صاروخ من القبة الحديدية الإسرائيلية (أرشيفية)
صاروخ من القبة الحديدية الإسرائيلية (أرشيفية)

ليس المهم إن كان الصاروخ الذي سقط على مقربة من "قرية ديمونا النووية" الإسرائيلية، أو انفجر فوقها، طائشاً أم موجّهاً، أرض - جو أم أرض – أرض، أطلقته أيادٍ سورية أم إيرانية، جاء كرد فعل على غارة إسرائيلية في سوريا، أم انتقاماً للضربة في مفاعل "ناتنز"...الأهم، أن صاروخاً واحداً "يتيماً"، قد فتح الباب لسيل من الأسئلة والتساؤلات، شغلت اهتمام الصحافة ووسائل الإعلام، في المنطقة، ودولياً إلى حد ما، واحتلت حيزاً واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي في طول الإقليم وعرضه. 

السؤال الأول؛ حول مدى كفاءة شبكة الدفاعات الجوية الإسرائيلية المركبة، من أربع طبقات: القبة الحديدية (للصواريخ والقذائف قصيرة المدى)، مقلاع داود (للصواريخ المتوسطة)، صواريخ حيتس/ أرو/ السهم، للارتفاعات المتوسطة والعالية، وصواريخ الباتريوت المضادة للصواريخ الباليستية بعيدة المدى...شبكة معقدة ومتراكبة من الدفاعات الجوية، لم تحل دون اختراق صاروخ واحد، برأس متفجر وازن، من الاقتراب من أكثر المناطق تحصيناً وحساسية من منظور الأمن الإسرائيلي: ديمونا. 

لم يكسر الصواريخ قواعد اللعبة، بيد أنه كسر "التبجح" و"الخيلاء" الإسرائيليين، حتى أن صحف إسرائيل، قبل غيرها، وأكثر من غيرها، أخذت تعبر عن القلق من مغبة انكشاف "الجبهة الداخلية" الإسرائيلية، برغم وعود الحماية والتحصين، التي ما انفك يطلقها، قادة المستويين الأمني والسياسي في إسرائيل. 

السؤال الثاني؛ طائش أم موجّه؟، إن صحت رواية إسرائيل الرسمية، عن صاروخ طائش، تبقى أسئلة التحصين والحماية واردة تماماً وصالحة للغاية، لكنها تعطي الانطباع بأننا أمام صاروخ "يتيم"، وحادث عرضي، غير مرشح للتكرار مجدداً...أما إن صحت الرواية الإيرانية، التي تحدثت عن صاروخ محمّل برأس حربية، وبالعديد من الرسائل، فمعنى ذلك أننا أمام واحدٍ من احتمالين: (1) أن تكون إيران، بصدد عمل انتقامي، رمزي في هذه المرحلة، ممهور بخاتم "الفاتح 110"، وبما يعني أننا آثرنا هذه المرة توجيه رسالة، وليس التسبب بكارثة، مع أننا قادرون على توجيه الرسائل والكوارث في الوقت عينه...(2) أن تكون إيران، وبالتشاور مع حلفائها في سوريا، قد قررت وضع حد للعربدة الإسرائيلية في السماوات السورية، وأن الصاروخ لن يظل "يتيماً" إلى أبد الآبدين، وأن معادلة جديدة للردع المتبادل في طريقها لأن ترى النور. 

السؤال الثالث؛ كيف يمكن كسر معادلة الاستباحة الإسرائيلية للأجواء السورية؟...الصاروخ يؤشر إلى طريق سوريا، ومن خلفها إيران لفعل ذلك، لكن شرط ألا يكون حادثاً منفرداً، أو متقطعاً وبفواصل زمنية متباعدة للغاية...إن ردّت سوريا وإيران على كل غارة إسرائيلية، بصاروخ أو أكثر، في العمق الإسرائيلي، وليس وصولاً إلى النقب في أقصى الجنوب دائماً وبالضرورة، عندها ستجد إسرائيل نفسها أمام واحدٍ من خيارين اثنين: أن ترد بقوة نار أعلى وأشد، مقامرةً بالانزلاق إلى مواجهة مفتوحة على جبهتها الشمالية، وبما ينذر بانتقال شراراتها إلى جنوبي لبنان كذلك...أو أن تشرع في التفكير مطولاً، بل ومطولاً جداً، قبل أن تعطي لسلاحي الجو والصواريخ، أمر العمليات بالانقضاض على أهداف سورية أو إيرانية في سوريا، وهي العملية التي تحدث بمعدل أسبوعي تقريباً، ومن دون أي رد فعل يذكر. 

السؤال الرابع؛ لماذا الآن؟...واشنطن وطهران في ذروة عملية تفاوضية، محفوفة بكل التكهنات الإيجابية المتفائلة، وبقرب عودتهما إلى الاتفاق النووي، برغم اعتراض إسرائيل، وبالضد من إصرارها على الحيلولة دون حصول ذلك...علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل، ليست في أحسن حالاتها في عهد إدارة بايدن، بخلاف ما كان عليه طيلة سنوات ترامب الأربع في البيت الأبيض...إيران تراهن على أنه بمقدورها أن ترد على إسرائيل، دون خشية على مصير مفاوضات فيينا، ودون خشية من ردة فعل أمريكية قاسية أو ذات شأن...الآن، هو الوقت المناسب للرد على الضربات الإسرائيلية...والآن، هي الفرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وترميم توازن الردع الذي انهار مؤخراً لصالح إسرائيل. 

السؤال الخامس؛ ويتعلق بحسابات دمشق، وليس فقط بحسابات إيران وأولوياتها، فهل لسوريا مصلحة في رفع منسوب التعرّض لإسرائيل؟ ...الجواب نعم، فالأسد يواجه حرجاً متراكماً من مغبة الانتهاك الإسرائيلي المتكرر لسيادة سوريا وحرمة أجوائها، وضربها في عقر عاصمتها، ومع أنه قادر على ما يبدو على تحمل هذا الحرج وضغوطه، إلا أننا لا نعرف إلى أي مدى يمكن لهذا الوضع أن يستمر. 

لكن لسوريا كذلك، مصلحة في تحريك ملفاتها الراكدة، على وقع حالة السكون والسكينة الممتدة لثلاث سنوات، تشهد تثبيت دعائم الكيانية الكردية في الجزيرة وشرقي الفرات، وترسيخ دعائم احتلال تركي مقيم في شمالي غرب البلاد، فضلاً عن عملية إعادة تأهيل جبهة النصر (هيئة تحرير الشام)، وإمارة الجولاني في إدلب...هذا الركود إن استمر، ينذر باقتطاع أكثر من ربع مساحة سوريا، وربما إلى الأبد. 

والأسد، يرزح مع أزيد من 80 بالمئة من الشعب السوري في مناطق سيطرته، تحت نير حرب اقتصادية ضروس، وعقوبات دولية صارمة، وخانقة اقتصادية غير مسبوقة، وجائحة صحية فتاكة، وإعادة إعمار مع وقف التنفيذ، ولاجئين لا يعودون ولا يتوطنون في الدول المضيفة...هذا الوضع، ينذر بانفجارات داخلية، وربما يكون من الأفضل، تغيير وجهتها صوب انفجار مع إسرائيل، شريطة أن يكون محسوباً، بل ومحسوباً بدقة، حتى لا ينقلب السحر على الساحر. 

السؤال السادس؛ ماذا عن الموقف الروسي؟ ...روسيا محرجة جراء تمادي إسرائيل في اعتداءاتها المتكررة على سوريا، في ظل صمتها، وصمت منظوماتها الصاروخية المضادة للطائرات والصواريخ...لكنها ليست بوارد صدام مع إسرائيل، فلديها من الصدامات مع الغرب والناتو على أكثر من جبهة، وبعضها أكثر أهمية من سوريا، مثل أوكرانيا والقرم، والأرجح أنها لا تريد فتح جبهة جديدة وهي على هذا الحال. 

لكن روسيا لا تمانع في رفع منسوب المواجهة والتصدي للعربدة الإسرائيلية، في الجو والبحر...فهي اليوم، توفر الحماية لقوافل السفن الإيرانية المحملة بالنفط والسلع لسوريا، لتفادي "القرصنة" الإسرائيلية، وتعطي بين الحين والآخر ضوءا أخضر للتصدي للطائرات والصواريخ الإسرائيلية التي تعربد في الأجواء السورية. 

خيار روسيا الأول، إدماج سوريا في عملية تفاوض وسلام مع إسرائيل، تكون بوابة موسكو لتجديد دورها في هذه العملية، وعبر البوابة السورية الواسعة والعريضة...لكن إسرائيل ليست راغبة في فتح هذا المسار، إلا بالحدود الضيقة المتعلقة باسترداد جثث جنودها القتلى والبحث عن رفاة جاسوسها إيلي كوهين...وواشنطن ليست بوارد توفير ممر آمن لموسكو للقيام بدور شرق أوسطي أكبر وأوسع نطاقاً...إن ارتفع منسوب المواجهة "المحسوبة" بين إسرائيل من جهة، وكل من سوريا وإيران من جهة ثانية، فربما يوفر ذلك لروسيا الفرصة التي تنتظرها بفارغ الصبر. 

السؤال السابع؛ ما الذي نتوقعه في قادمات الأيام؟...التحليل السياسي يعطي الأرجحية لتكرار عمليات التعرض للطائرات والصواريخ الإسرائيلية، حتى في الأجواء الإسرائيلية، وقد يتخللها إطلاق "صواريخ طائشة" عديدة، وبعضها قد لا يظل طائشاً، وقد يلحق أضراراً مادية وبشرية...رد الاعتبار لكبرياء طهران المهدورة في "ناتنز" وغيرها، يمكن أن يكون هذا طريقه...وطريق الأسد للخروج من أطواق العزلة التي تعتصره، وتعتصر شعبه معه، يمكن أن يمر بعملية تسخين مدروسة لخطوط التماس مع إسرائيل...وما لم تتحرك الدبلوماسية في مسعى استباقي، فربما نشهد المزيد مما حصل في أكناف "ديمونا". 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.