطة التمكين، في عدد من الإدارات المغربية، وعلى رأسها قطاع التعليم، مقابل ترصد وإقصاء وطرد المتنورين المخالفين لمشروعه الإسلاموي المتخلف، في عملية شبيهة بالقتل بالتسلسل. فاليوم سعيد ناشيد وغدا أحمد عصيد، وبعده رشيد أيلال واللائحة طويلة". 

معلومة يتحدد على ضوئها الموقف! 

بسرعة تعدت أصداء القضية حدود المغرب، وانتشرت ردود فعل على مستوى البلدان العربية حول بواعث عزل الأستاذ ناشيد من عمله بقرار من رئيس الحكومة المغربية، وتلقيه تهديدات من جهات ظلامية جراء كتاباته التقدمية. ففي مصر دعا الناقد مدحت صفوت المثقفين والكتاب المصريين للتوقيع والتضامن مع المثقف المغربي سعيد ناشيد ضد الجماعات الأصولية.  

ووسط هذا التضامن الواسع برزت معلومة كان تعميمها من دواعي سحب عدد من المتضامنين تضامنهم مع ناشيد، وجعلت آخرين يتراجعون عن إبداء أي تعاطف معه، وهي إعادة نشر حوار سابق لسعيد ناشيد يؤيد فيه التطبيع مع إسرائيل، مصرحا أن التطبيع "سلام الشجعان لتخليص الشرق الأوسط من الاضطرابات". بهذا الصدد علق الكاتب المصري أحمد الخميسي أن "هذه المعلومة المهمة يتحدد الموقف على ضوئها". رغم ذلك  وجد آخرون من مناهضي التطبيع من عبروا عن مساندتهم لناشيد، انطلاقا من مبدأ عدم السقوط في الخلط بين الجوهر الحقوقي للقضية وبين التقديرات والمواقف السياسية للمتضامَن معه. في هذا الإطار نشر المناهض للتطبيع مع إسرائيل، أستاذ الفلسفة عبد الرحمان الغندور بيانا أوضح فيه موقفه أنه سيستمر في تضامنه مع سعيد ناشيد ضد قرار العزل. لأنه يعتبر "العزل والحرمان من الرزق يوازي عقوبة الإعدام في المجال الاجرامي". 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.