تعود بي الذاكرة إلى مطلع هذه الألفية؛ عندما أعارني أستاذي القدير/ د. مصطفى بكري السيد ـ رحمه الله ـ كتابا كان حديث العهد بقراءته. الكتاب الذي كان يقع في جزءين هو: "سيرة حياتي" للباحث القدير/ عبد الرحمن بدوي، وهو الكتاب الذي أحدث بمجرد صدوره عام 2000 ضجة كبرى في أوساط المثقفين، بل وحتى في أوساط بعض الأحزاب والتيارات السياسية التي طالها ـ بشكل أو بآخر ـ بدوي بلسانه الحاد الذي لم يٌوفَر أحدا من النقد، بل وربما من السبّ؛ إلا القليل.
حديثي هنا ليس عن استمتاعي بهذه السيرة الكاشفة (رغم الثغرات الشخصية التي حاول بدوي تزييفها أو تلوينها)، ولا عن الإشارات والإلماحات المفيدة للباحثين في أكثر من مجال، وإنما حديثي هنا عن جملة كتبها أستاذي د. مصطفى بخط يده، حيث كتب على الورقة الأولى التي تلي الغلاف مباشرة جملة نسبها إلى المفكر البحريني الكبير/ محمد جابر الأنصاري، يقول فيها: "أما آن أوان الانتقال من نقائض جرير والفرزدق إلى مقدمة ابن خلدون". أعجبتني هذه الجملة، وتأملتها عميقا، وفاتني أن أسأل أستاذي عن مصدرها في أكثر من لقاء. وقد حاولت العثور عليها بعد ذلك في مؤلفات الأنصاري؛ فلم يسعفني الحظ لتوثيقها.
المهم هنا، هو أن هذه الجملة التي نسبها أستاذي إلى الأنصاري ليست مجرد كلمات عابرة تقف عند حدود بالمعنى المباشر/ الأولي، بل هي جملة رامزة، تعني ضرورة الانتقال من نمط تفكير غوغائي صراعي شتائمي؛ وبالتالي، غير منتج، بل مُعِيق ومُدَمِّر، إلى نمط تفكير عقلاني، بحثي، مُنَظّم، شجاع في مواجهة ذاته، يُحَرّض على الفهم، أكثر مما يُحَرّضُ على اتخاذ المواقف وإذكاء نيران الخصام الذي لن يكون نتاجه في نهاية المطاف أكثر من مجرد حطام كلام.
للأسف، العقل العربي لا زال عقلا نقائضيا إلى أقصى مدى. العقل العربي/ الوعي العربي في مجمله لا يختلف ـ جوهريا ـ عن المُحَدِّدات الأساسية للروح النقائضية التي هيمنت على التاريخ العربي الطويل. النقائض التي بدأت منذ عصر الجاهلية الأولى كانت تقوم على عنصرين: عنصر فَنَي؛ يتجلى في التقابل التَّماثلي، حيث تتماثل/ تتّحِد القصيدة ونقيضتها في الوزن والقافية (البُنْية الشكلية الموسيقية). وعنصر مضموني؛ يتجلى في التقابل الضدي، حيث يجري قلب المعاني ـ ضِدّيا ـ على الخصم، إما باستخدام أضدادها على نحو مباشر، أو بادعاء حيازة المعنى الإيجابي، وتجريد الآخر منه؛ للحط منه في معركة الصراع على المجد المؤثل في مدى الكلمات/ ميدان القول.
من الطبيعي أن تحكم "النقائضية" العقل العربي؛ إذ هي تمتد على طول تاريخ فن القول عموما، والقول الشعري خاصة. قامت معظم النقائض الأولى التي أسست لهذا الفن مُحَايِثَة لمعارك ثأرية تَتَعاقب أحداثها في متوالية سببية قد تمتد لعشرات السنين. حتى تلك الحروب الطويلة التي سبقت رسوخ فن النقائض، جرى ـ وبأثر رجعي ـ الانتحال لها (كتابة قصائد نقائضية تواكب قصصها)؛ كما لا تكون أحداثا صراعية على مستوى الوقائع المادية فحسب، أي وقائع لا يؤكدها ويعضدها ويبررها صراع الأقوال: نقائض الشعراء. ومن هنا، وجدنا أبطال/ فرسان حرب البسوس، هم أبطالها أيضا؛ من حيث هم فرسان الكلام/ شعراء نقائض، فـ"كليب" و"جساس" و"همام" و"الحارث بن عباد" و "مهلهل"، دارت بينهم معارك شعرية نقائضية منحولة (منحولة؛ بدلالة لغتها التي هي أقرب إلى العصر العباسي منها إلى الجاهلي الأول)؛ تواكب الأحداث وتمنحها صفة الخلود.
عندما يُراد للصراع المادي/ الحربي أن يدوم؛ ينهض الشعراء بهذه المهمة. لهذا، لم تكن الصراعات تُنْسى في تاريخ العرب؛ حتى وإن تقادمت أيامها وفَنِي مُوقِدُو جمراتها الأولى. ومعروف أن المعارك الكثيرة التي كانت تجري في يثرب بين الأوس والخزرج (الأشقاء الأعداء) قبل الإسلام قد تم تخلديها شعريا؛ حيث لم يفترق فيها اللسان عن السنان. ولاحقا، كان من يُريد إذكاء روح الحرب من جديد؛ ما عليه إلا أن يُعِيد استعراض صور المعارك السابقة سينمائيا، أي بإنشاد القصائد التي صورتها وخلّدتها؛ وحينئذٍ تعود الحرب من جديد.
وحتى عندما جاء الإسلام ليُوحّد بين قبيلتي الأوس والخزرج، ولِيُنهي الصراع بينهما لصالح الصراع الخارجي؛ تحوّلت النقائض ـ مباشرة ـ باتجاه الصراع الجديد. الصراع الجديد ـ في جانبه الأكثر حدة ـ كان مع القرشيين. ولهذا، كان من الطبيعي أن يقوم شعراء الأوس والخزرج الذي كانوا من قبل خصماء فيما بينهم، بالتوحّد لخوض معركة نقائض شعرية مع الشعراء القرشيين الذين كانوا أقل تمكّنا من هذا الفن الشعري الصراعي، لا بكونهم أبناء بيئة أقل شاعرية فحسب، وإنما أيضا، لكونهم أبناء مجتمعي غير صراعي، مجتمع تسالمي بحكم قداسة المكان (النطاق الجغرافي للحرم) الذي كان لا يسمح بالحروب إطلاقا.
لقد كان شعر النقائض مزدهرا بقدر ازهار الصراع القبلي. ومن هنا كانت القبائل تفرح أشد الفرح بنبوغ الشعراء فيها، حيث هم المدافعون عنها، هم فرسان القول الذين يضاهون فرسان الحرب، بل قد يزيدون عليهم أهمية في كثير من الأحيان. وبهذا، لم تخل منطقة صراعة عربية في الجاهلية من حالة صراع شعري/ نقائض، ونقائض النابغة مع عامر بن الطفيل، أو مع بعض شعراء عبس، أو نقائض الهذليين البينية (بين أفخاذ القبيلة) أو مع غيرهم، لا تزال حاضرة في مدونة الأدب العربي.
لكن، ازدهار شعر النقائض، وتحوّله من فَنّ مُحَايثٍ للصراعات المادية/ الحربية العسكرية إلى فَنّ مستقل بذاته (يصنع عالمه الصراعي دونما ارتبط شرطي/ مباشر بصراع واقعي)، إنما حدث في العصر الأموي، وعلى يد المُثلّث الأموي: الفرزدق وجرير والأخطل خاصة. ففي هذا العصر الذي تأسس على النزعة القبلية العنصرية (التي وضع أرضيتها معاوية بقصد؛ لهدف سياسي خاص)؛ كانت القبائل المنخرطة في نظام إمبراطوري يحاول تأطيرها وتحجيم صراعاتها لأهدافه الخاصة، تشرئب لأن تعيش أمجاد صراعاتها السابقة ولو على مستوى الخيال الذي يُوَفِّره الشعر/ ديوان العرب؛ كما يُقال.
تَكفّل الفنُ/ الشعُر ـ وبتشجيع ضمني من السلطة الأموية ـ بصناعة اللحظة الصراعية. لكن، حيث النقائض ـ بطبيعتها ـ تستمد مادتها/ أفكارها: مضامينها من الصراع المادي، وهذا الصراع شبه مفقود جرّاء انتظام القبائل في معسكرات الإمبراطورية الأموية، فقد كان عليها أن تعود ـ شعوريا/ شعريا ـ إلى مرحلة ما قبل الإسلام، حيث أيام العرب في الجاهلية، وحيث أشعارهم الزاخرة بما قيل عن هذه الأيام. ومن هنا، بدأ الشعر النقائضي الأموي يكتب إحداثيات صراع غير موجود، يكتب بالنقائض واقعَ صراع، ولكن بالإحالة ـ غالبا ـ على مضمون سابق، على مَفْخَرةٍ للأنا، أو مَذَمَّة للآخر، جَرَت وقائعها في زمن آخر: عصر ما قبل الإسلام.
هكذا، قطع شعراء النقائض الثلاثة الأكثر شهرة(الفرزدق وجرير والأخطل) صلتهم المضمونية بعصرهم، وانهمكوا يعيشون مضامين/ قيم العصر الجاهلي الذي يجري استثماره في ثنائية: الفخر والهجاء. وفي هذه الأثناء/ في سياق هذا التساوق التخيّلي مع عصر جاهلي، جرى التجرد من منظومة القيم ـ السائدة ظاهريا في عصر هؤلاء الشعراء ـ، أقصد: القيم الإسلامية التي تمنع العدوان اللفظي، وتجرّم قذف الأعراض، وتعد الكذب والبهتان ذنوبا، بل وتعد مجرد الفخر الأجوف من رذائل الأفعال. الإسلام يُحرَم ويُجرّم كل هذا/ كل الأدبيات النقائضية، فيما شعراء النقائض يمارسون ـ عن قصد، وعلانية، وبكل وضوح، بل وبكل فخر ـ هذه المحرمات المجرمات !
لكن، ليس هذا هو المهم. ماذا يعني أن يكون ثلاثة شعراء، أو حتى ثلاثين شاعرا، مُروّجين لقيم عدوانية، لمواقف عنصرية، لبذاءات لفظية، لِسِباب صِبياني، بل ولِفُحْش تشمئز منه الأنفس التي لا تزال تحتفظ ولو بأدنى قدر من الاحترام الإنساني الذاتي؟ لو توقّف الأمر عند حدود هؤلاء الشعراء؛ فهذا لا يعني شيئا ذا بال، أي لا يعني إلا أن ثمة فئة منحرفة هي مَكبّ النفايات الأخلاقية لأي مجتمع، ولا يمكن أن يقاس المجتمع عليها.
لكن، الأمر لم يتوقف عند هؤلاء، فالمجتمع احتفى بهؤلاء الشعراء النقائضيين، وتفاعل ـ بأعلى درجات الحماس ـ مع منتجهم الأدبي؛ حتى بدا وكأنه يراهم المعبرين عنه ـ أفكارا وقيما ـ أصدقَ تعبير، بدا هؤلاء الشعراء الشتائميون وكأنهم يتحدثون بلسان المجتمع الذي لم يعد مسموحا له أن يُعِيد سيرةَ الجاهلية الأولى؛ إلا على هذا النحو من التواري المراوغ خلف شعراء لا ينتمون إلى عصرهم إلا بأجسادهم؛ بينما عقولهم وعواطفهم ونظامهم القيمي تنتمي إلى عصر آخر كان قائما على قاعدة التشرذم والافتراق والتباين والصراع القبلي الحاد، وما يتبع ذلك من تَشكّل الوعي بالكامل على الزوايا الحادة لثنائية: الفخر والهجاء.
لم يصنع شعراء النقائض هذا العقل العربي النقائضي ابتداء، وإنما كشفوا عنه، عبّروا عما كان موجودا؛ ولكنه كان متواريا خلف ضغط اللحظة التاريخية الاستثنائية؛ ثم أمعنوا ـ بمنتوجهم الأدبي الزاخر المتداول على نطاق واسع ـ في ترسيخه وتعميقه ومنحه مستوى أعلى من إمكانية البقاء والتأثير بمرور الأجيال.
هذا العقل العربي النقائضي هو ذاته العقل العربي السائد الآن. الآن، يخفت صوت ابن خلدون؛ كممثل نسبي للتفكير المعرفي/ الموضوعي الذي يمارس تشريح أعطاب الأنا؛ دونما مبارزات شتائمية مع الآخر(هذا الآخر الذي يحضر في الخطاب الخلدوني بوصفه مرآة الذات الكاشفة)، وفي المقابل، يرتفع صوت الفرزدق وجرير والأخطل. يحدث هذا في علاقة العرب مع غيرهم من الأمم (ولكن هنا من طرف واحد: العربي)، كما يحدث أيضا في العلاقات البينية داخل المجتمعات العربية التي تتخاصم وتتناحر وتتشاتم كما كانت قبائل العرب الأولى تفعل أيام "البسوس" و"داحس والغبراء" و "الكلاب" و"بُعاث"...إلخ.
وانظر إلى الواقع العربي، حيث لا جديد، لا زال سوق "المربد" قائما، ولا زال الفرزدق وجرير والأخطل/ أحفادهم يتقابلون بقصائدهم الشتائمية البذيئة الفاحشة التي تلهب حماس الجماهير، وطبعا، الأكثر إسفافا في توجيه قذائف السباب يعتقد أنه ـ بمجرد شتيمة باذخة الفحش ـ هو المنتصر الذي حاز المجد من أطرافه، ولا شيء ذا قيمة هنا؛ غير قافية شرود، تتعاقب على مضغها أفواهٌ بائسة يبدو وكأنها لم تُخْلق لغير هذا النوع من الكلام.

