دراما "2020"، علامة فارقة في مسير الدراما اللبنانية.
دراما "2020"، علامة فارقة في مسير الدراما اللبنانية. | Source: Youtube - Shahid

مع كل موسم رمضاني، يتجدد التساؤل عن جدوى بعض الإنتاج البرامجي العربي الذي يضخ أضخم أعماله في هذا الشهر كصناعة ترفيه مكلفة للغاية وفارغة من المعنى، في الوقت الذي تواجه معظم الشعوب العربية اليوم تحديات وجودية ومعيشية خانقة هي الأصعب، تحتاج فيها إلى بعض الطمأنينة والمشاركة الوجدانية التي يمكن أن يقدمها صنّاع الدراما لهم عبر إنتاجات ذات حساسية مجتمعية خاصة تتحدث بأصواتهم، وتنظر لقضاياهم بعين المحب، وتعيد إنتاجها برؤى مبتكرة وذات تأثير.

في هذا السياق، يحضر مسلسل "2020" كأنموذج درامي يلتقط بعض هذه الحساسية المجتمعية الملحة اليوم، ويطرح إنتاجاً معافاً من لوثة الترف التي أصابت الدراما لسنوات متتالية، عبر صناعة درامية متقنة في تخطيطها لأهداف منجزها وأدواته، ذات محتوى فكري ناضج وقادر في الوقت ذاته على تحقيق التوازن الدقيق بين الترفيه والجدوى المطلوبين.

في دراما 2020، ستلعب إحدى العشوائيات البيروتية المهمشة المشابهة لكل عشوائيات العالم العربي، أحد أبرز أدوار البطولة التي تحتضن بيئياً الفقير والبسيط والغريب والخارج عن القانون، يتراكمون معاً في طبقات بيوتهم الكرتونية كما تتراكم همومهم الحجرية، تعتصرهم المساحات الخانقة وتؤازر بينهم الشدائد، يغلفهم جميعاً ثوب التقوى والفضيلة كسماء واطئة، بحيث تبدو المشهدية غير المصنّعة، لناظرها المحلي القريب قبل البعيد، غريبة عن الصورة النمطية التي قُدمت عن بيروت لسنوات برقي وتنميق أحيائها وقصورها وشوارعها.

وعليه، ستحرص الرؤية الإخراجية الفنية التي تلج في زواريب هذه البيئة الصعبة لوجستياً، على تكرار اللقطات الموسعة التي تكشف متاخمتها جغرافياً لأبراج بيروت الناهضة على مسافة خطوات، للتذكير بأن هذه العشوائيات التي تعيش مع سكانها في الظل وتبدو كقطعة جانبية رثة من ثوب بيروت، هي البيئة التي تصنع الأحداث الخفية التي تتفاعل مع المناطق الأخرى في تبادل الأثر والتأثير.

سيحضر الترفيه هنا برؤيته الفنية المريرة والعميقة المصاغة بحرفية كاتبي السيناريو، بلال شحادات، وندين جابر، عبر الغوص في عوالم قاطني هذه العشوائيات والبحث عن بعض تلك الجماليات الكامنة في قعر النفس البشرية المسحوقة، واستنطاقها بحوارات بسيطة وموجعة، وفرحة أحياناً، لتحريرها أمام مشاهدها الشاهد، بما علق بها من ترسبات راكمها القهر واليأس والبؤس والفقر والخطيئة.

المخدرات وعوالم صراعات تجارها، قضية ليست بالجديدة على الدراما العربية، لكنها تطرح هنا بلبوس مختلف، أحد أبرز أبطاله فتيات مشاركات ومسحوقات، مخيّرات بين دلف عالم الدعارة والملاهي الليلية والضياع، ومزراب الأقبية الخانقة كالقبور، أو الموت.  يدسسن السم بنشاط في الطعام أو ضمن ابتكارات شيطانية أخرى، ليتلقفه بشهية بعض من قاد هؤلاء الفتيات إلى مصائرهن صاغرات، في أبشع استغلال جنسي أو إنساني وضمن دائرة محكمة القسوة.

كما سيبدو البطل "القبضاي" أنموذجاً للرجولة والشهامة والنخوة والكاريزما الاجتماعية، صانعاً للجريمة المنظمة تحت ثوب العفة والتقية و(ياعفو الله)، يوزع الإغاثة للمحتاجين كأفعال خيرية من جهة ويتحكم بمصائرهم من ناحية أخرى، بحيث لا تختلف شخصيته في تناقضها الحاد عن سمات شخصيات عالمية شهيرة اتهمت بغسل أموالها بأنواع مختلفة من الصابون، من أبرزها شامبو التخفي خلف ستر الأديان بتنوعها.

محاكاة عالم المخدرات المحمي دولياً من رجال المافيات في الظل محاكاة غير ذات جدوى، لكنها تبقى وسيلة ناجعة في صناعة التشويق الدرامي. في المقابل يعول هنا على الأثر الذي قد يحرضه بعض الشيء الخط الدرامي الأهم في العمل، وهو الخط الخاص بحياة الأرملة، أو بطلة العمل، سما النقيب، في قوى الأمن الداخلي.

حيث يضيء العمل بشفافية وانسيابية على حياتها الشخصية وصراعها مع حق الوصاية على طفلتها وتحكم أهل الزوج بعملها وخصوصيتها كامرأة وكأم، الأمر الذي يعيد أهمية طرح قضايا قوانين الأحوال الشخصية في الدراما، ويفتح باب المظلومية التي تعيشها النساء مع غياب الحقوق أو ضبابيتها، مهما علا شأن المرأة والمنصب الذي تتقلده في ظل هذه القوانين المجحفة.

وهو خط يستحق التحية، غير مستغرب من كاتبي سيناريو مثقفين، تمكنا برشاقة من حبكه مع باقي الخطوط الدرامية، وصنعا منها نسيج نص متماسك وشيق، هو الأكثر مشاهدة منذ الحلقة الأولى وحتى اكتمال عشريته الأولى، ساهم في ترجمته إبداعياً وإحكام بنيته المخرج، فيليب الأسمر، مع كوكبة من نجوم الدراما، تميزت بينهم نادين نجيم في أداء شخصيتين ملفتتين، وكارمن لبّس التي تقدم هنا أحد أبرز أدوارها وأكثرها شفافية.

دراما 2020، علامة فارقة في مسير الدراما اللبنانية، لم تجتمع فيه جميع عناصر النجاح الدرامي الرئيسة فقط، بل طغت عليه روح الشغف الجماعية التي نفذ في ظلها، وبدت واضحة في كل تفاصيل الصنعة ومحيّا صنّاعها. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.